باسم سليمانتبدو الرواية كالثقب الأسود يمتصّ كلّ الأشياء ولا يخرج منها إلاّ الأشعة السينية التي تُظهر عظام وجودنا الهشّة المملوءة بالكسور والتي لا تنتسب لمجموعة الأعداد الطبيعية التي يتعرف بها الطفل على المعادل الحسابي للوجود ليصدم كيف أنّ السلب/ الناقص كإشارة تتوضع أمام أرقام حياته وأكثر لتظهر بعدها الكسور، فتارة يكون بسطاً وتارة مخرجاً في جملة معادلات تزداد مجاهيلها ولا تساوي الصفر/ الطمأنينة الحسابية للأعداد الطبيعية.في تعليق أرسطو على التراجيديا قال: على الكاتب أن ينتقي ويسلط الضوء على بعض الأحداث. بالطبع يشير أرسطو هنا إلى مفاصل مهمة في المدونة الهومرية وغيرها، تؤدي لنتائج معينة وأهمها التطهير وهذا ما قام به أصحاب التراجيديا اليونانية الذين عيب عليهم التشابه في المنظومة التراجيدية ولكن تلك قراءة قديمة بائسة لم تكن تلحظ أنّ التراجيديا طقس/ منظومة/ مؤسسة تحمي المجتمع من العنف عبر الإبدال الأضحوي الرمزي في زمن تحلّل فيه المجتمع اليوناني القديم وظهر مجتمع المؤسسات ذات الصفة الاعتبارية وخاصة القضائية.ومن هنا هل نستطيع أن نقول: إنّ الرواية هي الأضحية العقيمة، حيث لا يؤدي سفح دمها إلى استجلاب سلسلة من ردود الفعل الانتقامية بحيث تكون أوديب آخر يصرخ بملء فمه: أنا مسؤول عن كل تلك الشرور وبخروجي عودة لطمأنينة طيبة.لم تسلم الرواية من اعتمال الفعل الانتقامي ومع ذلك بقيتْ كمنظومة فكرية تحايث وجود الإنسان، تنتج أقل الانتقامات، فتداعي حجر الدومينو خاصتها قصير لناحية الانتقامات في حين أنّه يمتد بسلاسة منتجاً وعياً تطهيرياً يُحسب له حساب في مقاربة العنف البشري بجميع أشكاله.خروج أوديب هو تعبير عن انتهاء المحنة العنفية/ الذبائحية/ الأضحوية، كذلك ظهور الرواية كفعل كتابي لعين القراءة يعني أنّ مساءلة الواقع أصبحتْ ممكنة من خلال مسافة آمان ووعي يحققها الكاتب لينتج تلك الحيادية التي كان أصحاب التراجيديا اليونانية يصرّون على أن يكونوا على مسافة واحدة من شخصيات التراجيديا التي يعتصرها العنف وهذا ما نستطيع أنْ نقوله عن الروائي سنان أنطون في روايته’ يا مريم’.الصراع التراجيدي:لم يكن يوسف يدرك تماماً أنّ طمأنته للصغيرة مها في ذاك القبو وهو يخبرها أنّ صوت القذائف ما هو إلا صوت المطر، فراحت الطفلة تردد: متر، متر، متر وكأنّها مظلّة تحتمي بها من هول القصف على بغداد، سيعود عليه في صراع لم يكن ليستجيب له إلا محاولة جديدة لطمأنة مها، الأم الثكلى على جنينها الذي فقدته نتيجة تفجير إرهابي والمفجوعة على جماعتها البشرية وهي تستهدف من القاعدة وأيضاً من مجتمعها التي ظهرت به الدرنات المملوءة بالصديد الطائفي وبدأ القيح يتدفق مع دجلة والفرات، فبدأ هذا المجتمع يمارس عملية تهجير منظمة للذي يمكن تسميته وفق بدعة سياسية بالأقليات، لينتهي هذا الصراع بصراخ مها: أنت تعيش في الماضي!؟.سؤال الأزمنة وصراعها دفع يوسف ابن العقد الثامن ليستذكر تاريخ عائلته فرداً، فرداً، عبر صور علّقها على جدران بيته وملأ الألبومات والأدراج بها وكأنّه يحاول أن يخبر مها أنّ هذه البلاد كانت يوماً على قيد الحياة. وزّع ذكرياته بموضوعية وحيادية في الحكم إلا ما أجبرته النوستالجيا على التوقف عنده وخاصة أخته ‘حنة’ التي ربتهم، هو وأخوته بعد وفاة أمّه وفاتها حلم حياتها بأن تصبح راهبة وكأنّه بذلك يتجنب الصراع بين الحاضر المسيخ والماضي الجميل رغم ندوبه الكبيرة وجواباً ضمنياً لرفضه الهجرة كما فعلتْ جلّ عائلته نتيجة لأسباب كثيرة ولكي لا يقع في منظومة المقارنة مع حاضر يراه مؤقتاً ومصير الحياة أن تعود لمجاريها، هذا الحاضر الذي يسقط فوق حياة مها قريبته البعيدة بصوت ‘بو، بوم ، بو’ كما أخبرته عندما كانوا في السرداب أبان القصف الأمريكي في أوائل التسعينات ولم تعد مظلة ‘متر’ تحميها.مها تعري الحاضر، تسلبه حتى هشاشته المصطنعة عبر ما يمكن تسميته وطن، تدخل في تفاصيل يومية عفنة عانتها وجعلت روحها مشروخة لهذه الدرجة التي لا يمكن أن تلتئم ومع ذلك تكنّ ليوسف عاطفة واحتراماً ويوسف أيضاً. كل منهم يحاول أن يزيل الصراع بينهما الناتج عن العنف المستشري بالبلاد وبطريقة ليست قدرية بقدر ما هي نتيجة للذي حصل. تلمحه في الكنيسة لكن يقتحمها الإرهابيون وتحصل مجزرة يذهب ضحيتها يوسف لتبقى مها ناجية وشاهدة على نهاية الصراع. لم يستطع الماضي أن ينقذ يوسف الذي ذهب ضحية الحاضر ولم يستطع أن يؤمن لمها بعداً جديداً تنظر به للعراق لقد أصبح العراق ‘عراقات’ كلّ ينظر إليه من عينه الوحيدة بعدما قُلعت الأخرى لقد أصبح الوطن الأعور الدجال. تضادية جمالية:لم يكن أمام سنان أنطون لمواجهة العنف والألم الكبير الذي يقدمه بروايته إلا أنْ يجابهه بجمالية فنية سردية، كتب بها روايته، عبر حميمية مشهدية بارعة وخاصة في فصل ‘ صور’ والأهم تقديم رؤية عبر تاريخية لمسيحية العراق في تاريخه الحديث، راصداً تداعيات الأوضاع عليهم. بذكاء تتبع أثرهم الملتحم بشدة بالنسيج العراقي مثلهم مثل نخيله.وهذه التضادية الجمالية أراد منها سنان أنطون ميلاً مضمراً لموقف يوسف بالإضافة ليجعل القارئ يتأمل قبل أن تجرفه عواطفه ويدخل في دوامة عنف معنوي وأكثر ليقنع مها التي سردت على لسانها الواقع القبيح، أنّ العقم المصابة به حالة نفسية وأرضها مازالت صالحة لأن تخصب بالنخيل وأنّه بروايته هذه لا يقف على طلل ويتتبع دارساً بل هذا الوطن ليس أعوراً دجالاً كما أريد له بل وطناً وطئ الموت بالموت وسيقوم.صوت مها:إنّ النهاية المأساوية للرواية لم تكن تخص مها لوحدها بل القارئ الذي يوطد مسافة آمان بينه وبين الذي يحدث وكأنّ سنان يخبر: لا أحد بمنجى عن الذي حدث، فدائرة العنف متى بدأت بالاتساع ستأكل الأحياء والموتى وما سرده هذا إلا رغبة بتقديم أضحية تجتذب العنف كما أوديب. إذ الكتابة عن الحدث تجعل الرؤية الأحادية للعور الوجودي تختفي وتعيد النظر للعين الأخرى.ليست الرواية أضحية عقيمة بل ولادة لتطهير كبير كما كان المسرح يمارسه لدى اليونان. إن عبقرية التراجيديا بأنها استطاعت أن تضخ باللاوعي الجمعي الحدث العنفي الأول وكيف تلافيه ويبقى السؤال الذي لم يستطع سنان أن يجيب عنه لذلك ترك السرد الختامي لمها وهي تصف المجزرة.ومع ذلك يسرق سنان أنطون بعض الأسطر ليقترب من جسد يوسف ويسجل كلمته الأخيرة: يا مريم ومع ذلك بقيت عيناه مفتوحتان. ويضيف ملاحظة أخيرة في نهاية الرواية بتهكم مرّ وكأنّ ما سبق مجرد تخييل هذا نصها: تتقاطع أحداث الرواية مع حادثة الهجوم على كنيسة النجاة في بغداد عام 2010. لكن النص وشخصياته من نسج الخيال، وأي تطابق أو تشابه في الأسماء غير مقصود.’يا مريم رواية’ سنان أنطون صادرة عن منشورات الجمل 2012 وهي في القائمة القصيرة للبوكر[email protected] qadqpt