ليس صدفة أن اختارت حماس اسم “طوفان الأقصى” لعملها الإجرامي في 7 أكتوبر، وليس صدفة أن كل حكومات إسرائيل ترددت تجاه هذه الكرة الملتهبة التي يسجل عليها “خطر اشتعال”. والتهديد، الوهمي والحقيقي، يتجاوز القضية الفلسطينية إلى العالم الإسلامي بأسره؛ لوجود شيء ما في هذا المكان يثير اضطرابات ويضرم النار منذ أكثر من مئة سنة. هذه ليست مجرد تصورات، فقد قتل الكثيرون أثناء الصراع على هذا المكان. القدس، التي لم تكن عملياً إلا البلدة القديمة، كانت مكاناً مهملاً. ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر، كان اليهود أغلبية في البلدة القديمة، حسب كل الإحصاءات، وكانوا أبناء الحاضرة القديمة. أما المسجد الأقصى الواقع في البلدة القديمة فلم يكن على رأس فرحة المسلمين في عهد الإمبراطورية العثمانية.
من اللحظة التي نالت فيها التطلعات لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي اعترافاً دولياً، بدأ الانتظام الإسلامي المضاد. وبدأت اضطرابات ضد اليهود في القدس منذ 1920. قتل ستة واغتصبت نساء يهوديات. ولاحقاً، وجد أمين الحسيني السبيل لإثارة حماسة المسلمين من خلال “فرية الأقصى”: اليهود، وفقاً للمحرض الأكبر منذ بداية الصهيونية، يخططون للسيطرة على المجال لهدم المسجد وإقامة الهيكل الثالث مكانه. من الغني عن البيان أنه لم تكن خطة صهيونية كهذه، وحتى وإن كانت، فهي في هوامش الهوامش ليهود مسيحانيين يحلمون بها.
منذ مئة سنة والقدس تجبي نصيبها من الدماء بسبب تحريض شرير؛ مرة من المفتي النازي، ولاحقاً من دعاة أرادوا أن يروا أنفسهم خلفاء له. صعدت القدس إلى ارتفاعات جديدة في خطاب السلطة الفلسطينية أيضاً. كان هذا من عرب إسرائيل، وخصوصاً الشيخ رائد صلاح، الذي واصل هو أيضاً تنمية “فرية الأقصى” بل وربّى جيلاً من الشبان المتطرفين الذين نفّذ بعضهم عمليات إرهابية.
قبيل شهر رمضان، طرحت مسألة جبل البيت والمسجد الأقصى هذه السنة أيضاً. فكيف تصان حرية العبادة دون سفك دماء؟ لا توجد صيغة سحرية لتهدئة الخواطر؛ لأننا نتعامل هنا مع فريات من نوع مقيت للغاية. منذ حرب الأيام الستة واليهود يقعون في تمييز ضدهم. فدخولهم إلى “جبل البيت” [المسجد الأقصى] مقيد، وتهديدات المتطرفين تتسبب بالردع. وبالتأكيد، هكذا هذه الأيام عندما، فلا تحتاج إسرائيل إلى جبهة أخرى.
هذه ليست أياماً بسيطة، بل إضافة إلى رئيس الوزراء القائم، ثمة رجل يتعلق به كل الائتلاف، الرجل الأكثر تطرفاً في الساحة السياسية، الرجل الذي هو شخصية غير مرغوب فيها في كل عواصم العالم تقريباً. هذا الرجل، بن غفير، يسعى الآن لإملاء سياسته على الحكومة.
يعرف نتنياهو بالضبط مع من يتعامل. في الماضي، رفض السماح لبن غفير بالحجيج إلى “جبل البيت”. ” كان بن غفير سيشعل الشرق الأوسط. كان سيثير غضب مليار مسلم علينا”، قال نتنياهو، “قلت إن هناك حدوداً. وثمة أمور لست مستعداً لفعلها”. مرت أربع سنوات فقط، وبدا اليوم نتنياهو آخر، ليس نتنياهو الذي يقود، بل الذي يقاد. بن غفير يطلب، ونتنياهو يطيع.
ربما ترتكب إسرائيل خطأ تاريخياً في 1967، عندما أبقت سيطرة إسلامية كاملة على “جبل البيت”. لكن نتنياهو 2020 قال أموراً صحيحة. ونتنياهو 2024 قد يتخذ قراراً حتى وإن لم يثر علينا غضب مليار مسلم، فربما يشعل غضب مئات الآلاف. ولا حاجة لمئات الآلاف لإشعال المنطقة. حتى الآلاف يمكنهم فتح جبهة إضافية.
مرت إسرائيل بتجربة قاسية في أيار 2021 بمواجهة مع حماس، حين حدثت قصة الأقصى. الآلاف من عرب إسرائيل خرجوا إلى الشوارع، بعضهم شاركوا في أعمال الشغب وأعمال فتك. في أعقاب 7 أكتوبر، كان تخوف من حصول هذا مرة أخرى، لكن هذا لم يحصل. ثمة مظاهرات هنا وهناك، ولكن الاستطلاعات والشوارع الهادئة تشير إلى اختاروا انضمامهم مع إسرائيل، لا مع حماس.
غير أن هذا ليس مضموناً إلى الأبد. فقد أملت حماس في خلق جبهة متعددة الساحات تضم عرب “المناطق” [الضفة الغربية] وعرب إسرائيل، وهذا لم يحصل، ولكن هذا قد يتغير في أي لحظة. وإذا ما أصر نتنياهو على معاقبة عرب إسرائيل ومنعهم من “زيارة جبل البيت” [يقصد صلاتهم في المسجد الأقصى]، حينئذ يكون تخوف من بدء بضعة آلاف بإحداث اضطرابات. هذا بالضبط ما تريده حماس. مرة أخرى، يتعين على نتنياهو أن يقرر بين المصلحة القومية والمصلحة البنغفيرية. وقبل أن يتخذ قراره النهائي، يجدر برئيس الوزراء أن يكرر الأقوال الصحيحة التي قالها في 2020. وهي صحيحة أيضاً في 2024.
بن – درور يميني
يديعوت أحرونوت 20/2/2024