زهير أندراوس:
الناصرة ـ ‘القدس العربي’ تعيش الأوساط الأمنية والعسكرية والسياسية في إسرائيل حالة من النشوة، تعوضها عن حالات الإخفاق الأخيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة والإقليم العربي، بعد الكشف عما أسمتها سفينة الأسلحة المتجهة إلى قطاع غزة، ولكن أمس الجمعة تبيّن أنّ الاحتفالات الإسرائيلية كانت سابقة لأوانها، فقد كشف المحلل العسكري، إليكس فيشمان، في صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’ النقاب عن أنّ الأسلحة التي تمّ ضبطها على السفينة قليلة جدا، مقارنةً مع الأسلحة التي ضبطتها إسرائيل على متن سفينة (كارين إي). بالإضافة إلى ذلك، قال المحلل إنّه خلافاً للإدعاءات الإسرائيليّة الرسميّة، فإنّ أوساطاً رفيعة في المنظمة الأمنيّة بالدولة العبرية تعتقد أنّ إيران وسورية وحماس يهربون الأسلحة والعتاد العسكري إلى القطاع بشكل كبير، ويُعزز قوتها العسكرية بشكل مقلق للغاية استعداداً للمواجهة القادمة بين الطرفين، وقال أيضاً إنّ كل سفينة تقوم إسرائيل باعتراضها في عمق البحر، فإنّ محور الشر يقوم بتهريب عشرات السفن الأخرى المحملة بالأسلحة المتطورة والمتقدمة من الناحية التكنولوجيّة.
وبحسبه فإنّ دور حماس في هذه العملية تمثل بالحرص على الحصول على السلاح في العريش، ومن ثم تهريبه إلى مصر عبر قناة السويس، ما يعني بصورة أو بأخرى الانتظار لرؤية رد فعل المجلس العسكري في مصر على اعتراض إسرائيل في المياه الدولية لشحنة الأسلحة. كما ينبغي الانتظار لرؤية رد فعل الحكومة التركية التي كشفت عملية سلاح البحرية الإسرائيلي عن حقيقة أن ميناء (مارسين) الخاضع لرقابة صارمة من سلاح البحرية وأجهزة الاستخبارات التركية، يستخدم كأحد مراكز تهريب السلاح الإيراني إلى حماس أو إلى قوات الثورات العربية، بعد أن اتضح أن الأيام الأخيرة شهدت خروج بعض السفن من هذا الميناء، وهي مكدسة بالسلاح متوجهة إلى الثوار في ليبيا، وكانت وجهتها ميناء بنغازي.
في نفس السياق، أكد الخبير العسكري الأبرز في إسرائيل رون بن يشاي على أنّها ليست المرة الأولى التي تشهد تهريب سلاح عبر ما وصفه بـالممر الشمالي، الذي يخرج من سورية عبر تركيا إلى مصر، ومن هناك عبر الأنفاق إلى قطاع غزة، بعد أن اقتصرت إيران في الماضي على عمليات التهريب عبر الممر الجنوبي فقط، من اليمن والسودان، حيث كان المسار القديم لنقل الأسلحة للقطاع، ينطلق من ميناء بندر عباس الإيراني، ومن ثم إلى اليمن، ثم مصر عبر البحر الأحمر، ليصل أخيراً إلى قطاع غزة، حيث أدركت طهران أن هذا المسار أصبح مكشوفاً للاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية، لذا قررت إيجاد مسارات إضافية جديدة لنقل الأسلحة للقطاع بمساعدة سورية. ويرى يشاي المرتبط بعلاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، أن الصلة الإيرانية بهذه الأسلحة تأكدت مع العثور على صواريخ (ساحل ـ بحر)، التي توصف بأنها إستراتيجية، وإلى جوارها كراسات إرشادية تحمل شعار الحرس الثوري باللغة الفارسية، ترشد عن كيفية تشغيلها، وتركيبها، واستخدامها.
وتزعم التقديرات الإسرائيلية أن السلطات الإيرانية تدرك أن زعزعة منظومة المؤسسات الأمنية المصرية، بما في ذلك المخابرات العامة، التي ترأسها عمر سليمان، تخلق لهم فرصة لنقل السلاح والمسلحين إلى سيناء بدون تفتيش، مما يُصعب على إسرائيل التعاون الإستخباراتي والأمني مع مصر، وهذا ما يريد الإيرانيون استغلاله، على حد قول المصادر الأمنيّة في تل أبيب.
من جهته، نظر رئيس أركان قيادة سلاح البحرية راني بن يهودا لمحاولة تهريب الصواريخ المذكورة إلى قطاع غزة على أنها تهديد إستراتيجي، وسلاح يكسر التوازن، لأنها تهدد السفن الآتية إلى ميناء عسقلان بشكل مباشر، إضافة إلى حقل الغاز الجديد، الذي ظهرت مدى أهميته حين توقف تدفق الغاز الطبيعي المصري، وهو ما ترى فيه الأوساط الأمنية في إسرائيل دليلاً على ضرورة استمرار الحصار البحري على القطاع، ومنع رسو سفن حمولتها تصل عشرات الآلاف من الأطنان قبالة سواحل غزة، لأنها بذلك ستتيح نقل أسلحة ثقيلة أخرى. أما المحلل العسكري الإسرائيلي روني دانيئيل، من القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي فقد ألمح إلى احتمال وجود علاقة بين المهندس الفلسطيني المختطف في أوكرانيا ضرار أبو سيسي، وتم نقله إلى إسرائيل، حقيقة أن الشركة التي تدير السفينة (فيكتوريا) موجودة بالقرب من مدينة أوديسا، وبغض النظر عن ذلك، لكن المؤكد أن هناك تفاصيل سرية تتعلق بحرب عقول، ومناورات تهرب من الرصد اللصيق، وبسلسلة من القرارات الإشكالية، لأنه في حال الفشل الاستخباري، فإن كابوس لجان التحقيق سيدق على أبواب مكاتب صناع القرار.
ولذلك، ترى القيادة العسكرية الإسرائيلية أن السيطرة على سفينة فيكتوريا لم تكن مجرد عملية ناجحة فقط، سواءً من ناحية جمع المعلومات الإستخباراتية، أو في حقيقة ضبط السلاح المتوجه في طريقه إلى غزة، لكنها أيضاً تأكيد على أن الذراع التنفيذية لمنع تسلل السلاح إلى حماس لم تقطع.