أثار الرئيس التونسي قيس سعيد جدلا جديدا، ليس غرييا عليه، عندما حذر من مخاطر تغيير البنية الديموغرافية لتونس، محذرا من موجات المهاجرين القادمين من دول الصحراء الأفريقية، فهذا المعتز بهويته الأفريقية مرة والعربية أخرى والإسلامية في سياق آخر أعطى دعاة العنصرية في أوروبا وأكثر الوجوه القبيحة تمثيلا لها وهو الفرنسي إريك زمور، فرصة لتبرير نظرياتهم حول الاستبدال العظيم وسيطرة المسلمين من شمال أفريقيا، وتونس جزء منه مبررا لمواصلة ما يطلقون عليها «حروب الاسترداد» أسوة بما جرى في إسبانيا التي انتهى الحكم العربي الإسلامي فيها بسقوط غرناطة. وقال زمور في تغريدة على تويتر يوم الأربعاء «بدأت دول شمال أفريقيا نفسها بدق جرس الإنذار أمام تدفق الهجرة». وهنا، تريد تونس اتخاذ إجراءات طارئة لحماية شعبها» و «ماذا ننتظر حتى نقاتل ضد الاستبدال العظيم؟».
وعلقت «واشنطن بوست» (23/2/2023) على تصريحات سعيد العنصرية بالقول إنها بثت الخوف وسط المهاجرين والتونسيين الأفارقة/ السود. وقالت إن الرئيس التونسي قرأ هذا الأسبوع فصلا من كتاب القوميين البيض، وتبنى لغة معادية للأجانب ونظريات مؤامرة، حيث قامت حكومته بملاحقة المهاجرين من دول الصحراء الأفريقية، بشكل ترك السكان السود في تونس بحالة من الخوف حول سلامتهم. وأضافت أن سعيد الذي قوى سلطته منذ انتخابات عام 2019 وعمل على تهميش الديمقراطية في هذا البلد بشمال أفريقيا، عرف عنه الإيمان بنظريات المؤامرة لكي يبرر استيلاءه على السلطة.
وآخر النظريات، مزاعمه بوجود «مؤامرة يخطط لها منذ سنوات لجلب المهاجرين من دول الصحراء إلى البلد لتغيير الطابع السكاني لتونس». وترى الصحيفة أن تعليقات الرئيس تكشف عن إيمانه بوجود خطة خبيثة تقف وراء الهجرة إلى البلد، معطيا مصداقية لنظرية «الاستبدال العظيم» والتي تتهم السياسات والنخب التي ترحب بالمهاجرين بالعمل على «استبدال» البيض في الدول الغربية. وأشارت أن نظرية الاستبدال العظيم ارتبطت في خطاب دعاة تفوق العرق الأبيض في أمريكا وأثناء مواجهات تشارلوتسفيل عام 2017 ومذبحة المسجد في كرايتستشيرتش في نيوزلندا في آذار/مارس 2019 وفي هجوم سوق بافالو في آذار/مارس 2022 من بين حوادث أخرى.
أفارقة خائفون
وقد أثارت تصريحاته غضبا في تونس وبين المنظمات والناشطين الحقوقيين وزادت من مخاوف أبناء تونس من ذوي الأصول الأفريقية، وتم تداول الكثير من الشهادات على منصات التواصل الاجتماعي حول مخاوف بعض التونسيين السود من استخدام النقليات العامة وتحذير الأفارقة الذين يدرسون ويعملون بطريقة شرعية أبناء دولهم من تجنب السهر في الليل وعدم التجول في أحياء مدن بعينها وتجنب استخدام المواصلات العامة، فيما اتهم طالب ماجستير من ساحل العاج الجامعات التونسية بالفشل بحماية الطلاب الأفارقة، ودعا عدد من الطلاب سفارة ساحل العاج لنقلهم إلى بلادهم. وكان الأحرى اتهام رأس الدولة الذي يحاول الهروب من مشاكله السياسية وفشله في حل المشاكل الاقتصادية وتوفير حتى المواد الأساسية للمواطنين وإشغال الناس بقضايا أخرى، ولكن تصريحاته الأخيرة هي بمثابة تبن واضح لكراهية الأجانب، وقد تترك تداعيات خطيرة على العلاقات الاجتماعية، وطالما استخدمت كراهية الأجانب في الغرب لتبرير القمع والقتل.
والغريب أن سعيد رفض الاتهامات وأكد أنه عازم على حماية بلاده من المهاجرين غير الشرعيين والحفاظ على ديموغرافيتها. وتعتبر تونس مثل ليبيا جذابة للهاربين من الحروب الأهلية والنزاعات في أفريقيا حيث يهربون إلى أوروبا في قوارب متهالكة يبتلع البحر الكثير منها في رحلة من المفترض أنها قصيرة للشواطئ الجنوبية لأوروبا. وبلغ عدد المهاجرين من دول الصحراء الذين يعيشون في تونس عام 2021 حوالي حوالي 21.000 مهاجر، وجاء الكثير من أبناء الدول هذه إلى تونس بطريقة شرعية للدراسة والعمل. وهناك حوالي 9.000 مهاجر وطالب لجوء سياسي في تونس حسب الإحصائيات المسجلة من مفوضية اللاجئين في الأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 2022. وجاءوا من دول مثل إريتريا والسودان والصومال، حيث يمر الكثير منهم عبر ليبيا التي تنتشر فيها الانتهاكات الجسدية والجنسية للمهاجرين. وواجه اللاجئون غير الشرعيين تمييزا وبطالة وتعرضوا للاعتقال والاستغلال ويعيشون في أوضاع غير آمنة.
مخاوف التونسيين الأفارقة
وقالت «واشنطن بوست» إن الخطاب المعادي للمهاجرين زاد من مخاوف التونسيين من أصول أفريقية، الذين يشكلون نسبة ما بين 10-15 في المئة من السكان البالغ عددهم 12 مليون نسمة. وتعود أصول الكثيرين منهم إلى الرقيق الذين جلبوا لتونس قبل إلغاء العبودية هناك في 1846 ويعانون حتى الآن من التمييز في المجتمع التونسي.
وفي تغريدة على تويتر، شاركت المحللة التونسية التي تنتمي لمجتمع الأفارقة التونسيين والمقيمة في تورنتو، هدى مزيودات، شهادات تونسيين من أصول أفريقية، مثل حالة بواب عمارة يخشى استخدام المواصلات العامة، وعائلة تونسية أفريقية تعرضت لاستهداف الشرطة لها ولأصدقائها ومن كانوا في جنازة. وعانت المحللة نفسها من العنصرية بطريقة مباشرة، وقالت إن تعليقات سعيد أخرجت «أكثر الأفكار بدائية وعنصرية وتحيزا عن التونسيين السود» والمنتشرة بين التونسيين غير السود. وعبرت عن قلقها من سياسات الحكومة التي تقمع حرية الرأي ومنعها من التونسيين السود والأفارقة من دول الصحراء مشاركة تجاربهم في التمييز والملاحقة على وسائل التواصل. وقبل انتخابه أقرت تونس في عام 2018 قانونا يجرم العنصرية، وطالما عبر سعيد عن اعتزازه بالهوية الأفريقية. ويعتقد المحللون أن سعيد الذي يواجه أزمة اقتصادية مستعصية ومعارضة متزايدة وجد في الأفارقة كبش فداء سهل لتحميلهم مسؤولية مشاكل البلاد.
حرف النظر
وجاء هجومه على المهاجرين غير الشرعيين وسط الملاحقات وحملات القمع للمعارضين التي شهدتها الأسابيع الماضية ورأت صحيفة «الغارديان» (23/2/2023) أن تصريحات سعيد هي محاولة لحرف النظر عن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد. وأشارت إلى لقاء سعيد يوم الثلاثاء مع مسؤولي الأمن حيث أخبرهم بأن المهاجرين جزء من حملة واسعة لتغيير الطابع الديموغرافي لتونس وتحويلها لبلد أفريقي «خالص». ولاحظت الصحيفة أن تعليقات الرئيس ترافقت مع حملات اعتقال ومساءلة للمعارضين فيما وصفتها منظمات حقوقية مثل أمنستي انترناشونال وهيومان رايتس ووتش بعمليات تصيد. وكعادته اتهم سعيد أحزابا سياسية في البلد بإدارة عملية تغيير الطابع السكاني، ومن بداية القرن الحالي. والغريب أن الرئيس أطلق تصريحاته في بلد طالما افتخر بأنه منطقة لقاء الحضارات، منفتح ويرحب بالأجانب، وفي يوم الأربعاء استمع منظمون للقاء في تونس شهادات عن عائلات مهاجرين طردوا من منازلهم وملاحقة المسؤولين أطفال المهاجرين في رياض الأطفال وعمليات مداهمة في أحياء كاملة. وقال عدد من المهاجرين إنهم لم يخرجوا من منازلهم خوفا من الاحتجاز والاعتقال. وقالت «الغارديان» إن الحزب الصغير وغير المعروف «الحزب الوطني» يطالب منذ أسابيع باعتقال وطرد المهاجرين غير الشرعيين، وكانت الفكرة تكتسب زخما قبل ان يتبناها الرئيس.
ورأت الصحيفة أن تعليقات الرئيس لا مصداقية تاريخية ولا أساس لها في تونس. وقال رمضاني بن عمور، المتحدث باسم المنبر التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية «إنه نهج عنصري مثل الحملات في أوروبا». وقال في تصريحات لوكالة أنباء رويترز «تهدف الحملة الرئاسية لخلق عدو متخيل للتونسيين وحرف أنظارهم عن المشاكل الأساسية».
لغة التخوين
ويضيف سعيد بعدا جديدا لحكمه، فمع مواصلته اتهام معارضيه بالإرهاب والخيانة والفساد وأنه سيقاتل من يجوع التونسيين (وينسى نفسه) بل وفي زيارته لواشنطن نهاية العام الماضي اتهم معارضيه وأطرافا خارجية بالتآمر على الدولة وأحيانا التآمر لاغتياله. وفي خطاب متلفز له قال إن الفساد هو «سرطان» لا يمكن القضاء عليه إلا بالعلاج الكيميائي. وشنت قوات الأمن سلسلة من الاعتقالات حيث احتحزت عددا من المعارضين لسعيد منهم عصام الشابي، أمين عام الحزب الجمهوري وشيماء عيسى، من جبهة الخلاص الوطني المعارضة للنظام إلى جانب اعتقال جوهر بن مبارك عضو جبهة الخلاص التي تضم عددا من الأحزاب المعارضة منها حزب النهضة الذي شارك في الحياة السياسية بعد ثورة عام 2011 وحتى سيطرة سعيد الذي انتخب عام 2019 على مقاليد السلطة وحل البرلمان وأعاد كتابة الدستور بسرعة قياسية وطلب التونسيين التصويت عليه إلى جانب سيطرته على القضاء وتغيير مفوضية الانتخابات وتعيين الموالين له فيها. ودعم بن مبارك، المختص مثل سعيد بالقانون الدستوري، حملة الرئيس الناجحة عام 2019 لكنه أصبح من أشد نقاده اليوم. واعتقل في الأسابيع الماضية، رجل أعمال بارز وهو كمال عبد اللطيف والقيادي في النهضة عبد الحميد الجلاسي ومدير إذاعة موزاييك، وهو نور الدين بوطار بسبب خطها التحريري.
يحدث الآن
يحدث هذا وسط اختفاء الكثير من المواد الغذائية مثل السكر والقهوة والأرز من المتاجر، في وقت تواجه فيه الحكومة صعوبات من أجل تمويل دعم هذه المواد. ويفكر الرئيس وحكومته بوقف الدعم استجابة لمطالب صندوق النقد الدولي الذي تتفاوض معه تونس لتقديم حزمة إنقاذ له، بشكل أدى لتدهور العلاقات بينه والاتحاد العام التونسي للشغل، وهو أكبر النقابات العمالية في تونس، وبدا في الفترة الأخيرة متحفظا من الرئيس وسياساته التي أدت لتدهور الأوضاع في البلاد، وقاد عددا من الإضرابات.
ومشكلة سعيد الذي حيد كل السلطات التنفيذية في البلاد وأمسك بزمام السلطة منذ تحركه في تموز/يوليو 2021 اهتمامه بالسياسة على حساب المشاكل الحقيقية التي تواجه البلاد، ومن هنا وجد في البرلمان السابق فرصة لتحميله والأحزاب المشاركة فيه مسؤولية المشاكل ونقص المواد الغذائية، فإلى جانب تهم الخيانة والإرهاب وعدم الالتزام بالخط التحريري، يتهم سعيد خصومه السياسيين باحتكار المواد الغذائية وإخفائها من السوق. وأظهرت الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تراجعا في شعبية الرئيس، فلم تشارك في الجولة سوى نسبة 8 في المئة من الذين يحق لهم الاقتراع، أما الجولة الثانية فقد كانت أحسن قليلا لكنها متدنية بمقاييس الانتخابات البرلمانية العامة في بلدان أخرى. وهناك انفصام بين تعطش الرئيس للسلطة واهتمامات المواطن التونسي بلقمة العيش اليومية التي بات من الصعب الحصول عليها بسبب غياب الخطة الاقتصادية الواضحة للرئيس وعمليات القمع وتكميم الأفواه، وشغل المعارضين له باتهامات واستدعاءات لمراكز الشرطة والتحقيق بقضايا تتعلق بأمن الدولة. وأورد موقع «ميدل إيست آي» (19/2/2023) أن قاض هدد زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان السابق، راشد الغنوشي بالاعتقال لو يظهر أمام المحكمة في الأسبوع المقبل، وهو ما حدث لاحقا، وكان الغنوشي قد طلب عبر ممثليه القانونيين تأجيل الحضور بسبب ظرفه الصحي. وسمع القاضي في محكمة مكافحة الإرهاب وهو يقول عبر الهاتف «لا لم يحدث اعتقال، سيدي». وقال مكتب الغنوشي «هذه هي المرة السابعة التي يستدعي فيها قضاء سعيد الغنوشي في الأشهر الماضية وبناء على اتهامات واهية ومفبركة». وعبر المكتب عن مخاوف من اعتقال الغنوشي بناء على أوامر من سعيد وفي ضوء حملة الاعتقالات الأخيرة التي طالت صحافيين وقادة في المعارضة ونقابيين، ويعتبر الغنوشي من أشد ناقدي النظام التونسي الحالي، ومن هنا كان هدفا لحملة تحقيقات بغسيل أموال والتحريض على العنف وكلها مدفوعة سياسيا حسب النقاد للنظام الحالي. وفي العام الماضي منع من السفر وجمدت حسابات مصرفية له وأخرى لعائلته وأفراد في حزبه. وظهر أمام المحققين في تموز/يوليو وتشرين الثاني/نوفمبر. ووصف الغنوشي التحقيقات بأنها عن «مشكلة مختلقة» اختلقتها السلطات في البلاد لحرف النظر عن المشاكل الحقيقية التي تواجه تونس. واعتقلت السلطات رموزا في النهضة مثل نور الدين البحيري وفوزي كمون في الأسبوع الماضي. وفي ظل بحث سعيد عن الخصوم الحقيقيين والمتخيلين تدخل تونس مرحلة مظلمة من تاريخها، وهي التي أعطت مرة أملا بالتغيير لشعوب العالم، إلا أن ظهور شخصية غريبة مثل سعيد، أعطت الثورة المضادة التي طالمها التونسيون فرصة للعودة وتأكيد نفسها بحيث أصبح الربيع جزءا من تاريخ مضى.