أخيراً وجد نعيم حمدان، وهو رجل كبير من “حزب الله”، قناة تلفزيونية لبنانية يلقي فيها الاتهامات ضد إسرائيل. وكأن إسرائيل والولايات المتحدة هما اللتان تقفان خلف الانفجار الكبير الذي حدث في مرفأ بيروت في السنة الماضية. عندما اهتزت الأرض في بيروت، خرج حسن نصر الله يهدد ويسخر بالقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع. فلنرَ إذا كان الإسرائيليون سيساعدونك، قال له.
تكمن في الخلفية قضية قاضي التحقيق، طارق البيطار، الذي قرر السير حتى النهاية: حتى نهاية التحقيق أو حتى نهاية حياته المهنية، أو ربما أيضاً حتى نهاية حياته، في قضية الانفجار في مرفأ بيروت الذي أدى إلى موت 213 مواطناً لبنانياً، وإصابة الآلاف، وتخلف مئات عديدة أخرى من العائلات بلا مأوى.
ليست هناك استنتاجات ملزمة حتى الآن، والقاضي البيطار يستدعي عضوي برلمان: الأول هو علي حسن خليل، المتماثل مع “حزب الله”، والثاني من المعسكر الآخر، غازي زعيتر. يحتشد خارج شقته المتواضعة مئات من أبناء عائلات ضحايا انفجار في المرفأ غضباً. يدعي “حزب الله” بأن هناك اعتبارات سياسية تحرك البيطار، ويدعون إلى تنحيته. هذه مظاهرة مقابل مظاهرة: الأولى لأقرباء العائلات والشبان اللبنانيين، والثانية لـ”حزب الله” وحركة أمل الشيعية، في قلب بيروت. والمعسكران يتظاهران ضد “الملف الذي يحاك لنا”.
كل رؤساء الحكم، من الرئيس ميشال عون، عبر رئيس الوزراء نجيب ميقاتي، والوزراء وحتى محافل الأمن العليا، يصمتون فجأة صمتاً مطبقاً. لا أحد معني بدخول هذا المجال المشتعل الذي يوسع الشروخ الداخلية أكثر فأكثر. ويواصل نصر الله مطالبة القاضي بالاستقالة “طوعاً” أو أن يجبر على الانصراف، كي يعرض العدالة المحلية بصيغة “حزب الله”.
هذا الصباح يفترض بالقاضي أن يعرض نتائج التحقيق. غير أن كل شيء قد يتشوش في اللحظة الأخيرة، تماماً مثلما حصل مع القاضي الأول في قضية الانفجار، فادي صوان، الذي انسحب من منصبه بفزع، بل وأخذ أبناء عائلته وانصرف إلى الخارج.
وهاكم عدداً مذهلاً: ربع مليون لبناني على الأقل غادروا الدولة في الأشهر الستة الأخيرة: الشبان في إمارات الخليج، والأكبر سناً في جنوب أمريكا. بين المسافرين مجموعة كبيرة من الأطباء والممرضات، تركوا وردياتهم في المستشفيات، وحرصوا على إيجاد أماكن عمل جديدة وتركوا أقسام مرضى كورونا والسرطان باكتظاظ صادم. يخرج المرضى إلى الشوارع للبحث عن أدوية، والصيادلة يخبئون الأدوية في مخازن سرية كي يبيعوها في مرحلة لاحقة بأسعار خيالية.
وحسب السجلات، بقي في لبنان 4 مليون نسمة. ولكن 16 مليون لبناني في أصلهم يدعمونهم من بعيد، كل حسب طائفته. انتخابات البرلمان تقدم موعدها بستة أسابيع هذه المرة، بسبب شهر رمضان. لا أحد يعلق أمالاً خاصة بأعضاء المجلس، ولكن ثمة تقديرات بأن هذه الانتخابات ستشغل المواطنين ولعلها تبعدهم عن الشوارع.
الولايات المتحدة وفرنسا تبذلان جهداً خاصاً لحماية القاضي البيطار. فهو شخص لطيف وذكي، بل واستثنائي في محيط بيئة محلية فاسدة. ولكن ليس مؤكداً أن يتمكن من إنهاء مهامه مع تصميم “حزب الله”. هو الآخر يقرأ اتهامات “حزب الله” لـ “جنرالات إسرائيل” وكأن إسرائيل ضالعة في انفجار المرفأ. والآن يعلن وزير العدل هنري خوري: “هذا أكبر مني، ليس لي صلاحيات بأن أبقيه في منصبه أو أن أقصيه عنه”. الرئيس عون وحده مخول بذلك، وهو لم يقرر بعد.
بقلم: سمدار بيري
يديعوت 21/10/2021