الكلمة جسد. تتحقق جسديته من خلال بُعديه الصوتي والصرفي الذي يتقدم إلينا باعتباره دالا. ولما كانت لكل جسد روح تكمن وراء ما يبدو لنا منه، نسمي روح الكلمة مدلول الجسد. مدلولات الأجساد أرواح لأنها تتأبى على البروز والظهور، وتستدعي أبدا تتبعها والبحث فيها، وعنها، وتأويلها. ولذلك كانت مدلولات الألفاظ متحولة ومتغيرة، ولا يمكن لأي معجم أن يحيط بها إلا في فترة وجيزة من الزمن. ولما كانت الروح، عادة، خيرة أو شريرة نجد مدلولات الكلمات تحمل خاصية الروح التي تمتلكها، ولا عبرة بالجسد الدال الذي تتدثر به. أرواح الكلمات قابلة لأن تكون محملة بالتمويه والخداع لأنها متقلبة دائما. أغلب الكلمات المتداولة في حقول الدراسات السياسية والاجتماعية والأدبية حاليا تنتج خارج فضائنا الثقافي، وحين نتلقاها بغير فهم وبدون الكشف عن مدلولاتها الحقيقية نستعملها بدون روح تتلاءم مع الجسد المنبعثة منه. ولا يؤدي هذا إلا إلى التسيب والخضوع.
لم أنتبه إلى أن يوم الأحد الماضي (18 تشرين الثاني/نوفمبر) هو عيد الاستقلال، لولا الشريط الذي قدمته منصة غوغل، ولولا متابعتي لأخبار المساء في القناة الرسمية. فاتني التعرف على هذا اليوم، كما غاب عن غيري، لأنه تصادف مع يوم الأحد، ولو كان في يوم آخر غير العطلة، لعرفه جميع الناس، الكل ينتظر العيد لأنه عطلة. عيد الاستقلال ذكرى شأنها في ذلك شأن كل الذكريات مناسبة للتوقف، والتساؤل عما أنجز قبلها، لاتخاذ خطوات من أجل المستقبل. مر حلول الذكرى الثالثة والستين لاستقلال المغرب، في فترة تتسم بالتوجس، والتوتر على المستويات كافة. وما يجري في المغرب هو نفسه ما يعرفه الوطن العربي بصور مختلفة. كنت أتمنى أن أجد الإعلام بأنواعه يقدم لنا دراسات حول ما تحقق وما هو ممكن التحقيق. كنت أرجو ان تعقد ندوات ومؤتمرات تقف على المشاكل الجوهرية، وتقدم تصورات استشرافية للمستقبل. للأسف الشديد كانت الذكرى في يوم عطلة، وكانت العطالة لغة النسيان وفقدان الذاكرة.
ما هي علاقة مغرب الألفية الجديدة، بمغرب الأمس الممتد من الاستقلال إلى أواخر القرن العشرين؟ وما هي العلاقة بفترة الاستعمار؟ أسئلة تفرض نفسها ليس فقط على المغرب، ولكن أيضا على الدول العربية والإسلامية، وكل ما كان يعرف بالعالم الثالث. وهل حققت الاستقلالات التي يدعونها “سياسية” ما كان منتظرا منها: حرية الوطن والمواطن؟ للإجابة على هذه الأسئلة نحن أمام ضرورة تحديد العصر الذي نعيش فيه. منذ بداية الألفية الجديدة هيمن مصطلح “العولمة” على المستوى الاقتصادي، ومصطلح “ما بعد الكولونيالية”، أو “ما بعدها” (هناك فرق بينهما) في الدراسات الثقافية.
حين نتوقف على العلاقة بين الاستعمار، و”ما بعده”، نعاين بجلاء أن هذه “الما بعد” لا تعني سوى امتداد الاستعمار القديم وقد اتخذ أبعادا مختلفة عما كان عليه. بل إن فترة “الاستعمار الجديد” أقوى وأشنع من الاستعمار التقليدي. كانت مرحلة النضال خلال الاستعمار تتخذ بعدا وطنيا، وكان المناضلون وطنيين. لكن خروج الاستعمار من الباب، ورجوعه من النافذة أدى إلى إدامة العلاقة معه، من جهة، وإلى التبعية له في كل التوجهات التي سارت عليها البلدان “المحررة”. لقد ظلت صورة الاستعمار الفرنسي والإنكليزي معلقة بصورة ضمنية على جدران كل المستعمرات السابقة. وبدون الحديث عن مختلف أشكال تلك الصور، وهي تتخذ أبعادا سياسية واقتصادية واجتماعية، يكفي أن نشير إلى “لغة” المستعمر للدلالة على ذلك. إنها تفرض نفسها في الحياة اليومية والإدارية، والتربوية والأكاديمية. وبعد 63 سنة من الاستقلال ما يزال المغرب يرى في اللغة الفرنسية الأكفأ في التعبير عن هويته، والأقدر على دخوله العصر.
ما دمنا نتحدث عن اللغة، باعتبارها الضامن للهوية الوطنية، والمعبرة عن “الاستقلال” الوطني اللغوي، بدأت تطرح في المغرب “المستقل” قضايا ولدها الاستعمار الفرنسي ضد العربية في المغرب خلال الثلاثينيات من القرن الماضي. وها نحن بدأنا نطرح “الدارجة” لتصبح لغة من بين لغات. لماذا لم ننجح في مغرب الاستقلال على التعامل باللغة الكتابية التي عرفها المغرب خلال قرون طويلة، وجعلها لغة الإدارة والمعرفة؟
لقد انتقلنا من النضال “الوطني” إلى “النضال” الديمقراطي الذي بدأت تفرضه العولمة والتوجهات “ما بعد الكولونيالية”. إذا كان الاستعمار التقليدي أوروبي الطبيعة والوظيفة، جاء الاستعمار الجديد أمريكي الهوى والموقف. فإذا بأمريكا هي حاضنة التعدد الثقافي واللغوي، وهي المنافح عن القيم الديمقراطية الحقيقية. تلوح أمريكا بـ”الديمقراطية” لبسط هيمنتها على العالم أجمع، وخاصة على الدول التي كانت مستعمرة. وباسم الديمقراطية كجسد له تاريخ لتحقيق إنسانية الإنسان، صارت روحا شريرة توظفها أمريكا لابتزاز الدول والحكومات، وإثارة الفتنة، وإشعال الحروب، والحفاظ على خرائط العالم كما تركها الاستعمار التقليدي، بل إنها ترسم خرائط جديدة للدول والشعوب بحسب مصالحها الأولى والأخيرة. تلعب أمريكا دورا مهما في الواقع المعاصر. فهي تفرض إراداتها وسياساتها على العالم أجمع. فهي التي توجه المصائر، وتفتعل الصراعات، بواسطة تثبيت الأسعار في الأسواق العالمية، وعن طريق الشركات المتعددة الجنسيات، والتدخلات السافرة في الشؤون المحلية للدول، وخاصة العربية، هذا إلى جانب المؤسسات الأكاديمية والثقافية. فكيف يمكننا أن نتحدث عن “ما بعد الكولونيالية” في الدراسات الاجتماعية والثقافية، ونحن في الواقع أمام “كولونيالية جديدة” أشد وأعنف من الكولونيالية التقليدية؟
حاربت كل الشعوب التي كانت مستعمرة الاستعمار والاستيطان لأنهما كانا يحتلان الأرض، وتوحدت لمواجهتهما كل القوى الوطنية والشعبية. وانتهى النضال بخروج الاستعمار. لكن الاستقلال لم يتخذ في كل الدول الصورة التي ناضلت من أجلها تلك الشعوب، لسبب بسيط هو أن مطامح الدول المستعمِرة ظلت هي هي، فالرخاء الذي تضمنه لمواطنيها لا يمكن أن يتم إلا على حساب الشعوب الأخرى التي كانت خاضعة لها. لذلك كان الاستعمار الجديد، كما كان يسميه نكروما، هو الوجه الحقيقي للعلاقة القائمة، بعد الاستقلال، بين الشعوب المستقلة ومستعمريها القدماء والجدد. ويكفي أن نضرب أمثلة من الحروب التي خاضتها أمريكا في الشرق الأوسط، وإشعالها نار الفتنة بين شعوب المنطقة للدلالة على ذلك.
يبرز لنا ذلك أيضا في ما صار يعرف بـ”الدراسات ما بعد الكولونيالية”، وهي الدراسات التي تتزعمها الأكاديميات الأمريكية، وتسعى لفرضها عالميا، وخاصة على “المستعمرات” القديمة. إنها بكلمة مركزة تسعى إلى بسط “المركزية الأمريكية” محل “المركزية الأوروبية” التي تشكلت في مرحلة الاستعمار. يدعي من ينتصر لهذا النوع من الدراسات أنها تعبير عن مرحلة “ما بعد الاستعمار” لكونها تتبنى التعدد الثقافي، والاعتراف بالثقافات الدونية والهوامش والأقليات… لكن كل هذه المظاهر ليست سوى تمثيل لما يحمله جسد المصطلحات من أرواح شريرة.
إن زعم محاربة “المركزية الغربية” التي يعدونها الآن مدخلا لما “بعد الكولونيالية” كان من بين أهم نقط النضال الوطني ضد المستعمر على المستوى الثقافي. كما كان الدفاع عن الحقوق اللغوية والثقافية والتاريخية للشعوب المستعمرة من أولويات مواجهة الاستعمار التقليدي. وكما ووجهت كل تلك المطالب وقتها بالرجعية تارة، وبالسلفية طورا، وبالتخلف بالقياس إلى النموذج الغربي، توظف هذه المطالب نفسها، إيديولوجيا، لفرض “المركزية الأمريكية”.
لا يمكن لثقافة ما بعد الاستقلال، في عهد الاستعمار الجديد، أن تتشكل إلا بفهم مدلولات الكلمات لا دوالها الخادعة.
* كاتب مغربي