الرباط ـ “القدس العربي”:رغم إقامته في الرباط مقر عمله، ظل الشاعر والإعلامي المغربي محمد بلمو وفيا باستمرار لمسقط رأسه القرية الجبلية “بني عمار” الواقعة في ضواحي مدينة مكناس، وجسّد هذا الوفاء من خلال نشاط دؤوب في الجمعيات المحلية، بهدف المساهمة في تنمية تلك القرية، علاوة على تنظيم مهرجان لسباق الحمير ولأجمل حمار، وهي تظاهرة تهدف إلى إبراز مكانة هذا الحيوان الأليف في حياة الإنسان بالبادية، وكذا لفت الانتباه إلى مشكلات المجتمع المحلي هناك.
في خضم الاستعداد لتنظيم دورة جديدة من مهرجان “فيستي باز” التقت “القدس العربي” صاحب دواوين “صوت التراب” و”رماد اليقين” و”حماقات السلمون” (ديوان مشترك مع عبد العاطي جميل) وأجرت معه الحوار التالي:
* تشرف سنويا في مسقط رأسك قرية بني عمار على مهرجان فريد من نوعه يحتفي بالحمار، ما الغاية من وراء هذا المهرجان؟
** فيستي باز، مهرجان ثقافي مختلف ومتنوع، نحتفي فيه بالحمار، ببساطة لأن هذا الكائن الوفي والخدوم والذكي يعيش معنا في منطقة جبلية ويلعب دورا أساسيا في حياة الناس واقتصادهم، وفي المقابل لا يتلقى منا في المغرب والوطن العربي إلا الإهانة والاحتقار والاستغلال المفرط فضلا عن الضرب والتعذيب والتجويع. حتى النخبة تجعله سبة تتبادلها يوميا فيما بينها في البرلمانات والمنتديات وفي الشارع طبعا. هناك شبه كبير بين وضع الحمار هذا ووضع المواطن القروي، فهو أيضا يتعرض للاستغلال والتحقير والتهميش، لذلك نعتبر الاعتراف بالحمار ورد الاعتبار له هو اعتراف بنا كمواطنين قرويين. هذا يعني أن المهرجان كان يهدف إلى رد الاعتبار لقصبة بني عمار وسكانها والمنطقة القروية المحيطة، وجعله مناسبة سنوية للترافع من أجل تحقيق تنمية المنطقة ووقف نزيف الهجرة القروية وإنصاف السكان. لقد كانت إحدى غاياتنا من تنظيم المهرجان، فضلا عن تمكين السكان المحليين من حقهم في الثقافة والأدب والفن، هو إنعاش الدورة الاقتصادية بالقصبة وخلق الرواج المطلوب.
لم نكن نتوقع أن الاحتفاء بالحمار سيكون له ذلك الصدى الكبير وطنيا ودوليا، لكن الإشعاع الدولي للمهرجان خلق له أعداء، وعوض أن يكون حافزا لتطوير التمويل الضعيف، حصل العكس، حيث تراجعت مؤسسة اتصالات كبرى في آخر لحظة عن دعم إحدى دوراته الأخيرة لأن مديرها العام لا يحب الحمير، وأتذكر أننا تقدمنا سنة 2013 كباقي الجمعيات بملف دعم الدورة 11 للمهرجان إلى وزارة الثقافة، لنفاجأ برأي اللجنة التي خصصت له مبلغا زهيدا حددته في 25 ألف درهم مغربي (2500 دولار أمريكي) وهو مبلغ لا يحصل عليه مهرجان عادي حتى في دورته الأولى، وتلك رسالة تأكدنا من خلالها أن التبخيس لا يطال هذا الكائن الكادح فقط ولكنه يطال حتى المهرجان الذي يحتفي به. ولذلك، ومباشرة بعد تلك الدورة اعتبرنا أن الوقت قد حان لوقفة ضرورية نتأمل فيها التجربة ونقوم بتقييمها في ظل شروط ازدادت صعوبة وتدهورا.
** وهل حقق المهرجان بعض أهدافه منذ انطلاقته إلى الآن؟
** حقق “فيستي باز” الذي اعتبرته إحدى الجرائد الدولية “أفقر وأشهر مهرجان في المغرب” إشعاعا دوليا لم تحققه الكثير من المهرجانات رغم ما رصد لها من إمكانيات كبيرة، كما جلب لقصبة بني عمار العشرات من الكتاب والمبدعين والفرق المسرحية والغنائية ووسائل الإعلام والسياح المغاربة والأجانب، وساهم أيضا في تحقيق العديد من البنيات التحتية التي كانت القصبة محرومة منها، غير أن أهم الأهداف التي كنا نطمح إلى تحقيقها من خلاله، وأقصد التنمية الاقتصادية والاجتماعية لسكان القصبة والمنطقة وبالتالي وقف نزيف الهجرة، هي التي لم نتمكن من تحقيقها مما استلزم القيام بوقفة لإجراء عملية تقييم شامل.
* ولكن المهرجان حصل سنة 2014 على جائزة دولية؟
** حصل على الجائزة العالمية للخيول عن النسخة 11 التي نظمناها سنة 2013 من جنيف، وصادف ذلك اتخاذنا لقرار تأجيل المهرجان مرة أخرى ليس فقط لهزالة الدعم، ولكن من أجل بلورة مشروع تنموي لصالح السكان يكون المهرجان قاطرته ومحركه، حيث استمرت اجتماعاتنا طيلة سنوات لتقييم التجربة وبلورة ذلك المشروع الذي أصبح جاهزا، للتعريف به والترافع حوله انطلاقا من دورة هذه السنة التي سننظمها في توقيت المهرجان خلال العشرة أيام الأخيرة من تموز/ يوليو المقبل.
*وهل توفرت الشروط الضرورية التي جعلكم غيابها تمتنعون عن تنظيمه خلال السنوات الماضية؟
** لقد أسسنا إطارا جمعويا جديدا للمهرجان وللمشروع التنموي الذي يقوده، هو “جمعية إقلاع للتنمية المتكاملة” كما أن الطرق المؤدية للقصبة التي كانت في حالة مزرية جدا قبل بضعة أشهر، أصبحت أفضل بكثير وكذلك حال أزقة القصبة، إضافة للملعب الذي كنا سباقين لرفع مشروعه إلى المجلس القروي والجهات المسؤولة منذ أزيد من عقد. لكن الذي شجعنا أكثر على استئناف المهرجان هو تسجيله لدى وزارة الثقافة والاتصال كتراث وطني لا مادي في العام الماضي ما سيضمن له دعما أفضل وأكثر إنصافا من طرف الوزارة التي كانت الداعم الأساسي له منذ دورته الأولى، وهذا ما عبر عنه وزير الثقافة والاتصال الدكتور محمد الأعرج مؤخرا، كما أننا ننتظر ردودا إيجابية من وزارات معنية قدمنا لها ملفات طلب الدعم، كوزارتي الفلاحة والسياحة.
نحن لا نريد تنظيم المهرجان من أجل البهرجة كما هو حال الكثير من المهرجانات، ولكن نريده مهرجانا ثقافيا جادا ومنتجا وطريفا في الوقت نفسه، وأن يساهم بشكل فعال في تحسين شروط الحياة والاقتصاد في القصبة ومحيطها ويغني العرض السياحي الجهوي والوطني بمنتوج جديد ومُغرٍ.
* لنتحدث عن تجربتك الإبداعية، ماذا يعني لك انتقال ديوانك “رماد اليقين” الى خشبة المسرح؟
**كان بالفعل خبرا مفرحا انتشلني قليلا من حزني على مرض حفيدتي الراحلة أريج.
أتذكر أن الفنان طارق بورحيم اتصل بي وأخبرني أن حفل توقيع الديوان الذي كان ناجحا في مقهى “المامونية” في مدينة سيدي يحيى شجعه على التفكير في الاشتغال على الديوان وإخراجه على الخشبة كعرض مسرحي تقدمه فرقة مسرح سيدي يحيى، لقد انتابني إحساس جميل بالفعل، فالشعر الذي يقال عادة انه لا يقرأ، بإمكانه أن يتحول إلى خشبة المسرح، وسيكون ثالث أعمالي الشعرية من ضمن ثلاثة دواوين حولت إلى عروض مسرحية، في السنوات الأخيرة بعد عمل لعبد اللطيف اللعبي وآخر لعدنان ياسين.
لقد زودني المشروع بكثير من الأمل، والثقة في كتابة شعرية قلقة، كما جعلني أفكر وأتساءل عن الكيفية التي سيحول المخرج بورحيم وفرقة مسرح سيدي يحيى الغرب “رماد اليقين” إلى الركح، مما جعلني متشوق لمشاهدتها. وعندما شاهدت العرض ما قبل الأول أعجبني العمل وطريقة التناول البريختية وتفاعل الممثلين الشباب مع أشعار الديوان وتحويلها إلى حركات وإشارات ولوحات ممتعة.
* هل تعتقد أنه ما زال للشعر قراء وجمهور في العالم العربي؟
** من المؤكد أن هناك دائما قراء للشعر، لا نتحدث عن الطوابير والحشود، لأن الشاعر لا يعنيه ذلك مثلما يعني السياسي الذي يقوم بكل شيء من أجل حشد الأصوات والمريدين، هناك عشاق للشعر ومهتمون حتى وان كانت أعدادهم قليلة، فالعبرة في رأيي بالنوع وليس بالكم، أما بالنسبة لانحسار القراءة فالأمر طبيعي، ما دمنا نتوفر على دور نشر كسولة لا تقوم بأي مجهود للتعريف بمنشوراتها وتقريبها من الجمهور. وشركتا توزيع تعاملتا مع الكتاب الشعري بشكل سيء جدا وسيصبح الأمر أكثر سوءا بعد ما توحدتا في شركة واحدة وفي وضع احتكاري. هذا الوضع يفرض على الدولة التدخل وإنشاء شركة توزيع عمومية بإمكانها أن تتعامل مع الكتاب بطريقة أفضل من اعتباره مجرد سلعة، والتعامل مع الأدباء بما يحفظ حقوقهم ويحفز ملكاتهم وأقلامهم.
* هذا يجعلنا نتوقف عند تجربة شبكة المقاهي الثقافية في المغرب، باعتبارك عضو مكتبها الوطني، كيف تساهم في المصالحة بين الجمهور والثقافة؟
** لقد شكلت تجربة المقاهي الثقافية، في اعتقادي، ردة فعل على ضمور الفعل الثقافي التي كانت تقوم به التنظيمات الثقافية التقليدية، وفتح أفق جديد لتوسيع هذا العمل وإخراجه من القاعات النخبوية المغلقة. لقد شاركت في العديد من الأنشطة التي نظمتها شبكة المقاهي الثقافية، في العديد من المدن المغربية، وتأكد لي أن التجربة تستحق الانتباه، لأنها تذهب إلى حيث يوجد الناس، لتقدم لهم مقترحاتها: كتب للتوقيع وكُتَّاب وفنانون للحوار وعروض غنائية ومسرحية في فضاءات مقاه مختلفة في مدن مختلفة. هناك نسبة محترمة من رواد المقاهي ينجذبون لهذه التجربة، يقتنون الكتب، ويشاركون في النقاش والحوار وينصتون بتأمل للقراءات الشعرية خصوصا في المدن الصغرى والبعيدة عن المركز.
ويمكن القول إن تجربة شبكة المقاهي الثقافية قد أبانت عن إمكانيات لا محدودة للمساهمة بشكل فعال ومؤثر في تصالح الجمهور مع الثقافة، ولعل توسعها في جغرافية الوطن وارتفاع أنشطتها دليل على ذلك، كما أن الملتقى الوطني الذي تنظمه كل سنة يشكل آلية للتأمل في تراكم التجربة وفي تقييمها وتطويرها.
* ما هي اللحظة التي عشتها في حياتك، وأردت أن تعبر عنها شعرا، فاستعصى عليك ذلك؟
** ثلاث حالات قصوى عجزت فيها عن كتابة نصوص عنها، الأولى عندما زرت إدنبرة خلال تدريب صحافي في لندن في تسعينيات القرن الماضي، قضينا ليلة رائعة في عاصمة اسكتلندا، وعندما عدت حاولت مرارا أن أكتب نصا يحفظ تلك الذكرى الاستثنائية، لكن لغتي كانت عاجزة تماما، وتكرر ذلك مرتين ولكن في حالتي حزن كبير على عكس المرة الأولى، عندما توفيت حفيدتي ووالدتي، فأنا لا أقوى حتى هذه اللحظة عن كتابة شعر حول ذلك الفقدان الرهيب.
* بحكم كونك صحافيا، أي جسور توجد بين الصحافة والأدب؟
** أنت تعرف أكثر مني مدى التفاعل الكبير بين الصحافة والأدب، خصوصا إذا كان العمل الصحافي في مجال الثقافة والأدب كما مارسناه معا قبل عقدين. فأشهر الأعمدة وأكثرها عمقا وتعبيرا كتبها صحافيون أدباء، ولكنني كنت دائما أحس بأن الصحافة تستنزف الأديب بل وتكتسحه وتأخذ منه الوقت الأعظم، بينما لا ينال الأدب إلا النزر اليسير.