معظم الناس في أي مكان في العالم يبدأون محادثاتهم بعد السلام بالسؤال عن الحال بحيث صار السؤال عادة أكثر منه للاطمئنان حقاً، بل أن الإجابة في أغلب الأحوال تقليدية ومعروفة مسبقاً. ومن واقع اهتمامي في مجال العلاقات الانسانية يمكن بشكل جزئي معرفة ما إذا كان المجيب ينظر للحياة بايجابية أم لا. في مجتمعاتنا نجد أن معظم الشباب غير راضين عن حياتهم، أو بالأحرى غير سعداء في حياتهم، في حين نجد أن معظم الناس الأكبر عمراً والأكثر نضجاً يُبدون مستوى رضا أكثر في حديثهم ولكن بدون سعادة حقيقية. والسبب في هذا الإختلاف أن الفئة الثانية بلغت من النضج وتحمل المسؤولية وقيادة هؤلاء الشباب مستوىً لا يمكنها أن تستمر معه في الشكوى كما في فئة الشباب. فعلى سبيل المثال تجد بعض ردود شبابنا حول نظرتهم للحياة: ‘أنا لم آخذ فرصتي’ أو ‘بين القارئ والجاهل لا فرق’ أو ‘والدي لم يترك لنا شيئاً لمستقبلنا’ بينما ردود الفئة العمرية الأكبر قد تكون مثل ‘رضا من الله’، ‘ المهم الصحة’، ‘ماشي’ أو طبعاً الإجابة الأكثر شعبية بين كل الفئات ‘الحمدالله’ ولا تعطيك هذه الإجابة فهماً محدداً، الحمد الله سعيد وراض أم تعيس غير راض. وعلى الرغم من اختلاف مستوى الرضا والذي يرتبط كثيراً بمستوى النضج، نجد أن معظم الناس في مجتمعنا عموماً غير سعداء في حياتهم. وهذا يعود لسببين مترابطين يغذيان معاً هذا الشعور بعدم السعادة، ربط معظم الناس سعادتهم بأشياء مادية وعدم قناعتهم بما في أيديهم. والسبب الثاني عدم السعي الكافي للناس لتحقيق أحلامهم الخاصة التي تميزهم وانغماسهم في مشاغل الحياة اليومية. فالناس يقضون سنين طويلة لتحقيق هدف مادي مثل المال أو المنصب أو الأولاد أو الزواج فإذا لم تحقق هذا الهدف فهي (في قناعتها) لا يمكن أن تكون سعيدة، وإذا حققته وصار في يدها تنتهي تلك السعادة اللحظية وتبدأ في النظر إلى ما في أيدي الناس الأخرين. ‘أنا لست بأقل منهم’ يبدأ الجانب الطماع من عقلهم الباطن بالتفكير بهذه الطريقة فيُفسد لحظة سعادة تمَلّك ما كنا نتوقع أنه سبب سعادتنا.أولاً: لقد اصبحنا مجتمعا أنانيا وطماعا بحيث نسينا أن هناك أهدافا سامية ومداها لا يتوقف عند لحظة معينة، فلا نجد الكثير من يحلم في مساعدة الناس كإيجاد حلول لتلوث البيئة مثلاً، أو تعليم الأطفال كيف يتعاملون مع الحياة بشكل أفضل منا، أو تأليف كتاب يفيد الناس، أو تجميع الناس بطريقة أو بأخرى لعمل نشاط يفيد المجتمع، أو حتى تربية أولادنا بحيث يكون همهم الدفاع عن الوطن وقول كلمة الحق. ولا أدعو هنا لإهمال الأحلام المادية (على الرغم من وجود نقطة جدال عميقة هنا بيني وبين كثير من الناس) و لكن لنترفع عن الأنا والأنانية ولنفكر بغيرنا، بل الأسمى من ذلك كله أن نُسخّر الأهداف المادية لخدمة الأهداف السامية.ثانياً: نخطئ كثيراً حين نتوقع أن السعادة هناك تنتظرنا في نقطة معينة، فالسعادة هي الرحلة التي توصلنا بأهدافنا وبغض النظر تحققت أحلامنا أم لا، فالمهم أننا بذلنا كل ما باسطتاعتنا للوصول إلى تلك النقطة، وإذا لم نستطع الوصول.. لا ضرر، سنتعلم من تجربتنا السابقة لتحقيق ذلك أو نكتشف حلماً آخراً نجري وراءه. وهذا الفرق بين القنوع وغير القنوع، فالأول يرضى بأي نتيجة وهو سعيد بها بشرط أن يكون قد بذل كل ما يمكن بذله لتحقيق ذلك الحلم.ثالثاً: علينا أن نضع أهدافاً في حياتنا، وأن نحاول (كما قلنا) أن نقلل من الأهداف الأنانية، لأن الأهداف السامية تجد اهتماماً ومشاركة أكثر من قبل الغير وهذا بدوره يحفز صاحب الهدف للاستمرار. أهدافنا يجب أن تكون محددة وليست عامة وأن نضع إطار كيفي وزمني لهذه الأهداف وأن نحتفل ونشارك الناس كلما اقتربنا أكثر من أهدافنا. الحياة بدون أهداف وأحلام لا قيمة لها ولا لِذة فيها، ونحن نعيش على هذه الأرض مرة واحدة، فلنجعلها مرة واحدة ولكن ذات قيمة لأنفسنا ولغيرنا.محمد سعيد- الجزائر[email protected]