يحيا «الإرهاب»

إذا ما وضعنا الدوافع العنصرية لما حدث للملاكمة الجزائرية إيمان خليف جانباً، ذلك أنه قد يكون الهجوم عليها مشحوناً بعربيتها، أو لربما -وهو الأرجح على ما أتصور- قد يكون مشحوناً بأنثويتها، ذلك أن ما تعرضت له إيمان من تشكيك في أنثويتها ومن مخالفتها للقواعد الأولمبية عبر التنافس ضمن فئة لا تنتمي إليها، ألا وهي فئة النساء في هذه الحالة، هو ذاته ما تعرض له عدد من المتنافسات في الدورة الأولمبية الحالية مثل السباحة الأمريكية كيتي ليديكي، والملاكمة التايوانية لين يو تينغ، ولاعبة «الرغبي» الأمريكية غيلونا ماهر، واللواتي جميعاً كن عرضة للتشكيك في أنثويتهن وللاتهام بتنافسهن ضمن فئة لا ينتمين بيولوجياً لها.
بخلاف الدافع العنصري لما حدث مع اللاعبة إيمان خليف إبان هذه الدورة المشؤومة من الأولمبياد، المشؤومة بإقامتها على وقع واحد من أشد المشاهد دموية في تاريخنا البشري، سواء كان هذا الدافع يتمثل في عنصرية ضد العرب أو كراهية وتمييز ضد النساء، إلا أن هناك زاوية أخرى غاية في الخطورة والحساسية تستحق النظر من منطلقها، رغم الرفض الفكري والأيديولوجي والاجتماعي والقانوني العربي والإسلامي التامين لمجرد الاعتراف بوجودها، ألا وهي زاوية الضبابية الجنسية والجندرية والتي هي على رأس القضايا العلمية، النفسية والفكرية، التي ينشغل بها العالم حالياً، والتي يرفض الشرق، بأوسطه وأقصاه، أن يأخذها بعين الاعتبار أو أن يشارك في الحوار الدائر حولها.
إن هذا الحوار الدائر، أو لنقل الجدل الدائر، حول جنس اللاعبات المشاركات في الأولمبياد إنما هو، في أحد جوانبه، تعبير عن مدى تعقيد موضوع التصنيف الجنسي والتوصيف الجندري اللذين في كليهما، البيولوجي منهما والأيديولوجي، ليسا بقطعيين أو قطبيي التقسيم بين الذكورة والأنوثة، حيث تتدرج الهويات، الجنسية منها والجندرية، في تعبير عن مدى تنوع وتعقيد جنسنا البشري. بلا شك، هناك أساس بيولوجي كروموسوماتي يقسم البشرية إلى ذكورة وأنوثة، إلا أن هذا الأساس هو ابتدائي وعميق البيولوجية جداً، حيث تبنى عليه تدرجات جندرية بل وبيولوجية متنوعة تجعل من التقسيم الأنوثي الذكوري تقسيم غاية في البساطة والسذاجة والظلم تجاه تنوع وتعقيد الآلة الجسدية البشرية الغريبة والرائعة والمريعة أحياناً كثيرة.
يولد البشر المحظوظون واضحي الهوية الجنسية وبجهاز جسدي واضح التقسيم وبهرمونات قطبية النوع تجعل من ذكورتهم أو أنوثتهم تصنيفاً محسوماً. ويولد البشر غير المحظوظين، وهم غير محظوظين فقط بسبب السذاجة المجتمعية البشرية وعنف الرغبة في التصنيف والتأطير حد إجبار البشر على الخروج من هوياتهم وتعذيبهم جسدياً ونفسياً، بأجساد أكثر تنوعاً وديناميكية و»تسامحاً» تجاه التصنيف المضاد. فعلى سبيل المثال، يولد بعض البشر بأكثر من عضو بشري خاص، ما يوكل اختيار جنسهم لآباء وأمهات قد يرتكبون جريمة تصنيفية مؤذية تغرِّب الإنسان عن جسده وتجعله يستشعر صداماً بين وجوده البيولوجي وتكوينه النفسي.
ويولد البعض الآخر باختلالات هرمونية تتضاد مع نوع الجسد الذي يحتويها إما لأسباب فسيولوجية خاصة بأجسادهم وإما -بحسب بعض الأبحاث الابتدائية- بسبب تلقيهم جرعات هرمونية مرتفعة متضادة وجنسهم وهم بعد أجنة في أرحام أمهاتهم. هناك ذكور يولدون بمعدلات تستوستيرون منخفضة جداً، كما أن هناك إناثاً يولدن بلا أرحام أو مبايض وبالتالي لا تحضن مطلقاً. وهكذا يستمر تنوع التشكيلات الفسيولوجية حد القول، في بعض الأبحاث الفكرية الآيديولوجية، إن كل إنسان يمكن أن يكون تصنيفاً جنسياً منفرداً متميزاً لا يتكرر، ليكون في ذلك تشكيل جسده تماماً مثل بصمة الإصبع.
إن حالة مثل حالة إيمان وغيرها من المشاركات في الأولمبياد، في ضبابية مظهرها إن بدت كذلك للبعض، ليست بالغريبة مطلقاً عن المجتمع البشري، إنما هي مؤشر حقيقي وواضح تجاه تعقيد عملية التصنيف الجندري وأحياناً الجنسي. إيمان أنثى، بمظهرها، بتأكيد منها وبإثباتات طبية واضحة من أطبتها، إلا أن أنوثتها استمرت في كونها موضوع جدل، ما يؤكد أن الموضوع لا يقف عند التصنيف الطبي البحت، وأن هناك عوارض فسيولوجية، البعض منها ظاهر مشهود، مثل تضخم أو ضمور بعض أجزاء الجسد أو بروز أو اختفاء عظام الوجه أو زيادة أو نقصان في شعر الجسد، على سبيل المثال لا الحصر، تتسبب في إرباك تصنيفي للجنس وتضع الجسد على مسافة متباعدة من الذكورة ومن الأنوثة وفي حيز مضبب من التصنيف. إن الضبابية الجنسية لا تقل استشكالية عن الضبابية الجندرية، حيث تشكل كلتاهما خطورة كبيرة على سلامة البشر الذين يتعرضون لعنصرية عنيفة جسدياً ونفسياً بسببهما.
هذه الضبابية، تلك الزاوية من الحوار، لا تخص موضوع إيمان خليف بشكل مباشر. إيمان أنثى، وهي شاركت في فئة الإناث، وأي محاولة لإخراجها من فئتها هي محاول عنصرية رخيصة ضد عروبتها وأنثويتها.
لربما تبنت إيمان مظهراً وسلوكاً مخالفاً جندرياً للتصنيف المجتمعي، إلا أنها في مخالفتها، أثبتت أننا كنساء بيولوجياً، يمكن أن نتنوع جندرياً، يمكن أن نتبنى مظاهر وسلوكيات مخالفة لما حفرته مجتمعاتنا على أجسادنا وعقولنا، وتلك هي الزاوية التي تربط موضوع إيمان بالحوار الجندري. المثير للعجب هو ذلك التأييد العربي لإيمان، ترى متى بدأ «التسامح» العربي مع التنوع الجندري ومتى انتهى البغض والرفض بل والتكفير؟
أخيراً: حين تفجر إسرائيل الصهيونية مدرسة تؤوي آلاف النازحين، ليستشهد في حدث الإبادة المتجدد هذا أكثر من مئة شخص معظمهم من النساء والأطفال وتُطحن عظامهم مختلطة بأشلائهم وتُجمع في أكياس بلاستيكية، فيما يُسمح لهذا الكيان المجرم «برياضييه» القتلة أن يشارك في الأولمبياد، في حين تُمنع روسيا من ذلك، فإذا كان هذا بالنسبة للحكومات الغربية هو الموقف الأخلاقي، لا بد أن نعلنها إذن؛ أن تسقط الأخلاق ويحيا «الإهاب».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية