يتربّوا في عزّك!

حجم الخط
0

ماجد عاطفأراد أن يستعطف والده المغترب صاحب الأملاك الكثيرة، مَن هجر عائلته وتزوّج ثانيةً وصار هناك تخوفٌ من أن يفرّط في أملاكه أو يهبها لزوجته الجديدة، فأراد أن يستعطفه على أحفاده الذين لم يرهم ولم يروه؛ فجذب الأول الكبير من يده ووضعه أمام كاميرا الحاسوب وقال بفخر:- هذا عمر.ثم احتضن ابنيه الآخرَين واقترب معهما من مجال الكاميرا قائلاً:- وهذان سليمان وحسام.أحسّ الجدُّ المتشكّك بما يحاول ابنه الفقير، الذي تذكّره على حين غفلة، فعله، فردَّ بهدوءٍ باردٍ لا يخلو من سخرية، ودون أن يلتفت لأيٍ من أحفاده:- يتربّوا في عزّك!!أخوهنَّ الصغيرفي كل صباح تركب ثلاثتهنَّ، العائدات حديثاً من فرنسا، سيّارة الأجرة المتجهة نحو المدينة، إمّا إلى العمل في المؤسسة الأجنبية أو إلى الجامعة: الشعور خرّوبية غجرية ومتدفّقة من أعلى، بفوضى أخّاذه كمياه الشلال وهي تترذّذ في الجو، لا يضاهيها جاذبيةً إلا العطر الخاص المستخدم.. الوجوه ممكيجة بعنايةٍ فائقةٍ، ببشراتٍ تنبض تحت طبقات كريم الترطيب كوجوه الأطفال، تبثّ تعبيرات ودّية نحو كل شيء، الآخرين والأشياء والخواطر. الملابس ليست كملابس القرويات المتحفّظة بل هي عصرية أنيقة تغلّف أجسادهنَّ المنحوتة الرشيقة كما تغلّف بدقةٍ ورقةٌ زاهيةٌ هديةً، فتكشف عمّا تكشّف وتبدي ما قد تخفّى، فيما تتمايل، برقّةٍ شبه مقصودة، حقائبهنَّ الجلدية. أمّا إذا تكلّمنَّ فيما بينهنَّ على مسمع، فأصواتهنَّ تداولٌ من الدهشةِ والحبورِ والتفهّم، كأنها حفلةٌ موسيقيةٌ تجري على مسرح.ورغم أي شيء يستمتعون جميعاً، الطلاب والركّاب وسائقو السيّارات وأصحاب الدكاكين وغيرهم، بالطلّة الصباحية التي صارت حدثاً مرتقباً، وبأخرى مثلها بعد العصر أو قبل المغرب عند عودتهنَّ، مع أنهم لن يترددوا للحظة واحدة في انتقادهنَّ إلى والدهنّ العجوز، الذي لا تصغي إليه من بناته واحدةٌ. ولا يتوقّف الانتقاد على الملبس بل يطال سلوكهنَّ المنفتح على شباب المدينة فيما يتجاهلنَّ بتعالٍ شباب القرية إذا ما اقتربوا منهنَّ متودّدين (ما يضاعِف حنقَ هؤلاء)، ولو أن السلوك لا يزيد على التمشّي العلنيّ مع الزملاء والكلام.ربما اكتفت القرية القاسية تجاههنَّ، كونهنَّ إناثاً كبيرات والمخاطر جمّة، بالخوض في أمرهنّ وتأليف الحكايات والشائعات، أو بالرفضِ المشيحِ الصامتِ (لمن لا يخوض في الأعراض)؛ وبالتأكيد لاموا أيضاً والدهنَّ العجوز العاجز مَن لم يلتفت في غربته إلى تربيتهنَّ؛ لكنّ الذي دفع الثمن هو أخوهنَّ الصغيرُ عندما تعرّض، من مراهقي القرية وقد سمعوا ما سمعوه، للاستباحة الجماعية.رجاءكان قد أطلق لحيته.في المرّة الأولى، على مساءِ الرصيف، استوقفه الرجلُ الخمسينيّ المرتّب مسلِّماً ومصافحاً بحرارةٍ استقطبت اهتمامه، ثم قال:- أناشدك يا شيخ باسم الإسلام أن تساعد أخاك..لم يكن يملك مالاً، أو بالأحرى: لم يكن المال القليل الذي معه ملكاً له ليتصدّق منه. تأمّل بصمتٍ وجهَ السائل الذي ناشده، ومضى دون أن يجيبه.المرة الثانية كانت بعد شهر، وكان قد حلق لحيته. على رصيف الشارع ذاته استوقفه الرجل نفسه مسلِّماً مقبلاً برجاء ومصافحاً بقوّة:- يا أخ..هذه المرّة، بعد أن ميّز شخصه، لم يتركه يكمل وقاطعه بشيءٍ من غضب:- ليس معي مال!قدّر أنه على الأغلب متسوّلٌ محترفٌ أسلوبه مختلف ويلبس للأحوال لبوسها، ومجدداً لم يكن المال القليل الذي معه ملكاً له، بل إنّه لا يملك لنفسه مالاً على الإطلاق.. ولم يجد المسكين إلا أن يعتذر مباشرةً ويتراجع بخطواته عنه. شعر بالندم لأنه انتهره فربما كان محتاجاً وظروفه صعبة فعلاً؛ ولكنه بعد أن تقدّم عليه بمسافةٍ ذكّرته بمراتٍ احتاج فيها إلى الآخرين، أحسّ بذلِّ أن يرجو الإنسان شيئاً.. من غير ربه.qad

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية