يحق لي أن أتذكرها

حجم الخط
0

عناية جابر

حرب تموز وإن كانت في عُرف الزمن قصيرة، خاطفة ومبتورة بفعل الإرادة اللبنانية وإرادات أخرى!

، سوى أنها أرخت فيّ مذاقات مُرّة، يتكفل الوقت بتبديدها رغم أنه لم يفعل حتى الساعة مع إنقضاء سنوات على فجورها. سوف لن أستعيد هنا يوميات كالحة فلقد كنت على مبعدة لوجستية من أذاها، بيتي ليس في الضاحية والصواريخ نأت عنه، لكنهُ قلبي الذي فُجع حينها، وارتبك وتصدّع وتأوه، كما عرف لحظات إنتصار، تكفلت بتضميده. لست اتكلم في الفعل وردّ الفعل، ولا في السياسة ووساختها، أحسب فقط أنني يحق لي، عدّ خساراتي واستذكارها من وقت لآخر، منها تلك المنارة العتيقة التي قصفها الطيران الإسرائيلي وقصف معها ظهري العاطفي تماماً. منارة كانت صديقتي وصدف أنني كنت قريبة منها وأنظرها حين تهاوت، كما حين تتهاوى أم ويأخذها الموت.

لم أستسلم للعويل الذي كان يتردد في رأسي إلا عندما جلست كالضفدع على إحدى الدكك الاسمنتية قبالة البحر، وانتحبت بأصوات نوارس وحيتان وذئاب. كان ينقص أن يقصفوا المنارة حتى لا تعود السفن تهتدي. حتي لا أعود أهتدي. من غيري يمكنه ان يشعر تماماً بما تشعره منارة مقصوفة. بقيت تحتضر، تنوس وتصدأ وتتجمد روحها حتى أصبحت قبضة مهمشة، يحلو لي أن أحسست أن سربا من الحمام كان يحلق فوقها، قد هوى وتناثر، وأن أعشاش عصافير كانت ترقد فيها تفرفطت هي الأخرى.

أن أكون أنظرها بعد دقائق على قصفها، قبيحة ومهانة، مختنقة بدخانها، كما لو أنظر عاشقة مخدوعة، أشعلت النار بجسدها الطويل الحلو، وتركت للهب يعمل فيه. إنه ثمن التجرؤ على الضوء وثمن هدي التائهين، وثمن الإصرار على الوحدة الأنيقة وثمن طريقتها في التفكير وإقامة العلل، عبر اصرارها على الوقوف دهرًا بيروتيًا طويلا، منتصبة مغوية تشير للسفن الى أمكنة المدن البعيدة، وهي باقية لا تذهب ابدًا.

أعتقد ان مأخذي على الحروب بصفة عامة هو كونها ليست حرة. أرى ذلك من خلال أهدافها: انها مصنوعة، منظمة وخاضعة لقواعد، ومتفق عليها، صواريخ على المنارة الأكثر وضوحا ومسالمة، صواريخ بلا امتداد، بلا ليل أو صمت، او بعبارة أخرى بلا جندي حقيقي. صواريخ نهارية، وصواريخ ليلية لقتل الفراغ وتزجية الوقت. ليست صواريخ حقيقية ولا يقف خلفها جنود حقيقيون، ولا تنغرس اضرارها في الفكر ولا تنطق بالحداد الأسود للحياة.

صواريخ لمجرد القتل، ناس أبرياء ومنارات، أكثر الاشياء سهولة في العالم، صواريخ طفولية، كأنها رائعــــة وغالـــباً قاتلة.

نهضتُ ومشيتُ غاضبة، غاضبة جدًا لدرجة انني كنت عاجزة عن النظر الى البحر لأريه عمق جرحي. وبينما المناشير تتساقط من المروحيات الاسرائيلية، تدعونا الى إخلاء مناطق سبق ان أُخليت، رحت أنظــــر شاردة الى قبــــعة الصياد الحـــمراء، الواقف بدوره شاردًا. أما البحر، فقد فهم الأمر جيدًا. فهو يعرف أن تلك الرؤية المميتة للمنارة هي اعتداء مقصود على كل ما يؤمن به: اذا كان على النور ان يمّر عبر كائنات دنسة، فانه هو ليس دنساً.

إعدام هذه المنارة اللطيفة، والحجارة التي سقطت على صدرها وبريق جلدها الاسود الذي أطفأه الغبار، كان يعكس اللون القصديري في ذلك اليوم الصيفي الحّار.

قصفوا المنارة وأُحبها حباً مؤلماً، ُمذلا. حب سنوات من العذوبة الخطيرة. أحبها بشدة لأنها تمثل كل ما أعرفه عن نفسي. وكل ما أعرفه عن جسدي كان مرتبطاً بها. الأمر مّعقد بعض الشيء لكنه كان هكذا تماماً بالنسبة لي. لم أعرف حباً آخر، خارج حبي لتلك المنارة للتفكير بنفسي. لم أتعلم الابتعاد عنها، ولا عن البحر، ويبدو مع تدميرها ان شقاً آخر في القلب قد انفتح، وإن ما كان ينقصني، سوف يظل ينقصني الى الأبد.

لم يحدث أبدًا أن آلمتني واقعة قصف الى هذا الحد. استغرقتُ في عملية قصف منارة بيروت العتيقة ووقعتُ في شركها. لم تعد بي رغبة في الذهاب بعيداً عنها. تبقى هي منارتي ويبقى البحر. يبقى فك طلاسم الصواريخ على بعض الأمواج، تبقى الرومانسية والشعر، ويزحف التذكر نحو البحر، يزحف الحب متأهبا لأبدية مقبلة.

ذلك الحدث الذي لا ينضب. موت منارة عجوز مقتولة بالصواريخ الاسرائيلية. موت منارة، هو ترف الموت الصادم ومشهد لم أره في أي حياة سابقة. منارة هرمة، لكن صغيرة على الموت، وفاتنة الى درجة مُدوّخة، الى درجة تجعلني أصرخ لموتها.

في صمت هذا البحر، وقد ذاكرته الآن، سوف لن يعادل شيء، السلوى التي كانت تجلبها منارة لطيفة.

عندما يصطخب البحر غدا، ويقذف بإ يقاعات الماء نحو الشاطىء، أكون أيضا كما في كل فجر، لأرى الى البحّار الذي يأتي، أهديه الى أمان قلبي. تأتي سفينة، أجل تأتي سفينة وسفن كثيرة ولم يكن أحد أخبرهم أن لا منارة بعد. تأتي السفن تتخبط الى مرسى ما، الطاقم والمسافرون، أبناء البلد العائدون، المفقودون والناجون. يأتون جميعاً ُيرّجفهم البعاد، كسر الخاطر والبلد الذي بلا منارة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية