يخسر العرب إذا حالفوا أمريكا أو استعدوا إيران

حجم الخط
0

د. عصام نعمان

أمريكا ليست حائرة. صحيح ان أمامها خيارات عدة تستوجب قرارات فذة، لكنها تعرف ماذا تريد، وقد حددت وجهة سيرها. إنها ضد العرب وإيران في آن معا، ذلك لأنهما جزآن وازنان من كيان كوني أضحت، موضوعيا، في حربٍ معه منذ 11 ايلول (سبتمبر) 2001. إنه الإسلام الراديكالي كما يسميه جورج دبليو بوش حيناً أو الإسلام الفاشي كما يسميه حيناً آخر. لذا فإن التعديل الذي سيدخله الرئيس الأمريكي علي استراتيجيته النافذة لا يتناول طبيعة العدو بل نهج مقاربته ومحاربته في المستقبل المنظور.

في الساحة العراقية يكمن قرار بوش الأكثر دقة وحساسية، إذ فيها ينشط جناحا الإسلام الأثقل وزناً. إن أي قرار أمريكي يمس احدهما سوف يمس الآخر، سلباً او إيجابا، وستكون له مفاعيل محلية وإقليمية. وتزداد حساسية القرار الأمريكي المنتظر وأهميته لكونه يتصل بهدف بالغ الدلالة هو كيف تخرج الولايات المتحدة من العراق.

يبدو ان إدارة بوش حددت طريقة الخروج. انها الطريقة التي تسهم بفعالية في خدمة قرار استراتيجي قيد التنفيذ هو شق الإسلام السياسي إلي إسلام سني وآخر شيعي، كما هي الحال علي الصعيد المذهبي، وتأجيج الصراع بينهما. والمؤسف ان في كلا الإسلامين قياداتٍ وقوي تستسيغ هذا الصراع وتمارسه بفعالية. في هذا السياق يمكن تلمس معالم الإستراتيجيا الأمريكية الجاري تعديلها علي النحو الآتي:

في الساحة العراقية، لا جدوي من إختيار التحالف مع أحد الفريقين السني او الشيعي. ذلك ان اختيار الفريق الشيعي يقوي إيران ويُغضب السعودية وقد يثير حساسية تركيا التي يقلقها التحالف الضمني بين الفريقين الشيعي والكردي. لذا تتجه إدارة بوش، علي ما يبدو، إلي تكوين فئة حاكمة مختلطة من الفريقين الشيعي والسني علي ان تكون لأهل الشيعة فيها غلبة محدودة إنما مقرونة بحد أدني فعال من الاستقلالية عن إيران. هذا يستوجب زيادة عديد القوات الأمريكية في العراق بقوة لا تقل عن عشرين ألف جندي وذلك في إطار خطة تهدف إلي تحقيق أهداف ثلاثة: تسريع تدريب القوات العراقية لتتسلم المهمات الأمنية من القوات الأمريكية في مدي سنة، دعم القوات العراقية المتوافرة لقطع دابر الميليشيات المذهبية التي تعيث في بغداد فساداً وتتسبب في فرز مذهبي فاجر، وتمكين القوات الأمريكية من الإنسحاب إلي قواعد جاهزة بعيدة عن المدن فلا تبقـي، كما هي الحال الآن، رهينة في متناول إيران.

في مواجهة إيران، تعتمد إدارة بوش إستراتيجيا متكاملة غايتها الأساس منع تجذر إيران كقوة إقليمية مركزية وذلك في إطار خطة لإحتوائها وتفكيكها تنطوي علي تدابير خمسة: التشدد في تطبيق العقوبات التي اقرها مجلس الأمن الدولي اخيراً؛ مباشرة عملية إثارة واسعة للأقليات الاثنية ضد السلطة المركزية في طهران ذات الصبغة الفارسية الغالبة؛ تشجيع السعودية، القلقة من تنامي قدرات إيران ونفوذها الإقليمي، علي زيادة إنتاجها من النفط في شكلٍ يؤدي إلي هبوط حاد في أسعاره وبالتالي إلي هبوط عائدات إيران من إنتاجه ما يحد من قدرتها علي الوفاء بإلتزاماتها عموماً وتجاه حلفائها الإقليميين (سورية ومنظمات المقاومة) خصوصاً؛ توريطها في اضطرابات حدودية مع أذربيجان وأفغانستان وربما مع تركيا أيضا بغية استنزافها؛ وفي حال عدم إمتثالها إلي قرار مجلس الأمن بوقف تخصيب اليورانيوم، القيام بقصفها لمدة 36 ساعة متواصلة بالطائرات والصواريخ بغية تدمير قاعدتها الصناعية وما يتيسر من منشآتها النووية ما يؤدي إلي إعادتها إلي الوراء، حسب خطة نائب الرئيس ديك تشيني، عقداً أو عقدين.

في مواجهة سورية والمقاومة اللبنانية (حزب الله) تعتزم إدارة بوش الضغط علي دمشق وإغرائها في آن معاً للتعاون مع الحكومة العراقية المختلطة التي تكون قد أقامتها، علي ان تعطي مقابل ذلك دوراً في العراق علي غرار الدور الذي اسند إليها في لبنان، مع وعد بفتح باب المفاوضات بينها وبين إسرائيل بخصوص الجولان المحتل.

هل تنجح استراتيجيا أمريكا السالفة الذكر، وما عساها تفعل إيران في مواجهتها؟

ليس ثمة ما يشير إلي ان مخطط أمريكا سينجح في العراق، خصوصا إذا طال أمد تنفيذه. فالقوي السياسية والميليشيات المذهبية الموالية لإيران تبدو وكأن لها اليد العليا في كل ما يجري في بلاد الرافدين، وانها قد قطعت شوطاً كبيراً في تنفيذ مخططها الرامي إلي السيطرة علي العراق كدولـة فدرالية أو مركزية ضعيفة تكون الغلبة فيها للقوي الشيعية الموالية لها، فيدور العراق في فلكها كما كان لبنان في عهد الوصاية السورية.

غير ان إنتصار إيران المرجح يصبح موضع تهديدٍ جدي إذا ما سرعت إدارة بوش مخطط إيجاد فئة حاكمة موالية لها بحدود إستقلاليتها النسبية عن إيران من جهة وإذا ما عجلت بشن ضربتها الإستباقية العدوانية علي إيران من جهة أخري. مع ذلك تبقي مخططات أمريكا مشكوكا في نجاحها لأن إيران قد تنفذ تهديدها بتدمير صناعة النفط في المنطقة الموالية لأمريكا الكائنة بين شواطئ البحر الأحمر وشواطئ بحر قزوين الأمر الذي يرفع أسعار النفط إلي ما يزيد عن 150 دولاراً للبرميل الواحد. صحيح ان أمريكا وأوروبا واليابان قد تحسبت لهذا الإحتمال فقامت ببناء احتياط نفطي استراتيجي يؤمن حاجاتها الإستهلاكية لمدة 18 شهراً دونما زيادة محسوسة في الكلفة، الا ان الآثار الناجمة عن تدمير صناعة النفط في المنطقة قد تمتد لأكثر من 18 شهراً، وقد تنعكس سلباً علي الإقتصاد العالمي برمته. كل ذلك قد يدفع الصين والهند، اللتين ستكونان ابرز الدول المتضررة من النقص في إمدادات النفط، إلي استدراك الأضرار المحتملة بممارسة ضغوط مسبقة علي إدارة بوش لمنعها من إستفزاز إيران أو تدمير قاعدتها الصناعية لئلا لا ترد علي ذلك بتدمير صناعة النفط في المنطقة.

يتحصل من هذه الدراسة الإستقرائية لمستقبل الصراع الأمريكي الإيراني في المنطقة ان إنزلاق السعودية إلي المشاركة في مخططات الولايات المتحدة ضد إيران وحلفائها الإقليميين قد يكلفها، إلي صناعتها النفطية، نفوذها الإقليمي. كما قد يتسبب علي المدي المتوسط بتفكيكها. كذلك سورية، قد تعرض نفسها لخطر إنفجار داخلي إذا ما فكت تحالفها مع إيران جرياً وراء سرابِ دورٍ محدود الفعالية في العراق، فضلاً عن كونه غير مجزٍ تجاه إسرائيل التي لن تفتح معها أية مفاوضات قبل تدمير قدراتها الصاروخية، انتاجاً وإمكانيةَ إستعمال، وفك ارتباطها نهائيا بالقضية الفلسطينية وتعطيل ورقة استعمالها نهائيا.

غير ان بقاء السعودية ومصر وسورية بمنأي عن مخططات أمريكا وحروبها الإقليمية لا يغنيها عن خيار بل قرار الإستغناء عن أمنها المستعار بإقامة منظمة امن عربية ترتكز علي كيان اقتصادي قومي يمدها بأسبـاب القوة والمنعة والنماء. إذا لم تتخذ هذه الدول الثلاث ومعها الأردن ولبنان لاحقا، قراراً استراتيجيا بهذا المضمون فإنها تكون قد عرضت نفسها، بإزاء إسرائيل المتجذرة والمتوسعة والمتحولة قوةً نوويةً إقليمية، الي ان تصبح منطقة عازلة buer state بين إيران وإسرائيل. وفي هذه الحال، تكون قد وضعت نفسها برسم التفكيك والتبديد.

إلي متي ينام العرب علي ناصية التاريخ؟

ہ كاتب وسياسي من لبنان9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية