يتشابهون إلى أقصى حدود الابتذال

ليس لمسار التجربة الإبداعية مساحة ثابتة ومعلومة، تتقيد بالتجوال في رحابها ومضايقها. إنها ومن منطلق بحثها المنفتح عن مساراتها، تتنقل حيث تتجدد متعة السير، وحيث تكون بحة النداء أكثر إغراء وأشد غواية. إنها ومن هذا المنطلق، تعيش حياتها على إيقاع تقلباتها اللامنتظمة، الطبيعية، والنابعة من دواخلها المتحررة تماما من سلطة أي قوانين قبلية وجاهزة.
هذا التقلب الدائم المباغت والمفاجئ، هو الذي ينأى بها عن أي توصيف مغلق وقار من شأنه تحجيم حركيتها، وإخضاع آلية اشتغالها لمعادلات تقنية، تكون في متناول كل من أخطأ طريقه إلى مسكن القول، بما هو مسكن الكائن بامتياز. علما أن انعدام التوصيف القار، يعني في المقابل حتمية حضور الاختلاف الجذري والدائم بين النصوص، باعتباره الحد الفارق والفاصل بين هوية التجربة ونقيضتها، سواء كانت على مستوى الإبداع الفردي، أو الجماعي. ما يفيد بالضرورة، أن كل ما يمكن وسمه من تشابه وتماثل، لا يعدو أن يكون في واقع الأمر مؤشرا على وجود اختلالات بنيوية، تطال أحد مكوناتها التعبيرية والجمالية.
وهنا تحديدا، تحضر الأهمية القصوى لمفهوم القطيعة، الذي يتدخل بشكل مباشر في وضع الأعمال الشعرية داخل إطارها الجديرة به، ذلك أن حضور القطيعة، يحيل ضمنيا على إشكالية تعطيل فاعلية الامتداد، التي تسعى النصوص المؤسسة إلى تكريسها وإدامة استمراريتها. علما أن عملية التوقيف/القطع، لا تتحقق إلا على أرضية معرفية وإبداعية جد استثنائية، قوامها التنزيل الجمالي والفكري، لإبدال شعري لم يكن من قبل مطروقا، وذلك أمر نادر الحدوث، في حالة احتكامنا إلى ميزان المقاييس الجمالية التي يستدعيها العمل الشعري المختلف والمغاير، وهي على العموم مقاييس تتميز بانبثاقها من صلب العلاقة القائمة بين القطيعة، وما يكون موضوعا لاشتغالها، أي بين المقومات الفاعلة في هندسة أفق شعري معين، ومقومات إبدالاته التي تقطع معه، والناتجة عن استراتيجية رؤية ذاتية مسكونة بهاجس الانفصال التام عما هو مندرج في دائرة الشامل، العام، والممهور بختم الشبيه.
وضمن هذا السياق، يمكن استحضار الرؤية العبثية للعالم، التي شملت الآداب والفنون بين الحربين -على سبيل المثال الحصر- والتي تميزت بتسليط ضوء السؤال على مقومات إبداعية جديدة، كانت من قبل في حكم التغييب، بفعل استهجان الذوق العام و»العاقل» لها، كي ينصرف الاهتمام إلى «المبتذل» وإلى تمجيد إواليات اللاوعي التخييلي، فضلا عن الاحتفاء بميكانيزمات الحلم، وكلها عوامل أدت إلى قلب المشهد الإبداعي رأسا على عقب، ليجد تعبيره المجازي، في لوحة الموناليزا لمارسيل دوشانب، وقد بدت بشاربين، كصيغة ملائمة لخلخلة ثوابت ومرتكزات الرؤية الفنية والتشكيلية، السائدة آنذاك. كما أدت فضلا عن ذلك، إلى هدم مراكز الإبداع التقليدية بالعمل على استحداث إبدالات، ساهمت في توسيع وإغناء فضاءات الخلق، من منطلق رؤية فكرية وجمالية، قوامها إعادة النظر في مفهوم «الحقيقي» عبر تكسير قانون الانسجام التقليدي، واستبداله بقانون التنافر، ذلك أن إقامة حوار متواطئ بين العناصر المتنافرة، يفضي لا محالة إلى إنتاج ثيمات ولغات جديدة، قادرة على تقريبنا أكثر من مكمن «الكنه» الذي تتظاهر الأشياء بامتلاكه.
وبالتالي، فهي رؤية بحث قد يكون مضنيا ويائسا أحيانا، عن «طريق شعري» يحتجب مؤقتا في زحام الفوضى، ذلك هو البعد الدرامي الذي يعاني منه الكائن، في مجاهدة العثور على كينونته المفقودة، داخل عنف وفوضى واقع، يأخذ شكل آلة جهنمية لا تتردد في طحن كل من يتردد على جوفها. وباعتبار أن لعبة الكتابة تحيل نسبيا من جهة استراتيجيتها على لعبة الشطرنج، حيث كل نقلة، تهدف إلى بناء نسق ما، فإن إشكالية إنتاج وإبداع الأنساق، تظل منفتحة على نداءات اللامتناهي المحفوف بقطائعه. إنها ومن هذا المنطلق، الإشكالية السعيدة بقناعة محوها لذاتها ولغيرها، خلال بحثها الدائم والمسترسل عن تلك اللحظة العابرة والمؤقتة، التي ينبلج فيها ضوء الفردوس، قبل أن يلوذ من جديد بتخفيه.
ومن الواضح أن إشكالية تتالي المذاهب والمدارس عبر العصور الإبداعية، تجد دلالتها في حاجة الكائن الشعري، إلى القطع مع الأزمنة المصابة بعدوى التشابه والتماثل، التي تتحول فيها الكتابة الشعرية إلى مجرد لعبة قميئة، ينحصر مجال اشتغالها في إعادة إنتاج ما تم إنجازه سلفا. والقطع في السياق الذي نحن بصدده، هو فعل وجودي، لصيق بكينونة الذات الشاعرة، الحريصة أبدا على هندسة متاهاتها الشخصية، تلك التي تستمتع بالضياع في مجاهلها، بعيدا عن فتاوى وتعاليم الآخر.

ومن الواضح أن إشكالية تتالي المذاهب والمدارس عبر العصور الإبداعية، تجد دلالتها في حاجة الكائن الشعري، إلى القطع مع الأزمنة المصابة بعدوى التشابه والتماثل، التي تتحول فيها الكتابة الشعرية إلى مجرد لعبة قميئة، ينحصر مجال اشتغالها في إعادة إنتاج ما تم إنجازه سلفا.

وسيكون من الضروري في هذا السياق، التذكير بالمرجعيات ذات المنحى السيكولوجي، التي تدعو إلى الإقرار بجدوى تشابه النصوص، انطلاقا من اقتناعها المنهجي بحتمية التفاعلات المشتركة التي تتميز به الكائنات، تجاه ما يحف بها من محفزات ومنبهات، وهي تفاعلات ناتجة – من وجهة نظرها -عن وحدة المشاعر والأحاسيس التي تجمع بين مكونات النسيج البشري. فالطبائع المشتركة بين الكائنات – بالنسبة لها – لا يمكن في حالة تفاعلها الإبداعي والجمالي، إلا أن تنتج نصوصا متشابهة، خاصة حينما تكون مؤطرة بشروطها الثقافية والأيديولوجية الصارمة. وهي الشروط ذاتها التي ينظر فيها إلى الشاعر بوصفه ضمير الأمة، والناطق الرسمي بلسان حالها، إذ وفق هذا الامتياز الاستثنائي الذي يحظى به، سيكون مدعوا للإخلاص إلى القضايا المجتمعية المستقطبة لاهتمام من نصبوه ناطقا رسميا بلسانهم، حيث يستمد الشاعر مشروعيته من صلب هذا الاهتمام ومن هذا التنصيب. غير أن الأمر سوف ينقلب إلى نقيضه، حالما نجدد تأكيدنا أن سلطة الإبداع الحقيقي والجدير باسمه، تتمثل في اشتغاله بتلك الأحوال الفكرية والروحية، المقبلة من خيمياء السجف المعتمة والعميقة للذات، أي من قلب تلك البؤر الغامضة، التي تتشكل منها وفيها شعريتها المتفردة، وهي الخاصية التي تمتلك بفضلها التجارب الشعرية العميقة والأساسية، تميزها واختلافها المطلق، حيث ما من هامش لوجود أي تماثل أو تشابه محتمل.
والأمر هنا يتعلق برؤية مضادة وجذرية للقول الشعري، التي تتراجع معها ظاهرة التشابه إلى مستواها الصفر، مفسحة المجال وبشكل تام، لاختلاف ذي طبيعة فكرية وجمالية، قابلة للتدرج من مستوياتها البسيطة، في اتجاه مستويات أكثر تقدما، والكفيلة بتحرير القول من واجب التشابه، كي يبحث عن هويته الخاصة التي لا تعني أحدا سواه.
إنها الرؤية المستندة على أرضية نظرية، قوامها استحالة حضور أي تطابق تام بين الحالات الشعورية والانفعالية لدى الكائن الشعري، باعتبار أنها حالات تتميز بخصوصيتها الجوهرية، ضمن إطار التعدد والتنوع المنطقي للمواقف الإنسانية، المنسجمة مع تعدد وتنوع الشروط المؤثرة في سريانها وانفجارها، خاصة حينما تكون مندرجة ضمن الأفق الشعري، حيث يكشف كل موقف عن فتنة وضراوة تفرده بمصيره الخاص به. أيضا، وفضلا عن ذلك، هي رؤية تجد تأويلها الفعلي في شحوب هالة ذلك الميثاق التقليدي، الذي كان من قبل يلزم الشاعر بالسير على خطى الركب العام. وكلها عوامل من شأنها التأكيد على ندرة المنابع الشعرية الحقيقية على المستوى الكوني، التي تكتظ حولها حشود النساخين في سائر الجغرافيات والأزمنة. ما يؤدي إلى الهيمنة المزمنة للرداءة، خاصة حينما تتحول بمباركة القراءات الهجينة، إلى ظواهر مكرسة، ومؤطرة بتنظيراتها المتواطئة، التي تضفي على بؤسها المزيد من بشاعة البؤس.

شاعر وكاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية