طولكرم ـ جنين «القدس العربي»: في الوقت الذي تحاصر فيه قوات الاحتلال الإسرائيلي مخيم جنين لليوم الثامن عشر على التوالي، تمارس دوريات جيش الاحتلال في أحياء قريبة في مدينة جنين سلوكًا غير معتاد في العمليات العسكرية السابقة.
فالقوات العاملة في مخيم جنين، الذي هجر جميع سكانه، تمارس فعلها اليومي في تدمير المنازل وشق الطرق حسب الصحافي الميداني عمرو مناصرة. ويرى صحافيون ميدانيون تحدثت إليهم «القدس العربي» أن هناك محاولات لتطبيع وجود قوات الاحتلال الإسرائيلي في المدن الفلسطينية.
وهي إلى جانب ذلك تعمل وفق «نشاط روتيني» يبدأ الساعة الثامنة صباحا وينتهي تمام الساعة الرابعة.
وفيما يستمر حصار قوات جيش الاحتلال للمخيم الفارغ، فإن ممارسات القوات على الأرض تُقرأ منها رغبة في عودة النشاط المدني والتجاري وحركة المواطنين إلى جسم المدينة المغلقة منذ أكثر من سبعين يوما.
ويكمل مناصرة حديثه لـ«القدس العربي» مشيرا إلى أن الاحتلال في مقابل تدميره الواسع وعمله اليومي في المخيم، يتحرك في مدينة جنين في دوريات أو قوات راجلة من دون أي ممارسات استفزازية قاتلة.
ويقول: «يقود الجنود الدوريات، يمر المواطنين من محيطهم من دون أن يطلقوا النار عليهم كما فعلوا في العمليات الماضية، «إنها ممارسة جديدة والهدف أن يجعلوا من وجودهم فعلا روتينيا» . ويتابع مناصرة حديثه: «لا يوجد مقاتلون في المدينة، ليس هناك أي مواجهات أو عمليات إطلاق نار، ومع ذلك الجيش في المدينة ويحاصر المخيم.. يبدو أنهم يريدون تحقيق أهداف تتجاوز الأنشطة التقليدية التي اعتاد عليها المخيم والمدينة على السواء» .
ويقول إن الجنود طالبوا المواطنين بفتح المحلات التجارية في المدينة، حيث طرحوا أسئلة على بعض أصحاب المحلات الأساسية مثل المخابز ومحلات بيع اللحوم مثل: لماذا يغلق المواطنون محلاتهم التجارية؟».
ويكمل فكرته: «الاحتلال يريد أن يقول إن لديه وقتًا طويلًا يريد أن يقضيه في المنطقة، يريد أن نتعايش معه، ربما طبيعة العملية هي الأساس في ذلك» . ويرى أن ما يفعله الجنود في المخيم «من توسيع حارات وعمل طرق جديدة وهدم منازل فارغة، ينجز على مهل وروية، ويعملون مثل أي موظف، يخرج من منزله في الصباح ويعود مساء، حيث تجتمع اليات الاحتلال التي تتجاوز الـ 15 جرافة في المنطقة الشرقية المجاورة للمخيم».
ويقول: «على أطراف المخيم هناك ثلاث بنايات فيها الجنود، والآليات وكذلك قادة العملية العسكرية.. يمكن رؤية ذلك بوضوح» .
الإيحاء بغياب الخطر
ويرى أن سلوك الجنود يعكس أمرين، الأول: غياب الخطر في ظل انسحاب المقاتلين منذ اليوم الأول للعملية، ورغبة في جعل المواطنين يعتادون على مشاهد الجنود، وفي الأثناء تتحرك الطائرات المسيرة في السماء لترصد كل تحرك وتنطلق بعمليات قصف مع أي خطر على القوات على الأرض.
ويلاحظ مناصرة أن الجيش في المدينة لا يريد أن يستخدم مزيدا من العنف بحق المواطنين، «يريدون كسر شيء ما، في ظل أن العملية تستمر لشهر رمضان حسب ما أعلنوا، فهم يريدون ان تعود الحياة طبيعية بوجودهم، وهو ما لم يقبل به المواطنون».
وتعتبر العملية العسكرية في مخيم جنين مختلفة عن العمليات العسكرية في طولكرم وطمون، فهي انطلقت من جنين، وبالتالي هي «أعمق وأطول»، حيث سمع دوي تفجيرات مساء الخميس لأربعة مبان إلى جانب المباني العشرين السابقة.
وسادت شائعات في الأيام الماضية قالت إن الجيش الإسرائيلي طلب من الغرفة التجارية وكذلك بلدية المدينة دعوة تجار المدينة لفتح أبوابهم، لكن ذلك تم نفيه رسميا، كما لم يستجب له المواطنون.
طولكرم
وفي مدينة طولكرم حيث يعمل الصحافي يزن حمايل، الصورة مشابهة مع بعض الاختلافات، يقول: «المختلف هذه المرة أن الجيش استهدف قلب المدينة وهي لم تشهد سابقًا أي حضور للمقاومة الفلسطينية».
وأضاف لـ «القدس العربي»: قبل يومين تعمد الجيش تنظيم استعراض عسكري في الشارع الرئيسي، وتحديدا شارع نابلس – طولكرم، وهي مناطق شهدت سابقا تفجيرات وعمليات تجريف مستمرة، أما يوم أمس فقام الجيش، بعد أن تمكن من المخيم وأخلى السكان، بعمل استعراض عسكري لجنود مشاة بأعداد كبيرة أمام مدخل المخيم، وكانوا معنيين تمامًا بأن نصورهم ونوثق ذلك».
وقال إن «سلوك الجنود مختلف تمامًا، صحيح أن هناك سياسة تهجير حيث أجبر الجيش السكان على التهجير عبر السماعات ونفّذ اقتحامات لمئات المنازل، لكنه في المدينة حوّل عمارات كثيرة إلى ثكنات عسكرية، ووضع العائلات في شقة واحدة وفرض سيطرته على العمارة، وكذلك كثّف وجوده في مركز المدينة، «وهذا أمر لم نره من قبل، ربما فعل ذلك في عمليات سابقة خلال الانتفاضة الأولى» . ويرى الصحافي خالد بدير، أن هناك رسائل سياسية خلف النشاط العسكري لجيش الاحتلال، ومن ضمن ذلك اعتياد المشهد والاستعراض العسكري على الأرض، وذلك رغم استمرار حصار مخيم طولكرم لليوم الحادي عشر.
ووصف ما يجري في مدينة طولكرم بأن هناك «قوات راجلة بلا مهمات ومن دون مداهمات، وهو ما يعزز أن الهدف هو رسائل سياسية» .
بدوره يرصد الصحافي من مدينة نابلس سامر خويرة، سلوكا جديدا في المدينة التي اقتحمتها قوات جيش الاحتلال برفقة ضابط جديد للمنطقة.
يقول خويرة إن الضابط الجديد وزع «كرت» (بطاقة وظيفية) على المواطنين في أحياء المدينة على أمل التواصل معه.
ويضيف: «لقد تجول في منطقة مكتظة في نابلس، وهناك تواصل مع السكان وأصحاب المحلات ووزع كرته الشخصي» . وقالت صحافية في مدينة طولكرم لـ«القدس العربي»، رافضة الكشف عن اسمها: «في طولكرم كان الجيش يستعرض.. لقد شاهدت بأم عيني جندية كانت تقوم بمهمة تنظم السير، وأثناء سير الجنود في الاستعراض كانت تسمح للسيارات والمارة بأن يمروا بسلاسة» .
وتابعت: «بالأمس كان هناك جندي يقلد حركات صحافي فلسطيني يؤدي عمله على الهواء مباشرة، أما في سوق الخضار في مركز المدينة، فكان الجنود المشاة يتجولون بين الباعة ويسألون من قدم منهم إلى السوق عن أحوالهم وأوضاعهم اليومية».
وحسب الكاتب غسان زقطان فإنه «سيكون من السذاجة السياسية، أو دفن الرؤوس في الرمال اعتبار الحملة العسكرية في شمال الضفة امتدادا للحملات السابقة أو حملة كبيرة من سلسلة هذه الحملات، أو، وهذا رائج، حصرها في محاولة القضاء على مجموعات الشباب المسلحة في مخيم جنين وقرى وبلدات الشمال، ثم وبعد الاتكاء على التحليل، الذي يبدو مريحا ومتداولا، التصرف وبناء سياسة على أرضية هذا التحليل».
ويكمل: «ما يحدث في شمال الضفة ويقترب من الوسط والجنوب يذهب أبعد من ذلك».