من قبل أن يقوم أحد ما في التفكير بصورة جدية في امكانية ارسال قوة دولية الي قطاع غزة، يجدر بنا أن نتعمق وندقق في نجاعة مثل هذه المبادرات وملاءمتها مع الواقع الشرق اوسطي. من اجل هذا الغرض يكفينا أن نتمعن في نجاعة قوة اليونيفيل المعززة في لبنان.
في أروقة الامم المتحدة والعواصم الاوروبية المختلفة يستعدون اليوم لتجديد تفويض القوة المنتشرة في جنوب لبنان التي شُكلت في ايلول (سبتمبر) الماضي إثر وقف اطلاق النار بين اسرائيل وحزب الله. ولكن قد أصبح واضحا من الآن لكل الأطراف ذات العلاقة مدي نجاح هذه القوة الذي هو نجاح جزئي جدا: السلاح يستمر في التدفق الي مخازن حزب الله والتنظيمات الاخري. تحت أنف القوات الدولية المنتشرة في الجنوب يتم بناء منظومة عسكرية جديدة وربما معززة، وكل هذا في الوقت الذي لم يتم فيه تعزيز قوة الحكومة اللبنانية في بسط سيادتها بصورة حقيقية. اليونيفيل المعززة تستطيع أن تتفاخر بانجازين اثنين: وجود هذه القوة منع ـ في الوقت الراهن علي ما يبدو ـ انهيار حكومة السنيورة الضعيفة رغم سلسلة الاغتيالات السياسية التي نُفذت ضد مؤيديها، والهدوء النسبي تواصل منذ وصول هذه القوة علي الحدود الاسرائيلية ـ اللبنانية.
حكومة ألمانيا قررت أن تأخذ علي نفسها مخاطرة كبيرة عندما استجابت لطلب لبنان واسرائيل بارسال قوة لتعزيز اليونيفيل. من قبل أن تمر سنة علي اتخاذ ذاك القرار أصبح الكثيرون في برلين يميلون للندم علي ذلك. قرار ارسال قوة المانية الي لبنان كان قرارا سياسيا صحيحا، ولكنه كان قرارا عسكريا خاطئا، هكذا يدعون اليوم في القيادة العسكرية الأمنية الالمانية في ظل الوضع الناشئ علي الارض بعد حين. المستشارة ميركل ونظراؤها في الاتحاد الاوروبي رغبوا في وضع حد للورطة العسكرية التي أدخلت اسرائيل نفسها فيها وتعزيز الحكومة اللبنانية الحالية وتحريك دواليب عملية السلام في المنطقة من جديد. لهذا السبب وافقوا علي إرسال جنودهم رغم عدم وجود صلاحيات ملموسة للعمل علي تغيير الواقع علي الارض ومنع المجابهة العسكرية اذا حدثت. اليونيفيل المعززة تحولت الي صورة ارتكاسية لليونيفيل القديمة، وكل ما تبقي للقوة الدولية هو انتظار عملية القصف القادمة التي قد تؤدي الي التصعيد وتدهور الاحوال وقد ينتهي بها المآل الي نشوب الحرب. حينئذ سيجد جنود الامم المتحدة أنفسهم بين المطرقة الاسرائيلية والسنديان الاسرائيلي.
خبراء عسكريون في برلين بدأوا من الآن يُعدون السيناريوهات للرد المحتمل لمثل هذه الحالات وفقا لتجربة الامم المتحدة في الماضي.
احدي الامكانيات هي سيناريو رواندا ـ نداءات قائد قوات الامم المتحدة في رواندا للحصول علي تعزيز لمنع عمليات الابادة التي جرت هناك لم تحظ بالرد، وعندما خرجت اعمال القتل والذبح الجماعية عن نطاق السيطرة وقف جنود الامم المتحدة مُراقبين ما يحدث من دون أن يقوموا بمنعه، لان الصلاحية المعطاة لهم لم تسمح لهم بالتدخل.
وهناك ايضا سيناريو كرواتي: خلال الحرب الأهلية التي قامت بفرط يوغسلافيا الموحدة بدأت الأقلية الصربية في كرواتيا بالاستعداد لتنفيذ عملية تطهير عرقية في مناطقها. الامم المتحدة سارعت الي ارسال قوة مروحيات كبيرة الي الموقع فخاف الصرب وتراجعوا.
وهناك ايضا سيناريو الرحيل: جنود الامم المتحدة يحملون سلاحهم وأمتعتهم ويسارعون في العودة الي بيوتهم في ظل مخاطر التدهور المتجددة.
انتظار المجابهة القادمة محبط جدا، ولكن الأسرة الدولية هي التي تسببت في نشوء هذه المصيدة. اليوم أصبح الوضع متأخرا في أن يتم تغيير التفويض المعطي للقوة الدولية، والحقائق التي وضعت علي الارض لم تعد قابلة للتغيير من دون الدخول في مواجهة عسكرية مع حزب الله ـ هذه المجابهة التي لا يوجد استعداد لدي أحد لدفع ثمنها.
إرسال قوة دولية الي لبنان برهن مرة اخري علي أن النوايا الطيبة ليست كافية لحل صراعات سياسية معقدة ومركبة. في الوقت الذي تغرق فيه الأسرة الدولية في البيضة اللبنانية، ربما يجدر الخروج ضد نشوء المصيدة القادمة في قطاع غزة ومعارضة ذلك.
إلداد بككاتب في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 3/7/2007