شاهدتُ صدفةً قبل فترة قصيرة أغنية ‘يا من هواه أعزه وأذلني’ التراثية، والتي شدا بها من قبل المبدع لطفي بوشناق ومجد القاسم وآخرون، شاهدته بأداء المطرب السعودي الشاب محمد عبد الرحمن، وفرقة ‘breaking theboundaries’ ، وسرتني كثيرا مبادرتهم كشباب لإحياء الأغنية العربية التراثية الفصيحة، والكلمة الراقية، في زمن ‘هز الخصر’، والأغاني الهابطة، في أغلب ‘الفيديوكليبات’ العربية السائدة على الساحة الفنية الان، والتي يُركز مُنتجوها – غير عابئين بالكلمة السامية، أو المستوى العام للأغنية، ولا بالأثر الفادح على المجتمع- على جذب المشاهدين، خاصة المراهقين منهم’، بالرقص الخليع، والكلمة الهابطة، والكثير مما يندى لهُ جبينُ الإبداعِ خجلا، عوضاً عن جذبهم بالكلمة السامية، والأداء الراقي. واتجه الكثير من المطربين مؤخرا لهذا النوع من ‘الفيديوكليبات’ لزوم مواكبة العصر، وحصد مبيعات أعلى لألبوماتهم. ومع أن الغناء باللهجات العامية أقرب للوجدان الإنساني عموما، إلا أن الهابط منه بات يشكل تهديداً ليس على اللغة العربية فحسب، بل على المجتمعات وقِيَمها ومبادئها. والجيل الناشئ هو المتضرر الأكبر من هذا التدني الفكري والأخلاقي. والمتابع للساحة العربية الآن يجد أن الغناء بالفصحى يمر بفترة غربة كبيرة، وأن الأغاني فارغة المحتوى تتسلل إلى بيوتنا، وتدمر الذائقة السليمة شيئا فشيئا، بإبعادها عن منابعِ الجمال، والإبداع الحقيقيين. في السودان مثلا نجد أن الأغنية الفصيحة تراجعت كثيرا بعد ازدهارها في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، فيما عدا بعض محاولات الإحياء القليلة، التي لم تصمد طويلا. نحن نُسَلِّم أنه في عصر السرعة وثورة المعلومات، بات الإيقاع السريع هو ‘الماشي’ في سوق الأغنية العربية، لذلك نُؤَمِّن بضرورة مواكبة الأغنية الفصيحة لهذا التجديد، مع ضرورة حفاظها على رُقِّيها لحنا وأداء، وكلمات. فالغناء بالفصحى بابٌ طرقه العديد من الفنانين العرب ونجحوا في انتزاع تصفيق الجماهير وإعجابهم، والتسلل إلى خلواتهم، وسياراتهم وبيوتهم، وساهمت أغانيهم عالية المستوى في تشكيل وجدان الإنسان العربي. وفي الغناء بالفصحى إحياء للغة العربية، وانتشال لها من غربتها، في ظل العزوف العام عن القراءة، والذي ترتفع نسبته يوما عن يوم، وكثيراً ما نسمع مقولة أن الكثير من الناس تعرَّفوا على نزار قباني وشعره بعد غناء كاظم الساهر له، هذا مع أن عدة مطربين عرب كبار تغنوا لنزار من قبل، إلا أن غناء كاظم له في هذه الفترة وبتجديد الموسيقى، وطريقة الأداء، يجعلنا نؤيد هذه المقولة، فأغلب الشباب الآن في مجتمعاتنا العربية – باستثناء الشعراء والمهتمين منهم- وعلى النقيض مع الأجيال السابقة، لا يعرفون الشعراء معرفتهم للمطربين، ولا يقرأون القصائد، كما يستمعون للأغاني، والمطرب حين يغني لشاعر مثل نزار فإنه يخدم – من حيث لا ينوي ربما – اللغة العربية الفصحى قبل كل شيء، وما سمعتُه من المطرب محمد عبد الرحمن والفرقة المصاحبة – (مع ما شَابَهُ قليلا من تعثرٍ في بعض الجُمل،لا يسيء للتجربة وسيختفي مع التجويد)- كان شيئا مختلفاً، وجميلا، وحتى عند من لا يقرأون الشعر، تنتصر مثل هذه الأغاني للغة العربية، وتصل لمستمعيها المثقف، وغير المثقف منهم، وذلك بجمال الكلمة والأداء، مما يفتح لهم بابا للعبور إلى أفقٍ يرتقي بالذائقة ويداويها.