يجب الا نوفر لإسرائيل مئة عام جديدة من الموت السريري العربي

حجم الخط
0

الأغلبية الساحقة من العرب طالما تغنت بالشيخ حسن نصر الله وعبرت عن إعجابها الشديد بمقاتلي حزب الله، أثناء الحرب الضروس التي خاضوها مع الجيش الإسرائيلي، عندما حاول غزو لبنان في العام 2006، حتى أن صور السيد نافست صور الرئيس جمال عبد الناصر، وطغت على صور كافة الرؤساء العرب. ولا نبالغ إذا قلنا أن الشيخ ومقاتلوه كانوا بمثابة المفتاح الذي أدخل إيران إلى قلوب الكثيرين من أبناء العالم العربي، ذي الأغلبية السنية، عندما داعبت أحاسيسهم لغة الخطاب النارية التي استعملها القادة الإيرانيون تجاه إسرائيل. جاء الربيع العربي بنفحاتٍ ساخنة أذابت الجليد الذي تراكم على الخارطة السياسية للشرق الأوسط، إبان حكم الدكتاتوريات العربية، مما أدى إلى انكشاف بعض القوى التي تمكنت من استغلال حالة الوهن العربي، وقامت بمداعبة أحاسيس الشارع المحبَط من سياسات الحكام، الذين وضعوا الأكنة على قلوب شعوبهم، لتتمكن هي من غزو العواطف الجياشة لهذه الشعوب وتظهر بمظهر المخلص المنتظر.
الشعوب العربية تقف اليوم في حالة من الذهول الشديد والصدمة العنيفة أمام مواقف حزب الله وإيران، وحتى موقف الحكومة العراقية من الثورة السورية، فقد أثبتت هي الأخرى أنها تحولت لأداة طيعة بيد إيران، عندما تنكرت للشعب السوري الذي اندفع إلى الشوارع لنفس الأسباب التي أدت إلى اندفاع الشعوب في كلٍ من تونس ومصر وليبيا واليمن، وحتى إيران نفسها عندما ثارت على الشاه. تلك هي إيران التي عبرت عن غبطتها بكل الثورات العربية، تستثني اليوم شعب سورية من هذه الغبطة وتقوم بمؤازرة نظام الحكم الدكتاتوري الفاسد وتذهب بعيداً لتصف المعارضة الشعبية بالقوى المتآمرة المدعومة من الغرب تارةً، وبالعصابات المجرمة تارةً أخرى، متبنية لغة الخطاب ذاتها التي يتبناها نظام الأسد في وصفه لشعبه الذي اتخذ القرار بكسر أغلال الخوف والانعتاق إلى فضاء الحرية والديمقراطية والعدالة كبقية شعوب الأرض. نفاجأ في كل مرة يقوم فيها الشيخ حسن نصر الله، وهو الخاسر الأكبر قلوب العرب، عندما يعبر عن مساندته الصريحه لنظام الأسد، ليصل به الأمر إلى وصف قادة الإجرام الذين يقتلون من عناصر النظام بالرفاق.
على الضفة الأخرى يقوم نظام المالكي بمنع اللاجئين السوريين من الدخول إلى العراق، في الوقت الذي يقوم فيه باستقبال اللاجئين العراقيين الذين كانوا يعيشون في بيوت أبناء الشعب السوري، الذي احتضنهم وآزرهم أيام الغزو الأمريكي للعراق، لتصل أعدادهم إلى الملايين وليشاركوا أخوانهم لقمة العيش الشحيحة أصلاً في سوريا.
من المفارقات العجيبة أن هذه القوى التي اصطفت لمؤازرة النظام السوري تلتقي في قاسم مشترك واحد….أساسه طائفي وكان حظوره قوياً بما يكفي لجعله يتغلب على على أي إحساسٍ آخر، حتى لو كان في المشهد ذلك الكم الهائل من الصور المقززة للدمار والقتل الممنهج للأسر الكاملة، بما في ذلك الأطفال والشيوخ والنساء. بصراحة شديدة نقول ان أبناء المذهب الشيعي مطالبون اليوم بالوقوف في وجه القيادات السياسية التي تقوم بتوسيع الشرخ الطائفي الذي نسعى جاهدين من أجل دفنه، لأن أفعى الفتنة الطائفية خرجت من جحرها وصارت قاب قوسين أو أدنى من نفث سمومها التي ستعيد المسلمين إلى عصر الفتنة الكبرى التي عصفت بالأمة إبان فجر الإسلام. كنا قد كتبنا كثيراً عن الآفاق الرحبة التي سيتيحها التفاهم بين العالمين السني والشيعي، وتأملنا أن تتوحد الجهود من أجل استنهاض المنطقة للوقوف على قدميها من أجل الارتقاء بها إلى مستوى المسؤولية لتتمكن من مواجهة التحديات والأخطار المحدقة التي تحيط بها من كل جانب، ولكننا اليوم نشعر بالخذلان والإهانة، بسبب تلك المواقف التي تصيبنا بالصدمة والذهول، بعدما توسمنا الخير في لغة الخطاب المشجعة التي أخذت اليوم تتلاشى تحت جنازير دبابات النظام وطائراته التي تحصد الأرواح في أماكن محددة، وضد أناسٍ محددين دون غيرهم، ولا نستطيع أن نتجاهل انتماءاتهم الواضحة وضوح الشمس، لأنها لا تدع مجالاً للشك بان الرائحة المنبعثة منها ليست إلا رائحة طافية تُزكم الأنوف. لا زال هناك بعض المتسع من الوقت لإيران وحزب الله من أجل الضغط على دواسة الفرامل لإيقاف العربة الطائفية المندفعة بجنون نحو السقوط في الهاوية السورية، لأن سقوطها سيؤدي إلى إدخال المنطقة العربية والإسلامية في أتون حقبة تاريخية مظلمة لا يستفيد منها إلا عدو واحد مشترك لكل الطوائف ولكافة الأطياف.
على الجانب الآخر يحتدم الصراع الآيديولوجي في الكتلة البشرية الأكبر ونعني بذلك مصر التي تموج اليوم على فوهة بركان من الكراهية بين التيارات الإسلامية والتيارات العلمانية والليبرالية، التي انضم لها الجيش بعد أن غلب الهوى الغربي على أمنه القومي لأنه يقدم له هذه المعونة التي أفقدت مصر سيادتها، مما أدى إلى شق صفها وأدى إلى وضعها على سكة المجهول المخيف. لقد بدا واضحاً أن الغرب وإسرائيل لم يرق لهما أبداً رؤية الدولة العربية الكبرى وهي تضع أقدامها على السكة الديمقراطية التي تتيح للشعب أن يمسك بنفسه ناصية الحكم ويتخذ مواقفه بناءً على ما تمليه مصلحته الوطنية، وليس بناءً على ما تمليه مصالح الآخرين. العرب ليسوا كإسرائيل التي تتمكن قياداتها السياسية من التعايش حتى لو تمكنت أحزابها الدينية المتطرفة من الوصول إلى سدة الحكم، وهي دائماً قادرة على إجبار الغرب على التكيف مع رموزٍ سياسية إسرائيلية عنصرية وتدعو صراحة إلى تصفية الفلسطينيين، أمثال رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان. نحن اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن نرضى بالاحتكام لصناديق الاقتراع ونرضى بمبدأ التداول السلمي للسلطة، وإما أن ندخل في حربٍ أهلية طاحنة تعيد شعوبنا إلى العصر الحجري لتوفر لإسرائيل مئة عام جديدة من الموت السريري العربي، لتقوم هي بتسخير ذلك الوقت الثمين لتحقيق حلمها القديم الجديد بمد وجودها من الفرات إلى النيل، وتبقى على هذا الحال ربما إلى ان يذهب الله بنا ويأتِ
بقوم غيرنا ليقفوا في وجهها.

‘ كاتب فلسطيني مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية