يحيا الرايس انتاعنا : هل التلفزيون الجزائري هو الاسوأ؟ (1-2)
توفيق رباحي يحيا الرايس انتاعنا : هل التلفزيون الجزائري هو الاسوأ؟ (1-2)عندما تكون لديك ثلاث قنوات تلفزيونية انت بحاجة لها جميعا، فورا وفي كل الاوقات، ولا تعرف ما تفعل بها، فانت مثل رجل عطشان بصحراء وفي حقيبة ظهره قنينة ماء هو غير منتبه لامرها. هذا هو حال الحكومة او السلطة الجزائرية. لديها ثلاث قنوات، فضائيتين وارضية، لكنك تشعر، وانت تشاهدها، ان اصحابها لا يعرفون ماذا هم فاعلون بها، وانها قنوات لا علاقة لها بمجتمع من 32 مليون فرد شهد تقلبات سوسيولوجية وثقافية وسياسية كبري في السنوات الـ20 الاخيرة.الجزائر، دولة ومجتمعا، بحاجة الي تلفزيون ذي مصداقية. حتي نظام الحكم بحاجة له ايضا يبيّض به صورته. لكن الحقيقة مأساوية.اعرف انه لو قرأ سوريون هذا الكلام لقالوا انه ينسحب ايضا علي تلفزيون بلادهم وانه هو الاسوأ. وكذلك الليبيون واليمنيون والسودانيون والمغاربة وغيرهم. وادرك ان هذا الكلام ينسحب علي كثير من المحطات المحلية. لا اعرف تلفزيونات باقي الدول العربية قبل عشر سنوات او اكثر. لكنني اعرف التلفزيون الجزائري معرفة تسمح لي بالقول انه اليوم اسوأ من كل زمن، قياسا بما في البلد من طاقات بشرية وامكانات مالية، والاهم بما شهده البلد من تقلبات وما يكتنز من رغبة في التغيير.في الاسابيع التي سبقت شهر رمضان، دأب هذا التلفزيون علي بث سهرات غنائية لفنانين جزائريين وعرب، سجلت في مهرجانات محلية عاجزة عن ان تنافس اقليميا او دوليا، منها مهرجان تيمقاد (نسبة الي مدينة رومانية يقام بها سنويا).تشبه تلك الحفلات عمل الهواة: صوت واضاءة رديئان، تصوير سييء واخراج اسوأ. من المفروض انها لا تلبي شروط البث التلفزيوني. ورغم ذلك تبث المرة تلو المرة.يمكن الجزم ان بثها ابعد ما يكون ان امتاع الجمهور بقدر ما هو ملء فراغ في ساعات البث الطويلة. قبل 1999 كان التلفزيون الجزائري اقل سوءا. في تلك السنة اختطفته مؤسسة الرئاسة وحوّلته من ملك للسلطة الي ملك لبوتفليقة. والنتيجة اليوم ان كل شيء في التلفزيون يسبّح بحمد الرئيس في الليل والنهار.كنا بكلية الاعلام بجامعة الجزائر في اواخر الثمانينات. اراد الاستاذ عبد العزيز بوباكير اطلاعنا علي نموذج لنشرة اخبار لا يمكن ان يُسمح بها في تلفزيون يحترم نفسه فجاءنا بشريط نشرة (من التلفزيون الجزائري) تعود الي سنوات خلت وكان عيبها انها امتدت طويلا لتقترب من الساعة، علاوة علي مضمونها الدعائي للرئيس والحكومة والوزراء. بعد 18 سنة، ها هو التلفزيون الجزائري يبث باستمرار نشرات اخبار اسوأ من تلك النشرة، من حيث المضمون والشكل معا.نشرة الاخبار في التلفزيون الجزائري هي كما يلي، نشاطات الرئيس، البرلمان، الحكومة، تقرير عن العراق واخر عن فلسطين ثم مختصرات عالمية: ـ اخبار الرئيس. هي ليست اخبارا بل حملة انتخابية مفتوحة. ذروة التغطية هنا عندما يلقي خطابا طويلا يُستغل دعائيا في النشرة ثم يبث كاملا بعدها علي حساب البرامج الاخري. ثم اخبار الاستقبالات والتوديع. وان لم يخطب ولم يستقبل ولم يودع، فرسائل تهنئة ومواساة وتعزية لرؤساء ما او ملوك او سلاطين (بغض النظر عن اسم واهمية الدولة). وان لم يصادف ذلك اليوم اي شيء يستحق التهنئة او التعزية، فرسالة الي اجتماع جمعية من الجمعيات الحرفية في البلاد يلتقي قادتها للاكل والشرب والنوم في فندق فاخر ثم يعودون لبيوتهم بعد ان يصدروا خطابا يعلن الولاء التام لـ فخامة الرئيس . تُقرأ هذه الرسائل حرفيا من بسم الله الرحمن الرحيم الي كان الله في عونكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اخوكم عبد العزيز بوتفليقة . نحتاج الي استطلاع رأي لنعرف هل تفيد هذه التغطية التي تشبه القصف المكثف في زيادة شعبية بوتفليقة؟ اشك. الجزائريون يشاهدون تلفزيون بلادهم، يضحكون للاعمال الفكاهية، يتابعون اخبار الكرة، لكن الامر يختلف عندما يتعلق بالسياسة، لا ثقة لديهم ولا تصديق. منذ عقود يفضل الجزائريون القنوات الخارجية بحثا عن الحقيقة. التلفزيون سلاح ذو حدين، والذي يشاهده الناس اكثر لا يحبونه بالضرورة اكثر. وبوتفليقة وقع ضحية حضوره المفرط، اذ ما ان يتغيب يوما او اثنين حتي تسري الاشاعات عن صحته وتضطر الحكومة الي لعب دور رجال الاطفاء. الاسبوع الماضي غاب بوتفليقة فتحركت آلة الاشاعات وكلفت الحكومة وزير الاعلام بالاطفاء.ـ نشاطات البرلمان. لا تخرج التغطيات هنا عن صور الاستقبالات والتوديعات التي يقوم بها رئيس مجلس الامة (الشيوخ) باعتباره الرجل الثاني في الدولة ورئيس مجلس النواب باعتباره الرجل الثالث. اما النقاشات السياسية حول البرامج والقوانين فلا يجد التلفزيون الجزائري ما ينقل لانها منعدمة في البرلمان ذاته بسبب تركيبته والهيمنة المطلقة للاشخاص والاحزاب الموالين لبوتفليقة ولاءً اعمي. فهو مجرد غرفة تسجيل ورفع الايادي عاليا موافقة علي ما يصدر من رأس السلطة حتي قبل صدوره! وعندما يطلع صوت خارج الاوركسترا، يمارس التلفزيون واجبه في التعتيم عليه.ـ نشاطات الوزراء. هنا الامر اقرب الي التغطية المجاملاتية منها الي العمل المحترف. يُقدم هذا النشاط في باب النشاطات الوزارية ويستغرق نحو دقيقتين بالصور، لكل وزير، يتخللها كلام للوزير عن تفاصيل النشاط واشارة الي فضل برنامج فخامة رئيس الجمهورية علي القطاع او المنطقة الجغرافية. وهو في الغالب كلام اجوف عن انجازات (غير موجودة) وبرامج (في الورق) لا يتحمل الوزير مسؤوليته لانه موجه للاستهلاك العام لدي سكان المنطقة او المنتسبين للقطاع. تشمل التغطية كل الوزراء وفق ترتيب معين اعتقد انه يبدأ باهمية الوزير نزولا. ہہہيروي مصدر من داخل التلفزيون كيف ان نحو 20 وزيرا خرجوا ذات يوم في نشاطات تستحق التغطية، فوقعت الواقعة بقاعة التحرير: منح دقيقتين لكل منهم يعني انهم وحدهم سيأخذون 40 دقيقة من عمر النشرة، ما قد يمدّها الي ساعة باضافة الاحداث الاخري. وفي العادة ليس محبذا ان تستغرق النشرة مثل هذا الوقت ما لم يكن ذلك من اجل بوتفليقة.في احيان اخري يسافر الوزير من اجل اجتماع في الخارج ويقوم بنشاط هو من صميم عمل يتلقي عليه راتبا. ينقل التلفزيون هذا النشاط من دون صورة ولا صوت (في احسن الاحوال صورة ثابتة للوزير المعني بزاوية الشاشة) عبر اتصال الوزير بمساعديه في الجزائر وتكليفهم بواجب الاتصال بالتلفزيون وتبليغه التفاصيل. يعجز الوزراء عن اخفاء سعادتهم الغامرة وهم يتكلمون للكاميرا. ويسعد معهم مسؤول مغمور، او اثنان، وهو يقف الي جانبه مغتنما الفرصة لتراه عشيرته في التلفزيون.لاسباب قد تكون سياسية، او قد لا تتعدي الغرور الشخصي، يُغرم الوزراء الجزائريون بالكاميرا غراما يدفعهم الي حد تأخير نشاطهم في انتظار حضور فريق التلفزيون. كنت بين صحافيين جزائريين كثيرين شهدوا تأخر انطلاق مواكب او اجتماعات وزارية لان كاميرا التلفزيون تأخرت. ولا شك ان كثيرا من الصحافيين شاهدوا كيف يحابي وزير ما ويداعب مندوب/ة التلفزيون، وفي احيان اخري حامل الكاميرا، علي حساب زملاء اخرين يشعرون بالغبن والتمييز. ويتداول صحافيو الاذاعة والصحف كيف ان زملاءهم بالتلفزيون يقضون حوائجهم (سكن، قطع ارض ومزايا من هذا القبيل) بسهولة وفعالية لدي المسؤولين والوزراء.اذكر، علي سبيل المثال لا الحصر، ان وزير التجارة في 1994، محمد العيشوبي، اخّر اجتماعا، ومعه جيش من الصحافيين والمساعدين، في يوم رمضاني لان فريق التلفزيون تأخر بسبب زحمة السير التي تتحوّل الي كابوس بالجزائر العاصمة في ايام رمضان.ويسمع صحافيو قاعة التحرير بالتلفزيون باستمرار عن غضب الوزير فلان وشكوي علان من تغطية اعتقدَ انها لم ترقَ الي اهميته. ويسمعون عن وزير يشتكي من انه مُنح وقتا اقل من زميله. وكثيرا ما اتُهم مدير التلفزيون بانه يحابي الوزير فلانا علي حساب اخر او اخرين او انه يتآمر علي الوزير الفلاني لمجرد ان التلفزيون بث خبرا او صورة وُصفت بانها مسيئة لقطاعه.ـ النشاط الحزبي . هكذا يسميه قارئ/قارئة نشرة الاخبار. لا تفهموا ان الكرم التلفزيوني يشمل كل الاحزاب، بل مجموعة من ثلاثة احزاب، جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي وحركة حمس (فرع الاخوان المسلمين). الثلاثة تحالفوا في شيء اسمه الائتلاف الرئاسي ، لا لممارسة المعارضة، بل لتقديم الولاء والدعم لبوتفليقة. قادة هذا الثلاثي يعلنون بالصوت العالي وبدون حياء انهم مع بوتفليقة في اي شيء يقرره حتي قبل ان يقرر وقبل ان يعرفوا هل اصلا سيقرر.لا اعرف هل يحتاج بوتفليقة فعلا لمثل هذا التحالف. لكن الاكيد ان ثرثرة قادة هذا الثلاثي تمنع المعارضة المحترمة وتعرقل الافكار الجادة والنقاش المفيد للوطن. هذا الثلاثي دائم الحضور في التلفزيون، يغطي نشاطاته وتجمعاته وينتقي من خطابات قيادييه ما فيه اشارة لدعم بوتفليقة وحكمته في ادارة البلد.وللقارئ غير الجزائري اقول، باختصار، ان جبهة التحرير هي جهاز/حزب السلطة من الاستقلال حتي 1988، باسمه ارتُكبت كل الموبقات والسرقات. طرده تحالف الادارة والمخابرات من الحكم لكنه عاد مع بوتفليقة. التجمع الوطني الديمقراطي هو جهاز اخر من صنع تحالف الادارة والمخابرات في 1996. اكثر من 50 في المئة من المنتمين له قفزوا من سفينة جبهة التحرير وهي تغرق. الباقون هجين من انصاف السياسيين وانصاف البيروقراطيين وانصاف المثقفين. جيء به لتعويض جبهة التحرير في الهدف والاسلوب. هو رمز الفشل السياسي وباسمه ايضا ارتُكبت كل الموبقات والسرقات. اما حمس فلا هدف لها غير العمل للبقاء قرب السلطة. عندما تحين المواعيد الانتخابية تهدد، تتوعد، تحشد مريديها الكثيرين وتجمع اصواتهم لتقدمها الي.. مرشح العسكر. اتوقع انه في اليوم الذي ينسي احد احزاب التحالف الرئاسي مدح بوتفليقة سيمنع من الظهور في التلفزيون.الي جانب الثلاثي، تمنح رئيسة حزب العمال (يساري متطرف) لويزة حنون ثواني تزيد من التلفزيون، لتوافق هي الاخري، بخطاب مختلف عن التحالف ، شيئا صدر او سيصدر عن بوتفليقة. وكذلك الامر لرئيس حزيب اسمه الجبهة الوطنية الجزائرية.ثم هناك نشاطات ما يسمي المجتمع المدني ـ طبعة جزائرية محضة. وهنا اتحدث عن هجين من جمعيات ابناء شهداء حرب الاستقلال ومجاهديها ونقابات تسبح كلها في فلك نظام الحكم ولا يُسمح بظهورها في نشرات الاخبار الا لتكيل المدائح لبوتفليقة وتدعمه في ما قال او قرر او سيقول ويقرر.ـ تتخلل هذه الوجبة بعض الاخبار المحلية مثل توزيع حفنة من المساكن علي مواطنين انتظروها 30 و40 سنة. هنا ايضا تأتي كل الاخبار في صيغة عملا بتوجيهات فخامة رئيس الجمهورية استفادت عائلات بمنطقة كذا من سكنات الخ . يُرفق التقرير دائما بصور لعجوز مسكينة افنت عمرها في الانتظار وهي تشرح فرحتها بهذا اليوم دون ان تنسي يحيا الرايس انتاعنا وتختمها بزغرودة. يحدث ان تتساقط ثلوج فتغلق طريقا او اثنين. تتحرك سيارة اسعاف او كاسحة ثلوج، فيرد الخبر في نفس القالب الذي لا مفر منه: عملا بتوجيهات فخامة رئيس الجمهورية تدخلت الفرق كذا وكذا .ـ الاخبار الدولية. هنا لا يخرج الامر اجمالا عن فلسطين والعراق عبر تقارير جاهزة ترسلها وكالات الانباء العالمية. وغالبا ما تُبث هذه التقارير متأخرة بحكم انها تصل وتُستغل باكرا. وبين وقت تحضيرها وبثها يحصل ان يكون الحدث قد تطور قليلا او كثيرا.ـ مختصرات دولية. هنا ايضا بالاعتماد الكلي علي وكالات الانباء مع محاولات لاضفاء بعض الفكاهة علي الموضوع من قارئ لسلوس وقارئة صوتها نشار تخصصا في المختصرات التي عادة ما تُترك للمحررين المبتدئين. يحدث ان تختم النشرة بنشاط يسمونه ثقافيا، كأن يكون حفلة غنائية هنا او هناك.هذا نموذج 8 من عشر نشرات في التلفزيون الجزائري. تحترق الدنيا، يحترق البلد، تقوم القيامة.. هذا الموجود. (يتبع).كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]