يوسي فيرتر ترك يئير لبيد أمس تقديم برنامج الجمعة في القناة الثانية الذي قدمه طوال سنين. لكن لم يكن دقيقا ان نقول انه انضم الآن فقط الى السياسة. فهو غارق منذ سنتين تقريبا، وبقدر أكبر في السنة الأخيرة، في المستنقع السياسي الى ركبتيه؛ ويتلقى استشارة من جهات مختصة واصدقاء في البلاد والخارج، ويجند رؤساء سلطات وأمنيين ورجال دين ومشاهير لحزبه، وينشر في الصحف وثيقة اجتماعية هي برنامج عمل سياسي، ويغربل مقولات منحازة تتوقع ما سيكون عليه المستقبل، وهو فوق كل شيء يعمل على ان يكون يئير لبيد: الاسرائيلي المتميز. ذاك الذي يفهمنا – أعني الأكثرية السليمة العقل والعاملة والتي تخدم في الجيش وتدفع الضرائب ـ أفضل من الجميع. والذي يتحدث بلغتنا ويعبر عن أهوائنا ويبكي حينما يضربوننا ويضحك حينما يدغدغوننا ويموت حينما يسمموننا.
ان ترك لبيد لبرنامج الجمعة التلفازي ينهي حفل أقنعة لشخص واحد. وهو حفل استمر أكثر بكثير من حدود الذوق الحسن والاخلاق الصحفية والاستقامة الشخصية. فقد خطط لبيد بمشورة مستشاريه لأن ينتظر حتى آخر لحظة حقا. لكن الضغوط في الاسابيع الاخيرة زادت فاضطر الى ان يترك العمل بضغط من أرباب عمله في شركة اخبار القناة الثانية، الذين أدركوا هم ايضا بتأخر لا يميزهم ان كل قناع يجب ان يسقط وان كل حفل غايته ان يُفض.
الى أمس كان ايضا وايضا: فقد كان كبير مقدمي البرامج وسياسيا ايضا. وقد استمد شعبيته باعتباره رجل حياة عامة من موقع مقدم البرنامج. فقد كان هو أعلى مقعده يسأل الاسئلة ويوزع الدرجات ويعظ الساسة وأصحاب المناصب. وكان هو الذي يرفع حاجبيه تعجبا. وقد انقلبت الامور رأسا على عقب منذ اليوم، فأصبح لبيد لحما طريا. وزالت قبة الحديد التي منحتها القناة الثانية إياه دفعة واحدة. ان الفتى الشاب ذا العضلات الذي صُور قبل نحو من عشرين سنة يتلقى ضربات قاتلة في حلبة الملاكمة سيتبين أن الحلبة السياسية لا تقل ايلاما. سيصبح هدفا. وسيحتاج الى الجواب عن اسئلة وسيضطر الى الاختيار بين مواقف والى اتخاذ قرارات والى الحسم بين امكانات. وسيُقرأ عموده الصحافي المقروء في ملحق ‘يديعوت احرونوت’ منذ اليوم بطريقة مختلفة: باعتباره نوعا من منشور حزبي.
وفي النهاية فان ترك لبيد عمله هو تطور سياسي مهم جدا عشية ما يبدو انه بدء سنة انتخابات. ان استطلاعات الرأي تمنحه بين 10 نواب الى 15. وهو يعتبر تهديدا جديا لكديما تسيبي لفني التي ضعف ولاء مصوتيها لحزبهم وهم يسعون طوال الوقت وراء نجم جديد. ويُصور بأنه قد يُحدث انفجارا سياسيا في كتلة المركز ـ اليسار. في الاسابيع الاخيرة، وعلى خلفية الانفجارات بين العلمانيين والحريديين، قوي حزب لبيد الافتراضي ونجح في ان يقتطع من الليكود ومن كتلة اليمين ايضا ـ وهو ما أفضى الى تذويب قانون تبريد الصحافيين الذي سيبحث هذا الاسبوع في لجنة الكنيست الدستورية. ان دخوله ‘الرسمي’ (كما ذكر نتنياهو أمس وبحق) الى السياسة سيصعب الامور في الأمد القريب على احزاب محتملة اخرى ان تدخل الميدان، احزاب مثل اليسار القومي لـ الداد ينيف أو حزب الاحتجاج لـ دفني ليف ورفاقها.
ان لبيد في الختام شاب باحث عن الخير. ومن شبه المؤكد ان حزبه سيكون ذا صبغة علمانية مع معتمر قبعة دينية واحد أو اثنين من اجل الزينة. ومع بضع نساء. ومع جنرال أو رجل من جهاز الامن ومع رئيس مجلس وأشباههم. وهو يستعين بواحد من خبراء الاستراتيجية السياسية الأفضل في اسرائيل وهو اوري شني الذي كان رئيس مكتب اريئيل شارون. وهو محاط بخاتم محب ومُطر من المستشارين والاصدقاء الذين مضوا مع أبيه الراحل تومي لبيد عشرات السنين مثل اهود اولمرت وامنون دانكنر واسحق لفني. وفيما يتعلق بشؤون الحزب المالية يحسن ألا يصغي لاولمرت خاصة.
حينما تسربت الانباء الاولى عن تركه عمله الى غرفة الحكومة التي استقر رأيها أمس على إفراد مليارات لتطبيق قانون تربية الزامية من عمر الثالثة، ظهرت ابتسامات على وجوه عدد من الوزراء، فسيسعدهم ان يعالجوه. حينما ترك رئيس هيئة الاركان حبيب الشعب امنون لبكين شاحك الجيش في شتاء 1998 في أواخر ولاية بنيامين نتنياهو الاولى، ابتدع عضو الكنيست من الليكود روبي ريفلين تعبير: ‘سحق شاحك’. بل ان ريفلين لم يتخيل كم سيكون سحق شاحك ورفاقه في حزب المركز، اسحق مردخاي ودان مريدور وروني ميلو، سريعا. فقد بدأوا مع عشرين نائبا في استطلاعات الرأي وانتهوا بعد بضعة اشهر مع ستة نواب في صناديق الاقتراع، ولو ان الانتخابات تأخرت اسبوعا لانتهوا مع اربعة نواب فقط. فمع افتراض ان أبكر موعد للانتخابات هو تشرين الاول هذا العام فان لبيد تنتظره عشرة اشهر من تيه بلا نسب مشاهدة عالية في الصحراء السياسية. وفي هذا الوقت يمكن ان يُسحق كما ينبغي ويمكن ألا يُسحق.
يمكن ان نقول بتعبير يشابه تعبير ريفلين ان الجهاز السياسي كله، من ميرتس والعمل في اليسار، مرورا بكديما، الى الليكود واسرائيل بيتنا في اليمين قد استعد منذ أمس بتعاون ووحدة هدف لمهمة هي احراق لبيد.
هآرتس 9/1/2012