اذا كانت توجد دلائل أولى على تمهيد طريق لوقف اطلاق النار فهي موجودة في استقرار رأي الرئيس الفلسطيني محمود عباس على دفع رواتب موظفي حماس الذين يعملون في القطاع. فعلى حسب أنباء في الشبكات التي تمثل حماس، ستبدأ البنوك الفلسطينية اليوم بدفع الرواتب وستعمل البنوك بصورة غير معتادة في يوم السبت ايضا لاتمام العمل. وستدفع البنوك المال من ودائعها وستُتم السلطة الفلسطينية الفرق بعد أن تحصل على الاموال المحولة من اسرائيل.
هذا تطور مهم لأن عدم دفع الرواتب كان من العوامل المركزية التي سببت هياج النفوس في غزة وعرضت حماس على أنها لا تكسب شيئا من المصالحة الفلسطينية الداخلية. ومن هنا جاء طلب حماس القاطع أن يُشمل دفع الرواتب في قائمة شروطها لوقف اطلاق النار. ونقول بالمناسبة إن هذا الطلب لم يُسمع في حديث خالد مشعل أمس، ويبدو أنه في طريقه الى الحل. وقد قدرت مصادر فلسطينية أمس أن تُحرز الهدنة حتى عيد الفطر الذي يحل يوم الاثنين.
إن دفع الرواتب شرط ضروري لكنه غير كاف لموافقة حماس على وقف اطلاق النار. فالموضوع المركزي هو رفع الحصار عن غزة، وفتح معبر رفح، ورفع الحصار البحري على طول الساحل على نحو يسمح للصيادين بأن يزاولوا مهنتهم. ومعضلة حماس الآن هي هل يُعتمد على مصر واسرائيل والولايات المتحدة أن توافق على بحث هذا الموضوع بعد وقف اطلاق النار – كما تقترح الخطة المصرية – أم تحصل على التزامات مفصلة لذلك شرطا يسبق وقف اطلاق النار. ومن هنا يأتي طموح حماس الى أن تُشرك أكبر عدد ممكن من الدول العربية في صوغ الاقتراح «المعدل»، كي يضمن حزام الضمانات التي ستحصل عليها المنظمة ألا يبقى التباحث في رفع الحصار عن غزة بمثابة وعد فارغ.
تم توسيع هذا «الحزام» أمس حينما وصل حاكم قطر الشيخ تميم آل ثاني فجأة الى السعودية للقاء الملك عبد الله. وهذه خطوة غير عادية لأنه نشبت قبل بضعة أشهر ازمة عميقة في العلاقات بين الدولتين. لكن يبدو أن الضغط الامريكي على قطر وحاجة حماس الى ضمانات اخرى أحدثا الزيارة الأميرية. إن هدف قطر هو أن تجعل السعودية تضغط على مصر لتُعدل اقتراحها على نحو تستطيع معه حماس أن تقبله دون أن تبدو أنها خضعت. وسيكون لذلك ثمن سياسي ستضطر قطر الى دفعه من علاقاتها بدول الخليج. لكن اذا نجح الاقناع القطري فقد ترى حماس ذلك حلا مناسبا لطلبها ضمانات لاتمام اتفاق وقف اطلاق النار وللتباحث في المواضيع الجوهرية التي ستليه. إن تأجيل التباحث في هذه المواضيع الى ما بعد وقف اطلاق النار مع الاعتماد على الضمانات العربية سيمنح حماس مكانة مفاوِضة مساوية في قيمتها لسائر الاطراف، ويسلب محمود عباس سلطة التفاوض ولن يُقلل من مكانة مصر التي تسيطر على فتح معبر رفح واغلاقه.
وفي مقابل ذلك لا يضمن استمرار القتال في القطاع لحماس انجازات سياسية فورية، وذلك خاصة لفشلها في إحداث عاصفة لدى الجمهور العربي تضغط على نظم عربية ولا سيما في مصر لتغيير موقفها. وحماس قلقة ايضا من عدد القتلى والجرحى من السكان الفلسطينيين، ومن الدمار الكبير في غزة (الذي وعدت عدة دول عربية بالمساعدة على إعمارها.)
هذا قلق مضاعف الابعاد نحو الجمهور الفلسطيني وحماس مسؤولة عن سلامته، ومن الآثار السياسية المستقبلية التي قد تنبع من الحرب، وبقدر لا يقل عن الأول. فيجب على حماس مثلا أن تأخذ في حسابها الانتخابات التي يفترض أن تتم في نهاية هذه السنة أو في مطلع السنة التالية للرئاسة والمجلس التشريعي الفلسطيني والمجلس الوطني الفلسطيني. وتنوي حماس المنافسة في كل هذه المعارك الانتخابية، وهي تحتاج الى أن تُقدر الآن التأثير الذي سيكون لنتائج الحرب في مكانتها وقدرتها على إقصاء فتح عن المؤسسات الوطنية الفلسطينية.
في لبنان مثلا بقي حزب الله عاملا مؤثرا وحاسما في السياسة اللبنانية برغم أن نتائج الحرب في 2006 كانت تُرى خسارة لاذعة للمنظمة. وفي السلطة الفلسطينية في مقابل ذلك خسرت فتح لحماس خسارة مهينة في انتخابات 2006 عقابا على سلوكها الفاسد. ومع عدم وجود دلائل ناجعة تُبين مشاعر الجمهور فانه يجب على حماس أن تقرر الآن هل تكون هدنة قريبة في مصلحتها في ما يلي من الوقت أم أنها خسرت دعم جمهورها وهي تستطيع أن تحصد بضع نقاط استحقاق اخرى اذا استمرت على القتال.
هآرتس 24/7/2014
تسفي برئيل