يجب وضع الأساس للحرب المستقبلية والردعية بواسطة التكنولوجيا.. وفي نفس الوقت خصخصة السلام مع التركيز علي الفلسطينيين واللبنانيين

حجم الخط
0

بناء مشاريع اقتصادية مشتركة بين الاردن واسرائيل والفلسطينيين ضروري جدا للسلام

الحرب ضد التنظيمات الارهابية المسلحة بالصواريخ والقاذفات ـ القادرة علي ضرب الدبابات والطائرات وتجمعات الجنود ـ جديدة بالنسبة لاسرائيل. هذه حرب ذات طابع أكثر بالستيا، وهي ليست محصورة ضمن الجبهة المباشرة. لدي الفصائل الارهابية تطلع ديني، وليس قوميا فقط، وهي تفضل ضرب السكان المدنيين من قبل محاولتها السيطرة علي الاراضي، حسب نظريتها، إذ تعتقد أن قتل الناس أكثر فعالية ونجاعة من السيطرة علي الاراضي.

الحرب لا تُدار علي يد جيش منظم، وانما من خلال وحدات متفرقة (احيانا من بعض الأفراد فقط) القادرة علي الاختباء في صفوف السكان المدنيين واستخدامهم كدروع في ساحة معركة غير ثابتة. تقارير وسائل الاعلام حول المعارك تؤثر علي الرأي العام. هذه ساحة معركة حافلة بعدسات الكاميرا والتلفاز بحيث تصبح الصور التي تُبث من الحرب هامة بدرجة لا تقل عن المعارك الفعلية. وسائل الاعلام تؤثر علي مشروعية الحرب في الدولة وخارجها، وكذلك علي معنويات الجنود والرأي العام المدني. لا يتوجب التخطيط لمعركة عسكرية من دون تجهيز ملائم لوسائل اعلام ساحة المعركة، ذلك لأنه لا قيمة كبيرة لتفسير الأمور بعد حدوثها. المشاهد التي يبثها التلفاز بصورة مباشرة هي التي تحدد المجريات.

السلاح الذي نملكه خُصص للقتال ضد جيش مقابل، وليس لقتال من هذا النوع. ذلك لأنه لا جدوي للطائرة أو للمروحية التي تساوي الملايين، والتي تُستخدم للبحث عن مخرب وحيد أو مجموعة صغيرة من المخربين مع درجة عالية من الخطورة، أو لدبابة تبحث خلف الصخور والتحصينات عن ثلة من المخربين المستترين والمقنعين والمزودين بوسائل رؤية ليلية وصواريخ مضادة للدبابات.

الجبهة الداخلية ايضا ليست مستعدة لحرب من الطراز الجديد. هي ليست محصنة بصورة ملائمة، والسكان مُجمعون في منطقة صغيرة وفيها تتواجد المصانع الحيوية للدولة التي تشكل هدفا سهلا للصواريخ. في مثل هذه الحرب يتوجب توزيع السكان علي أكبر مساحة ممكنة، وتجهيز مبانٍ محصنة بصورة جيدة بحيث يمكن استخدامها للأغراض المدنية في عهود السلام.

ومثلما هي الحال من الناحية الاقليمية، يصعب التمييز بين الجبهة وبين العمق الداخلي في الجانب الذي يتعرض للهجوم، يتوجب كذلك التمييز في استعداد السكان وانتشارهم في المناطق التي تُنفذ منها الهجمة، والتمييز بين سيطرة الحكومة علي سكانها وبين سيطرة الفصائل الارهابية التي لا تخضع لها، الأمر الذي يستوجب الضغط علي تلك الحكومة وضرب النشطاء بالضرورة.

سلاح غير أبديما هي العِبر المستوجبة من هذه التغيرات بالنسبة للمستقبل؟ يتوجب أن ندرك أنه لا يوجد سلاح ردعي خالد، الردع يتغير مع التغيرات التي تحدث في ارض المعركة. علي اسرائيل أن تمتلك اسلحة ملائمة من صواريخ وسفن وطائرات ومدرعات ومظليين استعدادا لصد الهجمات من قبل الجيوش التقليدية. ولكن عليها في نفس الوقت أن تُعد ردعا استراتيجيا من اسلحة وتركيبة هيكلية ملائمة لهجمات التنظيمات الارهابية المسلحة بالصواريخ والعتاد الحديث، والفصائل الارهابية المزودة بوسائل اتصال حديثة وصواريخ مضادة للدبابات وللطائرات وللسفن.

منذ اليوم يمكننا أن نقول انه في اسرائيل مجموعة من العلماء الممتازين قادرة علي انشاء منظومة اسلحة ووسائل دفاعية حديثة وجديدة، الأمر الذي يُمكّن الجيش من الاصابة الفردية للعدو، وتوفير حماية شخصية لمن يدافع عن نفسه. في السابق كان لي الحق بادخال اجهزة سلاح جديدة للجيش الاسرائيلي، الأمر الذي مكّن اسرائيل من اكتساب قدرة ردعية ما زالت باقية حتي اليوم، أي تلك القدرة التي صمدت طوال خمسين عاما، وأنا علي قناعة أن من الممكن القيام بذلك مرة اخري وللمدي الأبعد.

الثورة التكنولوجية في ذلك الحين تمت بمبادرة وزارة الدفاع، وشكلت أساس التكنولوجيا الراقية الاسرائيلية التي نشهدها اليوم. أبناء الجيل الجديد من التكنولوجيا الأمنية اليوم يستطيعون وضع أساس يكون ملموسا في مجال الحياة المدنية ايضا من صحة ومواصلات واتصالات وجودة بيئة وزراعة ومياه وطاقة.

حكم واحد، بندقية واحدةالانتشار الاقليمي الاسرائيلي يجب أن يتمخض عن توزيع السكان. عليه ايضا أن يساعد في نشوء حكم واحد في اراضي الدول المجاورة. دخول قوات الامم المتحدة، ومن بينها القوات الاوروبية، وانتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان هي تغيرات قد تتمخض عن أمور ايجابية استراتيجية.

حكومة لبنان، مثل السلطة الفلسطينية، فقدت السيطرة علي اراضيها وعلي قواتها المسلحة. كلتاهما لم تعودا عنوانا للسلام أو الأمن في المناطق الخاضعة لهما. علي اسرائيل أن تدعم مساعي حكومة فؤاد السنيورة حتي يصبح المرجعية الاقليمية والعسكرية الوحيدة في بلاده، وأن تدعم ايضا مساعي أبو مازن لترسيخ الحكم الواحد والبندقية الواحدة في اطار السيطرة الفلسطينية.

الردع يهدف الي منع الحروب، ولكن الهدف يبقي تحقيق السلام الكامل. مع كل انتقاداتنا للارهاب الفلسطيني، والارهاب اللبناني، إلا أنها ليست بديلا لمساعي التوصل الي السلام. سلام مع كل دولة في المنطقة، ومع كل دول الشرق الاوسط. في الحرب، كما في السلام، لم تتغير الأهداف، وانما تغيرت السُبل.

الشعار العام الارض مقابل السلام، كان جيدا في حالتين: مصر والاردن، وفشل في حالتين أخريين: لبنان والسلطة الفلسطينية. قُمنا باعادة كل الارض للبنان حسب قرار الامم المتحدة، ولم نحصل علي سلام كامل. أجرينا انسحابا أحادي الجانب من غزة، ورغم ذلك بقيت قاعدة لاطلاق الصواريخ علي اسرائيل. مع انتشار قوات الامم المتحدة تبلور أمل بتنفيذ الجزء الآخر من المعادلة: السلام الكامل مع لبنان. السنيورة دعا للسلام علانية، وعلي اسرائيل أن ترد بصورة ايجابية وعلنية وقاطعة: نعم للسلام مع لبنان.

صحيح أن هناك علامة استفهام سورية الي جانب لبنان. السياسة السورية الحالية تتميز بحالات مزاجية متغيرة. النداء الصادر من دمشق بأن تقبل اسرائيل كل شروطها قبل كل شيء، وعندئذ فقط ستكون مستعدة للالتقاء حول طاولة المفاوضات ـ هو اقتراح سخيف. علينا أن نقول للسوريين انهم اذا أرادوا السلام فعليهم أن يأتوا الي طاولة المفاوضات علانية ومباشرة ومن دون مهلة إنذارية. هذا ما حدث مع مصر ومع الاردن، وهكذا بدأت المفاوضات مع الفلسطينيين، وهذا حتي ما بدأ مع لبنان. رغم أن عمليات هبوط وصعود قد كانت في كلتا الحالتين، إلا أن الامكانية بقيت علي حالها. أما سورية فقد رفضت كل الوقت.

بالنــــسبة للفلسطينيين، فرغبة اسرائيل ليست ناقصة هنا، وانما يعود السبب الي غياب الوحدة في صفوفهم، الأمر الذي أدي الي ايقاف عملية السلام. الفلسطينيون الذين يريدون السلام، مفتقدون للقوة المطلوبة لدفعه. أما من لا يريدون التسوية الدائمة، فيمتلكون القدرة علي منع ذلك. هذا الأمر تسبب في حلول المأساة مكان السياسة.

الانقسام الفلسطيني وضع اسرائيل أمام وضع غير بسيط. استمرار سياسة الانسحاب أحادي الجانب فقدت قوة الجذب في الجمهور الاسرائيلي بسبب نتائجها في قطاع غزة، وأنا لا أري اليوم اغلبية مؤيدة للانسحاب أحادي الجانب من الضفة. عبّرنا عن استعدادنا للدخول في مفاوضات مع الفلسطينيين حسب خريطة الطريق، ولكن حماس منعت الفلسطينيين حتي الآن من القيام بذلك. اسرائيل ستواصل اقتراح الجلوس حول طاولة المفاوضات رغم رفض حماس.

السلام مقابل الخصخصةهناك خيار آخر وهو مساعي ثلاثية الجوانب وتشمل اسرائيل والاردن والفلسطينيين. خيار يبدأ بالجانب الاقتصادي بموازاة الجانب السياسي. اسرائيل والاردن والفلسطينيون اتفقوا منذ مدة علي تحويل كل الشريط الحدودي بين البحر الابيض المتوسط ونهر اليرموك الي ممر اقتصادي مفتوح للتعاون، ويشتمل علي مناطق صناعية وسياحية وزراعية. وكذلك سيكون من الممكن ايصال المياه من البحر المتوسط الي البحر الميت. يتوجب أن نذكر أن اغلبية التغيرات التي طرأت في العالم منذ الحرب العالمية الثانية قد جاءت نتيجة للتغيرات الاقتصادية، وليس بالتحديد، لعمليات التدخل العسكري.

صحيح أن الشركاء الثلاثة لا يملكون ما يكفي من الوسائل المطلوبة لتنفيذ الخطة، ولكن رأس المال العالمي الذي يبحث عن أسواق جديدة وفرص جديدة، بما في ذلك بعض المخاطرة احيانا، يميل الي الدخول الي مثل هذه المناطق. من الممكن اذن خصخصة جزء من السلام، وليس فقط أجزاء من الاقتصاد.

علينا اذن أن نقترح علي الفلسطينيين مفاوضات سياسية وفق الأساس الوحيد المتعارف عليه في العالم، والمقبول علي بقية الأطراف ايضا ـ خريطة الطريق. كذلك يتوجب بناء منطقة اقتصادية ثلاثية في موازاة ذلك، للمساعدة في التخلص من الضائقة المالية (عامل سياسي بصعوبة). في ايامنا لم يعد هناك شعب يسكن وحده. العِلم والتكنولوجيا حوّلا كل دولة الي جزء من المنطقة والعالم. هذا لا يعني أن من الواجب إلغاء الهوية القومية، ولكن من الممكن منح فرصة موازية وأكثر ثراء لعملية السلام وبركاته. ليس الماضي هو الأمر الضاغط والمُلح ـ فالماضي غير قابل للتغيير. الأمر المُلح هو المستقبل ـ وهو مسألة يمكن تغييرها.

شمعون بيريسسياسي اسرائيلي(هآرتس) 31/8/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية