سقوط
وأنا أعبر شارع المحطة إلى شارع لا أسميه
يحدث أن تسقط مني نظرة شاردة بين العربات
وأنا أفتح علبة سجائر ملكية قاتلة
يحدث أن أتذكر يوم أهديتني أجندة وقلما فاخرا
يومها كنت سعيدا رغم أن النهار كان غائما
قلتِ يومها ‘ليتها تمطر في حضرتك’
لم أسمع كل ما قلته لكنني فهمت ذلك
من حركة الفستان المتموج أعلى الساقين
ها أنا كل يوم أعبر الشارع الذي لا أسميه وحدي
منذ أن سقطت مني تلك النظرة.
تذكر
الرجل المسنود إلى جذع شجرة الخروب الواقفة منذ الأزل
الرجل الذي يحنو على الجذع الخرب المثقوب
الرجل الذي ينفخ في الثقب تلو الثقب
ليمر الضوء وصفير الريح …بين خلايا الجذع
جذع تلك الخروبة .
ذاك الرجل المتكوّم
لم يكن ميتًا ….ولا نائمًا
إنة فقط يتذكر .
أغــــــــــنيـــــــة
أنا الآن حيث النبع ..
عدت أرجاء البيت المخلوع الباب
بيت العائلة حيث ربيت
حيث’*1 خابية الماء’و المحراث الخشبي’
حيث الخبز يفوح من ‘*2جهة الحجير’
ومذياع الجد يعزف موسيقى لا أفهمها
كنت أردد أغنية و أنا أتسلق شجر’ البطوم’ حيث العش
أمي تغزل صوفا قرب الجابية
تحت ظل البطومة و ترقبني
كانت تعرف أني أردد أغنية
رغم أني لا أصدح بالغنوة
أحببت تلك الأغنية …أنشدتها مرات
لكني لم أصدح يوما كانت سري المدفون في جذع البطومة
لكني اليوم نسيت …وأنا عند الجذع
بذلت كل الجهد علي أذكرها
أعدت حركة الشفتين /تسلقت الجذع حيث العش
و أنا أستذكر أغنيتي …عبثا أتذكر .
رددت أغنيتي ….عاد صوت المذياع …وصرخات الجد ..ووعيد الأم
خلسة بداخلي أنشدت.
1 ـ الخابية هي عبارة عن جرة كبيرة كان الريفيون يستغلونها لخزن المياه الصالحة للشرب.
2 ـ الحجير هو عبارة عن أحطاب على شكل هلال أو نصف دائرة يستغله الريفيون لحماية النار التي ينضج عليها الخبز أو الكسرى كما يطلق عليها في مسقط رأس الشاعر.
لأنك شاعر
لأنك شاعر بإمكانك أن تختصر البحر في حفنة ماء
ترفعها عاليا محولا ًالفضاء إلى موجة
لأنك شاعر بإمكانك أن تحول الغيم الراكض في السماء
إلى كلمات فضية تضيء وحدتك
تؤنسك في ليلك الضيق
لأنك شاعر بإمكانك أن تتسكع في الشوارع المنسية
حاملاً لغتك فانوساً كي تنير الوجوه المعدمة
محولاً أنينها إلى عواصف غضبٍ
لأنك شاعر يجوز لك أن تتخذ شكل الهواء
المتغلغل في تجاويف الساكسفون
محولا رقصات أصابع العازف إلى نهرٍ من الآهات
لأنك شاعر يجوز لك أن تتخذ شكل ابتسامة خضراء
قبالة شجيرة لوزٍ وهي تستقبل حشود عصافير
تخدش الفضاء بنشيد الصباح
لأنك شاعر يجوز لك أن تتخذ شكل كل الأشكال
محولا العالم إلى بحيرةٍ خالصةٍ من المرايا
صفير
كل الغابة أيتها الشجرة
هي هذه الوردة التي تسقط الآن
قرب رأسي و أنا متكئٌ إلى جذعك
ذات خريف ستسقط ورقة هنا في مكاني
حينها لن أكون حاضرا
فقط سيعلو من صدري صفير يملأ كل الغاب.
دربة
التدرب على المشي بعد السقوط
كتابة سيرة قديس بعد عمر من الطعنات
معانقة جذع شجرة خروب في الخلاء المديد
دموع غصن تعفنت أوراقه تحت ظل سحابة
جيش من الأغنيات الحبيسة تسيل في ليل عاشقة
تفتح أزرارها للموج .
سماءٌ كاملةٌ من اللغة البكر تحط على رأسي الثمل
الحقول التي أكلتها أثناء الكتابة
تصحو الآن لتواصل النمو في قصائد زرقاء
كتبتها للتو…
عراء
ثمة أشجارٌ و شوارعُ تتعرى
متسلقةً عتبات الضوء في حضرتها
ثمة أجنحة متناثرة تجمع بلور الشاعر
تعضّ الصبح المنهمر بلا رأفة
ثمة أحذية من رصاص الوقت
تدق أصابعها بلا خجل في عنق الوردة
ثمة صبح برائحة البن يصفق للموج
العائد للتو من رحلة جزر خلف اللغة
ثمة خلف ذلك عدسة الشاعر
ترصد حركات العالم.