يجارون الليل.. في لباسهم لقاع الواحات

حجم الخط
0

إدريس ليسثلاثةَ أيام متتالية لم أغادر البيت. آخذ قسطا من هواء في الشرفة وأرتد إلى العالم مقذوفا في الشاشة، وإلى أوراقي، وهذا العمل الرذل الذي أَكْلِتُه بيدي كسائل حارق بإناءين مرْتجّين؛ الصبرِ والألمِ. ‘أنت حوت ـ فكرتُ ـ يغطس في الغمر، يطفو كي يتنفس ثم يغور’.. الحديقة مطوية في مرآة فبرايرالمبتلة التي يغشاها غبش بخاري من وَسْمِيٍّ همى طيلة يومين. المرأى رحابة مدعوكة. قتْلٌ في عدن وصنعاء. قتل في بنغازي وطبرق. قتل في المنامة. الأرض تهتز مثل عربة يتعارك فوقها رهط، فتحرن البهيمة التي تجرها. بشر يُدافعون بشرا.

صحراء شاسعة وحزامها ريح ملح وشواظ وكبريت. الأوثان تُرَجُّ في الميادين. رخامها يتفلع في هذهالريح. والناس، مذهولين بصحوهم هذا، يقدرون أن يلاقوها، ويصرخوا في العراء، ممجدين أيديهم التي تتآزر كي تفتح الأبواب. خروجهم هو الطريق ذاتها، والأرض، والجهات، والسماء. (18/02/2011)*****شاشة. نأخذ العالم منها ظلالا مقصوفة. أكفنا على الضِّباب والترابيس الرملية التي تبُسُّها لمساتنا فتنسرب كلما هممنا بفتح الأبواب. أين الأبواب؟ أين الدهاليز التي تفضي إلى الأبواب في هذه الأروقة التي تكثر في تلمسنا. شاشة صباحية. ثغرة أخرى في الهول: أربعةُ كانوا يحملون شابا من أطرافه. رأسه مدلى في غيابه. والليلطائر ينقض ويجثم على كينونة المحمول. دمه يشخب على الأرض. امرأة تبكي إذ تخاطب المذيع. بنغازي في الدم. أمطرت دما في بنغازي. جثامين شباب مجندلين ونائمين على حمّالاتٍ حديدٍ في مستودع الموتى. الأغطية باردة. إنه الليل كاملا وحاشيته ليل آخر يتنزل مثل فندير يهوي من ذروة الجبل مطليٍّا بالقار. هزيم يرج الكينونة.

قيل: كتائب تتجه إلى المشارف وتقتحم المدن. قيل: بشر يتمترسون بالضوء الذي آمنوا أنه الضوء. والذي في خريفه العاصف لا يصدق ما يرى ولا ما تفعله يداه. إنه في لا نهاية يدين، وذهابِ قلبه إلى ما يبطل البرهان. يستشرف المرأى. يكرر خرج بعد الغروب. سار في الطريق الرملية الجانبية المحفوفة بشجر الدلب الذيقطّعوا آرابَه. صمتٌ، ولا يسمع إلا خشفته.

ثقل في وحشة رائقة. أرض على هامش الأرض. حاشيته المحفوظة له في كتاب. كأنه كان يضرب في خلاء وظلاله عديدة وتمشي معه مصبوبة من المصابيح. يذكر اسم الحي موقنا أنه مع الضوء. في الشارع الذي سلكه خارجا من خلوته مقاهٍ ملأى ببشر مشدودين إلى الشاشات: كرة تتدحرج في ميدان. وبشر ليسوا على الكراسي التي تتلقى كتلهم مخدَّرة.

كانوا في نوبة صرع جمعي، منخطفين، غائبين، ويستنفدون قسطهم من البنج. مشى باحثا عن شارع آخر لا يرى فيه مشفى يداوى فيه الناس هكذا من الخيال والأفق وأنفسهم، ومن كف الحلم الذي يهز أكتافهم طائفا عليهم بفأسه الخفيفة أن ينهضوا ويجتثوا الغابة التي تتدلى بينهم وبين ما يكون، كي يروا أنفسهم جالسين كصيادين يرتقبون أنيختنق السمك في نهر ميت كي يقتحموا الماء ويلقطوه، وأرجلهم في الطمي. خطاه هينة ولا يرغب أن يكلم أحدا. العالم المؤلم حجره الكريم. يقبض عليه كفّه ويزعم أنه حجره، وأنه آخر ما تبقى من الكنز الذي بدده، ولا يريد أن تراه عين. (19/02/2011)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية