يريدون تغييراً أقلّ

حجم الخط
0

شموئيل روزنر

شيكاغو، الينوي الرجل الذي قعد في مقعد باراك اوباما رجل ضئيل القامة أبيض. يصعب أن نلحظ عنده حضورا قويا متميزا أو قدرة على التعبير منقطعة النظير. لا برق له ولا يُسمونه حسيناً. وليس مادة رئاسية. انه مجرد واحد هو مارك كيرك. وهو السناتور الجديد لمدينة الينوي. بعد معركة متقاربة، وبعد ليلة متقلبة، مسح العرق عن جبينه وقام ليخطب خطبة نصر تقليدية. التقيت كيرك الاسبوع الماضي في مكاتب شركة ‘نفستر’، في احدى ضواحي شيكاغو.

إن ‘نفستر’ شركة كبيرة تُنتج من جملة ما تُنتج، مركبات محصنة من الألغام والكمائن (مارب) يستعملها الجيش الامريكي في مهامه في افغانستان. جاء كيرك ليلتقي العمال وليعرض نظريته عليهم. جلس في مقاعد مرتبة ونظيفة فئرانُ المكتب ذوو أربطة العنق الذين يديرون الشركة، ووقف كيرك قبالتهم واستعرض الخطة التي سيقترحها لمساعدة المصالح الصغيرة. وقد هنأهم على نجاح منتوجاتهم في ميدان القتال، لكنه حذّرهم من أن الكونغرس الجديد الجمهوري سيضطر الى الاقتطاع من النفقات وفيها النفقات الأمنية.

إن كيرك أحد أشد مؤيدي اسرائيل اخلاصا في مجلس النواب الامريكي. زارنا هنا، وله معارف هنا، ويمكن أن نجده دائما فوق تل الكابيتول في مقدمة قائمة الموقعين على كل قانون أو رسالة تؤيد اسرائيل. ‘إن إضعاف اسرائيل أو إبعادها ليس واقعية’، قال في الاسبوع الماضي لصحيفة ‘شيكاغو تريبيون’، إن سياسة كهذه هي ‘وهم خطر’. كتب الى اوباما قبل بضعة اشهر: ‘نحن ندعو الادارة الى الامتناع عن الاستمرار في الانتقاد المُعلن لاسرائيل’. وكان من الدافعين العنيدين ايضا لزيادة العقوبات على ايران.

كان عضو مجلس نواب معتدلا. كان صقرا في الشؤون الامنية والخارجية لكنه رجل مركز في الموضوعات الداخلية والاجتماعية. ‘سأخدم الناخبين من المركز’، قال لمديري ‘نفستر’. وقال ايضا انه يأمل أن يسلك اوباما بعد الانتخابات كما سلك بيل كلينتون بعد الخسارة اللاذعة في انتخابات منتصف الولاية في 1994 حينما خسر الديمقراطيون مجلس النواب بعد سنتين من تولي كلينتون الحكم. وانحرف كلينتون الى اليمين، الى المركز، ونجح في أن يُنتخب مرة اخرى في 1996. مضى الناخبون مع كيرك بفضل الوعد بالاقتطاع من نفقات الحكومة، ووقف اصلاحات اوباما وضبط شهوة واشنطن للتدخل. هذا هو الوعد المركزي الذي يريد الجمهوريون تحقيقه. فهو مُريح لهم لانه يشارك فيه ايضا جمهوريون معتدلون من طراز كيرك، وجمهوريون يبصقون اللهب من أشياع سارة بايلين وحركة ‘حفل الشاي’. انه مُريح لهم لانه يُعبر عن عدم الثقة الأساسي عند الناخبين الامريكيين بادارتهم وبواشنطن، وبالمؤسسة المركزية التي تحاول أن تُهندس الحياة من اجلهم. وهو يُعبر عن الطلب المعروف جدا وهو أن يُتركوا في هدوء.

مرّت على كيرك ليلة متوترة في يوم الثلاثاء، عندما تخلف مدة ساعات كثيرة وراء خصمه الديمقراطي. عُدّت أولا صناديق اقتراع شيكاغو حيث يوجد تفوق للديمقراطيين. وبعد ذلك عندما عُدّت صناديق الاقتراع في سائر الولاية، في المدن الصغيرة والبلدات، تغلب الجمهوريون. هذا مسار تكرر في منافسات أخرى، كتلك المتقاربة جدا في بنسلفانيا، حيث عُدّت أولا صناديق اقتراع منطقة فيلادلفيا ومنحت جو ساستيك الديمقراطي تفوقا، وبعد ذلك رجّحت صناديق اقتراع سائر مناطق الولاية كفّة الجمهوري بات تومي بصعوبة.

بقيت امريكا منقسمة، منشقة، بين اليمين واليسار، وبين الاحمر والازرق، وبين المدينة والقرية. إن النصر نتاج باعث أقوى على التصويت (عند الجمهوريين هذه المرة)، وتنظيم أجدى، واهتزازات صغيرة، وعدد من الدرجات المئوية الى هنا أو هناك، لناخبين مستقلين في المركز. أغراهم قبل سنتين سِحر اوباما الآسِر، وسحر ‘التغيير’. وصوتوا هذه المرة لمن وعدهم بقدر أقل من الثورة، وبقدر أقل من التغيير، وقدر أقل من الادارة. انتقلوا من الاسود الى الرمادي. الى السناتور مارك كيرك.

معاريف 4/11/2010

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية