يرفض دولة عراقية مركزية بجيش قوي: البارزاني لا يكشف سرا بإعلان خياراته الاخيرة!

حجم الخط
0

جمال محمد تقي

عندما يتحدث البارزاني علنا وعلي رؤوس الاشهاد ويعلن بصريح العبارة ما يضمره ويسعي اليه هو وحركته فإن اي متابع للشأن العراقي بدقائق تطوراته سيعرف ان هناك طبخة بمقادير محددة يجري اعدادها علي نار هادئة ومنذ زمن ليس بالقصير، وكلما تأخر استواء محتوياتها يحاولون زيادة نار طبخها تعجلا لتجهيزها وحسب الطلب الاولي الذي حدد نوعها وطعمها ولونها ورائحتها!

اما من هم الطباخون، فهم كل المتحاصصين من مدعي التمثيل السكاني للاثنيات والاعراق والطوائف العراقية، وليس سرا ان المشرفين عليها والمعدين لها هم ذاتهم غزاة العراق وحلفاؤهم في المنطقة.

واذا اردنا مقارنة تصريحات البارزاني وافعاله منذ احتلال العراق حتي الان وكي لا نرجع كثيرا الي الوراء لان الوراء لا يختلف في مضمون سعيه عن الذي حصل بعد الاحتلال بل كان عبارة عن مقدمات موضوعية له، مع تلميحات وافعال جماعات التحاصص والتقاسم في الجنوب والوسط فاننا لا نجد فارقا شاسعا او جوهريا بينهما، لكن يبقي لاقطاعيي الشمال اندفاعتهم ذات المسعي المبرمج والمدفوع والمدعوم من اشد القوي رغبة في تحطيم اي شيء له علاقة بالعراق الواحد القوي والقادر والمستقر والمتطور، ومعرفتها لم يعد سرا ايضا، انها اسرائيل، باعترافها واعتراف مؤرخيها ومحلليها وبعض سياسييها من خلال علاقاتها التاريخية المتجددة مع قادة حركات التمرد العشائري والاقطاعي الرجعي في شمال العراق، ومنذ حكم الجمهورية الاولي بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، ناهيك عن ارتباطاتهم الارتزاقية بالحكم الشاهنشاهي في ايران الذي جعل منهم ومن تمرداتهم ورقة ضغط بيده علي الحكومات المتعاقبة في العراق!

لقد اعلن البارزاني مؤخرا انه سيسعي وبكل قوة لمنع قيام دولة عراقية قوية المركز وسيعمل علي عرقلة اي توجه لتقوية جيشها كي لا يكون درعا لهذه الدولة، واستدرك بان العراق مقدم علي ثلاثة خيارات لا رابع لها وهي علي النحو التصاعدي التالي: الفدرالية، الكونفدرالية، التقسيم. قد يجد البعض ان هذا التصريح غريب وشاذ، ويتمني البعض الاخر من مرتزقة ودلالي وحلفاء الاقطاع الكردي من عرب النسب ان لا ينتبه الي هذه التصريحات احد، لانها تسقط اوراق التوت التي يحاولون وضعها علي واقع وآفاق مشروع الاغوات هذا! وهي تجعلهم منبوذين وعراة امام النزعة الوطنية الجياشة التي يتسم بها ابناء العراق الشرفاء، وهم الاغلبية الكاسحة من الشعب بكل شرائحه وفئاته.

اما الذين ما زالوا علي بصيرتهم وعلي متانة ذاكرتهم وعلي اخلاصهم لشعبهم وقضاياه فهم لا يجدون في هذه التصريحات اي شذوذ او غرابة، بل بالعكس يعتبرونها امتدادا طبيعيا لمسلسل الغدر والخيانة واللاوطنية، يعتبرونها سقوطا للاقنعة الزائفة التي يتجملون بها امام من لم يكشفهم بعد.

من لسانه ندينهان اي عاقل وغير مغرض يستطيع التوصل الي استنتاجات صحيحة من خلال قراءة سياسية علمية ونقدية بترابطاتها لتصريحات البارزاني وغيره من الاغوات ومقارنتها بافعالهم واشكال علاقاتهم وتعبئتهم الداخلية والخارجية وهي ستفسر الكثير مما يحدث في العراق من عظائم وعجائب الامور.

سنجدها متسقة تماما بين الاقوال والافعال، انهم يعتبرون الوضع الذي يمر به العراق الان هو فرصة تاريخية قد لا تعوض لاجل استقطاع الجزء الشمالي منه واقامة دولة تحقق لهم استقرارا يمكنهم من امتصاص ما يريدونه من خيراتها بعد ان تكون هذه الدولة ملكية شبه اقطاعية يتوارثها البارزاني وعائلته وحاشيته، وحتي يتمكنوا من ذلك فلا بد من وجود مبررات سياسية وفكرية وميدانية تكون غطاء للفعل القصدي والارادوي المخل الذي مارسوه بحق الدولة والمجتمع العراقي برمته.

فلا يمكن ان تكون مبررات القمع الذي مارسته حكومة ما ضد عشيرة ما او طائفة ما او حزب ما او اثنية ما مبررا منطقيا لانفصال هذه العشيرة او الطائفة او الحزب او الاثنية، لا سيما وان الحكومة التي يتذرع بقمعها الانفصاليون هم قبل غيرهم يعلنون انها لم تستثن احدا من قمعها، وهي عندما تقمع ليس لاعتبارات التمايز القومي او الطائفي او المناطقي، وانما لدواع سياسية صرفة، هذا اذا استثنينا اصلا ان الانفصال داخل الاقليم الواحد والشعب الواحد امر لا يحسب لصالح قوة الاقليم والشعب في مصارعته للقمع الذي تمارسه الحكومة، بل بالعكس قد يمنحها مبررا لزيادته وتركيزه علي الداعين للانفصال، علاوة علي ان حق الامم في تقرير مصيرها سيكون خارج هذه اللعبة تماما، اولا لان الاقليم الواحد والشعب الواحد هو المقياس الاصيل والمتحقق لاي مشروع انبثاق امة ما ودونه تصبح مقولة الامم غير المتحققة هي مجرد مجازات لغوية ترتبط بقضايا النزعات النفسية والثقافية ليس الا، وثانيا ان يكون شعب ما واقعا تحت احتلال جيش دولة وشعب اخر، كما هو حال العراق الان، فهو واقع تحت احتلال امريكي غاشم، وعليه من حق شعب العراق الذي تكفله كل الشرائع في تقرير مصيره من خلال مقاومته للاحتلال ومشاريعه، ومن اهم المبررات التي يمكن ان تكون عاملا حاسما وميدانيا لتحقيق هدف الانفصال هو حدوث حرب اهلية طاحنة تؤدي الي فصل وعزل سكاني ضمن جغرافيات الانتشار الممكنة والتي يصاحبها نزوح وتهجير قسري لفك اشتباك المناطق المختلطة، ولا نتجني علي احد اذا قلنا ان الذي يقوم به حزبا البارزاني والطالباني في مناطق كركوك وبعض مناطق الموصل وبعقوبة اضافة الي اربيل ذاتها كلها تؤشر الي انهم مستعدون لاشعال هذا الفتيل القاتل لتحقيق اهدافهم الجهنمية وغير المشروعة، والمصيبة تكمن في انهم يقدمون انفسهم كقوة مثل يحتذي بها من قبل اقرانهم في الجنوب والوسط حيث مظاهر التطهير الطائفي، بل انهم يساهمون بطرق مباشرة وغير مباشرة علي اتساع نطاق العزل القومي والطائفي وتصفية من يعيقه، ووفق منهج متصاعد ومستور باقنعة متعددة اضافة الي المساهمة بعرقلة انبثاق جيش عراقي قوي يستثمر خبرات الماضي ويساهم في تعزيز الامن بالبلاد، وهنا كما في موضوعة ترسيخ الانعزال والتقاسم والتحاصص ليكون مقدمة لاعادة نشر شعب العراق علي اسس غير الأسس الطبيعية في الانتشار، فان الاحتلال هو الراعي الرسمي لكل هذه الممارسات بل يشجعها ويستثمرها لمصلحة بقائه الدائم بالاحتلال المباشر او دونه، وما انتعاش ظاهرة التسلح وظاهرة الدفاع الذاتي لكل مجموعة من المهيمنين علي الاحياء والمناطق وارتباطهم بالميليشيات التي هي اقوي بالعدة والعدد من ما يسمي بالجيش العراقي الجديد، الا صور صارخة لحالة تصاعد الاحتراب الداخلي التي سيعيشها العراق خلال الفترة القادمة، لينشغل الجميع بحربه الطائفية والعرقية عن محاربة الاحتلال ومشاريعه، وهذا الحال القلق ينسحب علي كل المفاصل الاخري كعلاقات دوائر الدولة ببعضها وفوضي تعليماتها بل تضاربها، وهي كالدستور المعلن لا تساهم الا بالمزيد من التباعد والضعف، اما موضوعة الاستثمارات النفطية الاجنبية في مناطق سيطرة البارزاني والطالباني دون سيطرة او تخطيط الدولة المركزية فهو امر جار علي قدم وساق، هذا اضافة الي الاصرار علي ان تكون هناك قنصليات لحكومة البارزاني في سفارات العراق، كل هذه الافعال والممارسات تؤكد وجود توجه واضح لاستغلال حالة الضعف العراقي من اجل استكمال مستلزمات الانفصال الكلي حيث ستحين الفرصة بتفجير الوضع الامني وبشمول اكبر، وتحت الحماية الامريكية ـ الاسرائيلية من اعتراضات دول الجوار، لقد صرح البارزاني مرارا وتكرارا بان الحرب الاهلية اذا قامت فانه سينفصل!

عليه فهو المستفيد الاول بعد الاحتلال من قيام الحرب الاهلية، والمنطق يؤشر الي مصلحته في السعي اليها والدفع باتجاهها، اذن فهو يسعي الي تحقيق خياراته كلها وعلي مراحل تكمل بعضها بعضا، وهو الان في المرحلة الكونفدرالية غير المعلنة منها، وعندما تقام الحرب الاهلية الشاملة الموعدة، فانفصاله سيكون تحصيل حاصل.

لا انفصال للشمال دون فصل للجنوب!

حتي لا تقوم للعراق قائمة قد تعود بالقوة له بما يؤهله لاعادة لحمة ارضه وشعبه، فلا بد من بعثرة اجزائه لاكثر من جزء منفصل كي لا يعاود الكرة وتقوم له دولة واحدة! لذلك فان تحالف الاغوات مع الايات الشيطانية في الجنوب والوسط ومع البائعين من مثقفي ونخب وتجار زمن الاحتلال بما فيهم جماعة اليسار الانتهازي والليبراليين المتصهينين، سائر وبهدي الاخوة الاعداء لتحقيق حزمة تحالفه الشاذ ذي الاهداف الشاذة! ان بغداد بثقلها السكاني المتنوع، وثقلها التعليمي والمركزي، ما زالت تشكل العقدة الاعقد في منشار تقسيمهم فاذا قسموا العراق كيف تكون تبعيتها ولمن؟ وهل يستطيع اهلها تحمل وطأة غربلتها وتجريدها من دورها كقلب نابض لعراق كان؟

الحقيقة ان كل القتل والتفجير والتفخيخ واعمال التطهير الجارية فيها مع الاهداف المتداخلة لقوي التقسيم والتحاصص وميليشياتها ونهمها المستشرس للهيمنة علي تمثيل او حكم الطائفة او الاثنية او المنطقة تدل علي ان هذه الاعمال وبدرجات متفاوتة هي من صنع قوي التقسيم وراعيهم الاحتلالي، وان المقاومة العراقية بفصائلها السياسية والمسلحة ونخبها ومثقفيها هي المعبر عن تطلعات شعب العراق في التصدي للاحتلال وقوي التقسيم الطائفي والقومي البغيضة، وهي المؤهلة لإبطال مفعول سموم المحتلين واتباعهم وانقاذ عراقنا من جهنمهم الذي يريدونه قبرا ازليا لبلاد النهرين العظيمة. لقد تخلل خيارك يا بارزاني واحمض، وغطت رائحته، التي سينفر منها الاقربون قبل الابعدون والرهان معقود، فلا الشمال بعاق ولا الجنوب يرضي ان يكون جسرا للنفاق، اما بغداد فعودة الروح اليها عادة يعرفها كل شاهق وخلاق، والموصل وسامراء والانبار من وسلوي لكل مشتاق، والنجف وكربلاء حوزات ستنطق باسم العراق.

كاتب من العراق8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية