بيده مفتاح النص والتلقي معا:
«يدي لم تعد تصلح للكتابة،
لا للقتل،
لا لذبح الشياه.
يدي التي تلمس الليل بحنو،
وتحلم بأشياء لا توجد.
يدي التي ترى امرأة جالسة لأيام في انتظار الحافلة،
التي ترى الصباح يمر مسرعاً،
التي تشمُّ أوراق أشجار بعيدة
يدي لم تعد صالحة للكتابة،
صارت تبصر وتلمس».
تقرأ له، يطوح بك في مدارات بياض ويدعوك إلى ملء ما تبقى من مجاز تسرب. فلا تملك إلا أن تعيد كتابة نصه بإذن نصه، كي يرضى عنك إيقاعه الذي استولى عليك.
عبد الجواد العوفير شاعر مغاير حد الدهشة، لا يفرض أي وصاية عليك، أو على نصه، بقدر ما يشدك إلى شعره فتظن أنك تكتبه بينما أنت تقرأ ما بك فيه.
وفي يده وحدها يملك مفتاح النص والتلقي معا.
يأتيك من جنوب الشعر:
«أصدقاء يمشون تحت غيمة
ويغنون
هل ثمة يد تحمل الغيمة
وتعصرها،
هل الغناء الطالع
هو من يُرقِص الغيمة؟
الأصدقاء الذي يمشون، ويغنون،
يعرفون فقط أن الغيمة جميلة،
وتمطر وابلا من المطر».
عيناه تكتبان، بينما يده تبصر، وفي مساحة البصر تنبني كل شفوف قصيدته مثل ضوء يهزم فلول العتمة، ذاك الضوء الذي يأتيك من جنوب الشعر، ومن شمال اللغة.
يده من تتحمل وزر القصيدة، وهي تكتبها بوابل من الضوء حتى لا ينشحن النص بغير ضياء الاختلاف. العوفير ليس شاعرا كغيره. هو مبدع من طينة أخرى، يجعل الدوال تنتصر لرهانه، ويذهب بالنص صوب عتبات، ونحو إضاءات، وباتجاه يغاير ما سلف.
إنه قد يتخفف من الحياة:
«لماذا السماء بعيدة
وقريبة،
لماذا يدي بعيدة
وقريبة،
كيف تهاجر الطيور وحيدة،
كيف يطلع الحنين كدخان؟».
لن تتخفف من الحياة، وأنت بصحبة قصيده، لأنه يدعو الحياة إلى نصه، ويعلو بالنص فوق الحياة، ووحدها لغته تمكنه من الارتفاع فوق العابر، وكسر المحايث. وسلطته على النص، وسلطة نصه علينا، يبدوان جليا في قدرته الفائقة على إعادة كتابة الواقع ليغدو حلما.
تماما كشاعر يأتي كي يغيب:
«في المقهى أجاور ملائكة،
يتجادلون فكرة الموت والحياة،
وعن إمكانية رفع السماء قليلا،
أو خفضها قليلا،
وأنا أفكر في هواء يمر،
متخففا من الموت،
متخففا من الحياة».
هذا الزخم الأعلى:
«كان كل شيء مغطى بالثلج،
حتى أفكارنا.
أذكر الخوف، يوزع علينا القهوة،
ويربت على الأكتاف، كأم حنون.
كان كل شيء مغطى بالثلج،
حتى أحلامنا
ونحن نصرخ:
يا خوف يا أمنا،
يا دودة القلق،
يا قنديلا ينير العالم،
يا خوف، يا خوف،
يا أمنا المغطاة بالثلج.
كان كل شيء مغطى بالثلج،
و نحن نصرخ:
يا ثلج، يا أمنا».
في بنيان لغته ذات الزخم الأعلى، وحدها أنفاس النص من تشيد القاموس، وتبني قناطر المعنى. إنه مهندس اللغة. يخطط للعبارة قبل أن تنمحي فيه وتشرق فينا. هندسة بها يكسر أفق انتظارنا، ويرينا من معانيه عجبا، دون أن نفطن بالفخ الدلالي الذي أسس عليه نموذجه اللغوي..
فن التماس مع العابر:
«أفكارنا
«المغطاة بالثلج».
تتبدى الصورة الشعرية وهي متعالقة مع أشياء الواقع، ومتعالية عنها في الآن نفسه
إنه فن التماس الأعلى مع العابر، هو من يجعل العوفير يكتب نصا شعريا ضاجا بجلبة الصورة، وهدأة الدلالة. وفيها يتقن القبض على الشاعرية الطازجة.
«أفكر
في السماء».
ترى ما الذي يمكن أن تضيفه لغتي وأنا إزاء شاعر «يصطاد الصباح»، ويتملى وجوده عبر التخمين في أوج الليل، حيث لا محيد عن ضجيج السكون كي تنكتب القصيدة؟
«أخمن في الليل
كم هو طويل كقامة جندي
كم هو حاد كشوكة
تنبت فيه عشبة النسيان ببطء
الليل الذي نسمع فيه الموت وهو يركض علی العشب
نسمع فيه امرأة ميتة تبكي
ونری فيه أشباح خيالة».
كل شمس إلى نصه تأتي:
مثلما مارس هو خروجه من النوم، سأمارس أنا دخولي في النص/ نصه، حتى لا يفلت مني ليل الكتابة
«أخرج من النوم ببطء،
أطل على المدن التي تستلقي جانبي
بيتي كزهرة عباد الشمس،
لكن لا شمس تأتي إلى بيتي.
أسمع خطوات الجارة العمياء،
تفتح نافذتها بخفة».
ناقدة من المغرب