ما حُكم القائد الذي يُسلم مرؤوسيه، ويتخلي عنهم زمن الازمة، ويسبب لهم المخاوف والرعب، والذي يخونهم؟ يعطي عيد الاسابيع القريب إجابة يهودية قديمة علي طائفة الاسئلة هذه، التي تبدو واقعية جدا. وهو يفعل ذلك بواسطة سِفر روت، الذي سيُقرأ في العيد، بعد غد في الكُنس.
يقص هذا السِفر، كما تعلمون، قصة روت الموآبية، التي تمسكت كما يقول الكتاب المقدس، بحماتها نعومي، بعد أن ثكلت كلتاهما جميع الرجال في العائلة. انها تعلن بقولها شعبك شعبي وإلهك إلهي وتعود مع نعومي من ارض موآب الي بيت لحم، حيث تتهود علي حسب التقليد، وتتزوج بوعز وتصبح الجدة الكبري للملك داود.
يبدأ السِفر بخمس آيات تقص باختصار عجيب قصة مأساوية عمرها عشر سنين، تثير حيرات شديدة. يوجد جوع في ارض اسرائيل، ويهبط انسان يسمي ايلي ميلخ من بيت لحم الي حقول موآب للسكن هناك، مع زوجته نعومي وابنيه محالون وكيليون. يموت ايلي ميلخ، وبعده الابنان اللذان تزوجا امرأتين موآبيتين، روت وعورفة. ويحتار القاريء: لماذا وُجهت وعلي ماذا هذه العقوبة الفظيعة لعائلة ايلي ميلخ؟.
وُجِد من حكمائنا من قال إن خطيئتهم كانت أن تركوا البلاد في ساعة لم يكن الجوع فيها كذاك الذي تُبيح الشريعة الترك من اجله. وتمسك آخرون بالتعبيرات التي تستعملها قصة الكتاب المقدس، وأوضحوا أن أبناء العائلة خرجوا منذ البدء للسكن هناك، مؤقتا، وانهم بعد إتيانهم حقول موآب، كانوا هناك ـ فقرروا السكن هناك سكنا دائما، وهذه هي خطيئتهم، وما تزال العقوبة تبدو مُحيرة وباهظة جدا بالقياس الي الخطيئة. يلكوت شمعوني، وهو جمع من التفسيرات للكتاب المقدس، يُقدم إجابة ثبتت لأجيال وما تزال حقا الي اليوم ايضا. لماذا عوقب ايلي ميلخ؟
، يسأل ويجيب: لانه أسقط قلوب اسرائيل.. كان ايلي ميلخ من كبار الجيل وقادته، ولانه جاءت سنو جوع قال: الآن ستقف اسرائيل كلها علي بابي، هذا يأتي بصندوقه وذاك بسلته، فماذا فعل؟ قام وهرب منهم.
ايلي ميلخ قائد. علي حسب تفسير آخر كان رئيس الجيل. وهو غني ايضا. لم تكن له ولعائلته مشكلة أن يبقي في ايام الجوع. اعتمد الجمهور الذي هو قائده عليه، وتوقع أن يساعده، وأن يحل مشكلاته. لكنه ترك، وهرب من المسؤولية، تاركا جمهوره للجوع واليأس، وبهذا أصابه بالخوف. وهذه خطيئة باهظة في نظر الحكماء القدماء، تسوغ عقوبة فظيعة كتلك التي أصيبت بها عائلة ايلي ميلخ.
خُذوا كل هذا في ايامنا. كم من القادة أخافونا بأفعالهم واخفاقاتهم؟ وكم منهم أدخلوا فينا الخوف والبلبلة؟ وكم منهم أسلموا الضعفاء، والمرضي والمحتاجين؟ وكم منهم خانونا بالوعود الكاذبة؟ وكم منهم تهربوا من المسؤولية؟ وكم منهم اهتموا قبل كل شيء بأنفسهم وبمكانتهم؟ وكم منهم هربوا الي الخارج بعد اخفاقاتهم، ليُصرّفوا شؤون بيوتهم؟ كم من أشباه ايلي ميلخ كان عندنا؟ وقد تعلمنا عن كل اولئك من سِفر روت، وانهم يعاقَبون.
لا بعقوبة ايلي ميلخ وأبنائه والعياذ بالله. لن نبالغ الي هذا الحد. تكفينا عقوبة متزنة. فالقائد الذي خاننا سنخونه، ومن أسقط قلوبنا سنسقطه في صندوق الاقتراع في يوم الحكم. سنُميته سياسيا. من سيبقي بعد ذلك؟ سؤال جيد.
ابراهام تيروشكاتب في الصحيفة(معاريف) 21/5/2007