صاحب برنامج سري للغاية يستعرض مخاطر القبض علي الحقيقة وكشفها للناس
عمان ـ “القدس العربي” ـ من تغريد الرشق: لم يدر في خلد الصحافي المصري يسري فودة أن السبق الذي حصل عليه عندما التقي اثنين من كبار قادة تنظيم القاعدة كان لهما دور محوري في التخطيط لهجمات نيويورك في 11 أيلول (سبتمبر) 2002، سيجلب له المصاعب ويضعه في دائرة الشبهة. ففودة قام بعمله بطريقة مهنية وقدم اللقاء الشهير في برنامج سري للغاية عبر قناة الجزيرة في ذكري مرور عام علي هجمات نيويورك. ويوضح فودة في حوار مع الغد التي التقته أول من أمس لدي زيارة قصيرة قام بها إلي عمّان، ملابسات ما جري عندما قابل فيها رمزي بن الشيبة وخالد شيخ خالد أن الضجة الاعلامية الكبيرة التي اندلعت في أعقاب هذين القائدين لا علاقة لها بـ جودة العمل من الناحية المهنية بقدر ما لها علاقة بضخامة الحدث واهتمام العالم كله به. ويتابع بعد اذاعة الحلقة اعلن عن القبض علي رمزي بن الشيبة فتبادر الي اذهان بعض الناس وجود علاقة بين الحدثين باعتبار ان بن الشيبة لم يتحدث قبل ذلك علي الاطلاق للصحافيين. ويصف فودة هذا الربط في اذهان الناس بالتلقائي، ولكنه اعلن حينها ان لقاءه هذين القائدين تم في نيسان (ابريل) 2002، في حين تم القبض علي بن الشيبة في ايلول (سبتمبر) 2002. ويعود هذا لأن التحقيقات التلفزيونية تأخذ وقتا في اعدادها.. هذا التحقيق اخذ وقتا كبيرا بناء علي المعلومات التي اعطوني اياها. ويصف هذه الفترة من حياته بأنها اصعب الأسابيع التي مرت علي، فالناس كانت في حاجة لتوضيح بعض النقاط وهذا ما حصل، فبعد 10 ايام من الحلقة اصدرت القاعدة بيانا أكدت فيه ان لا علاقة لقناة الجزيرة او ليسري فودة بالقبض علي رمزي بن الشيبة. وبالنسبة لصحافة التحقيقات، وبخاصة العمل الجاد منها فلا بد من وجود مخاطرة فيها. ولكن فودة يؤمن بأن هذا من واجب الصحافي علي الجمهور فهذا عملي وآخذ عليه اجرا، واعرف ان عملي يشوبه الخطر، الا اني لا آمن به علي احد. وفي هذا السياق يؤكد ان ادارة الجزيرة لم تجبره علي التصريح بمصادره، حتي رئيسي في العمل لم يعرف اين كنت لمدة شهرين تقريبا، بل وقفت ادارة الجزيرة في الأزمة الي جانبي. ويمتاز برنامج سري للغاية بخوض غمار مواضيع سياسية شائكة في العالم ما عرضه لكثير من الانتقادات والتشكيك بالأهداف. وعن الأفكار المتفردة والجذابة لبرنامجه الذي يشد المشاهدين ويجعلهم ينتظرون الحلقة التي تبث، مرة كل شهر عبر قناة الجزيرة، علي احر من الجمر، يقول إن لم اصادف مشكلة في العثورعلي قضية للنقاش بل العكس وأتمني ان يكون لدي طاقة وفريق وميزانية اكبر ووقت اكثر حتي احقق %10 من أفكار مطروحة وملفات لمشاريع مستقبلية. ولا ينكر فودة ان عدد الحلقات قد قل. ويعزو ذلك إلي أنه في بداية انطلاق قناة الجزيرة كنت اشتغل 7 او 8 حلقات بالسنة، وهذا رقم مخيف في العام، بحيث كان يصار الي اعادة بعض الحلقات لاتمام الـ 12 شهرا في السنة. وعن السبب في هذا التقليص يقول اتفقت مع ادارة الجزيرة علي 4 حلقات بالسنة، لأن مدة 3 اشهر هو الحد الأدني برأيي لاعداد تحقيق ذي جودة ونوعية عالية وتقدر من خلاله ان تحترم نفسك وتحترم الجمهور وتفيده. وبحكم هذا العمل فان فودة قد قابل العديد من الشخصيات السياسية المثيرة للجدل، ولكنه يعتبر انه من الظلم ذكر احد دون غيره منها كشخصية اثرت به، فـ انا احب الشخصيات التي اتعامل معها، واحب ان آخذ حقي معها في الكلام والحصول علي المعلومات ودراسة ابعاد شخصيتها قدر الامكان. بيد ان شخصية جندي مصري صغير حسب قوله، شارك في حرب 1973 اثرت فيّ ايما تأثير. فهذا الجندي الذي لا يكاد يقرأ او يكتب، يمتلك وعيا واحساسا عاليين بالوطن والكرامة والشرف والدين، وانا اؤمن ان ما حصل في حرب 73 استرد للعرب كرامتهم ولا يعود الفضل في هذا للساسة، وانما للجندي الصغير الذي عندما اتيحت له الفرصة ان يدافع عن دينه وارضه وعرضه وشرفه لبي النداء. ويستغرب فودة كيف ان اليهود يحتفلون بأي شخص يقدم شيئا لمصلحة الدولة العبرية، ويصنعون له تماثيل، بينما نحن لا نحتفل بناسنا وننسي الذين اسروا من اجل ان لا نذل، والذين ماتوا واستشهدوا لنعيش نحن. وفي حين يفتخر فودة بهكذا حلقة خصصها لأسري وشهداء وجنود مجهولين كانوا في هذه الحرب، الا انه تأثر كما يقول من صحافيين اسميهم (كتاب السلطة) انتقدوا قناة الجزيرة، لأنها تتعرض لمثل هذا الموضوع وتفتح ملفاته. وحول المخاطر التي تحيط به، خصوصا وان عمله يتعلق بشخصيات سياسية بعضها مطلوب لجهات معينة ما يجعل اجواءها مفعمة بالسرية والغموض، يقول غطيت مناطق حروب والوانا مختلفة من التحقيقات، لكن من واقع خبرتي فان المخاطر في هذه النوعية من التحقيقات اعلي من المخاطر في وجودي بمنطقة حرب. ويوضح فعلي الأقل في الحرب تعرف اين خطوط المواجهة وتقرر الي اي مدي تقترب من هذه الخط او ترجع او ان التغطية تقتصر علي المؤتمرات الصحافية التي يعقدها المتحدثون باسم القوات الفلانية.
اما في لدي إجراء تحقيقات معينة فلا تعرف من اين يأتي الخطر، ما يجعل الذهن دائما يعمل حتي خلال النوم. ويتسائل هل اقترب من المصدر هذا ام لا. واذا اقتربت هل سينزعج مصدر اخر وما هي ردة فعله. وهل من الممكن أن اكون طرفا من الأطراف حتي عن عدم وعي بذلك؟. ويعتقد فودة ان المسألة تزداد حدة في بلادنا لعدم تقدير الصحافة التلفزيونية او صحافة التحقيقات.
أما الغرب فأكثر وعيا لأن التحقيقات لها تقاليد راسخة. ومعروف ان الصحافي عندما يقترب من مصدر معروف فان هدفه هو التحقيق الصحافي. ويضرب مثلا علي هذا بأنه قرأ خبرا صغيرا في صحيفة الأهرام المصرية مفاده ان وزيرة الشؤون الاجتماعية السابقة تقدر عدد المصريين الذين تزوجوا من اسرائيليات بحوالي 13 الف. فقام بالاتصال بوزارة الشؤون الاجتماعية في مصر ليستفسر حول الموضوع الذي رأي فيه فكرة جيدة لحلقة من برنامجه. ويضيف انزعجوا كثيرا وقالوا لي من اين احضرت هذا الرقم ولا تتصل هنا مرة اخري في اشارة الي عدم ادراكهم وعدم تقديرهم لصحافة التحقيقات. ويؤكد هنا ان مهمة الصحافي ان يصل إلي المعلومة، لأنه يري ان الجمهور يجب ان يعرفها. كما يقول ان العلاقة بين الصحافي والسلطة حساسة في مثل هذا اللون من التحقيقات، وليس كل صحافي قادر علي ان يرسم الخطوط والعلاقة بينه وبين الحكومة من ناحية، وبينه وبين المصادر من ناحية اخري. “الأمر يحتاج إلي توازن في منتهي الدقة بحيث يقدر ان يستفيد من المصدر الحكومي من دون ان يكون تابعا أو مستلبا له. ويتحقق هذا من القيم البسيطة التي ليست بالضرورة ان تكون مرتبطة بالعمل الصحافي، وإنما بقيم الإنسان وطبيعته ومعدنه، لأن كل انسان يخطئ، لكن هناك المعدن. كما يؤكد علي اهمية احترام الآخر لك، فـ عندما يدرك انك ملم بموضوعك من سائر الجوانب وليس من السهل استغفالك، فإنه يتأكد أنك لست لقمة سائغة لأي اغراءات مالية او سواها، وهذه قضية مهمة جدا، فـ الشبع نعمة من الله والغني هو غني النفس. ويضطر يسري احيانا الي عصب عينيه تماما كما جري عندما قابل الشيبة في باكستان، فهل اصبحت تستهويه هذه الأجواء التي تحمل خطورة واضحة في ثناياها؟ يقول اما ان اقبل الدعوة بشروطها او لا، فعندما يتصل بي احد ويقول انا عندي استعداد أن اعطيك لقاء او معلومات، لكن شرطي هذا مثلا. فـ اذا شعرت ان هذا الشرط لا يتعارض مع قيمك المهنية او الشخصية الانسانية ولا يشكل خطورة عليك تقبل به. ويتابع إن هناك مجموعة من العوامل تدفعك لاتخاذ القرار ولا يجبرك احد علي اتخاذ القرار فمثلا بعض الشخصيات تقول انا عندي شرط يجب ان تتفهمه لدي حسابات امنية وبالتالي عند نقطة معينة ستوضع عصابة علي عينيك. ويجب ان تتوفر في الصحافي، بحسب فودة، المقدرة علي حساب المخاطر. ويشير الي ان الصحافي يأخذ القرار في النهاية لأن الأمر يتعلق أحيانا بأمنه الشخصي وبسمعته. ويؤكد فودة انه لم يستشر اجهزة امنية قبل اللقاء في باكستان، إذ لا احد كان علي علم بهذا اللقاء حتي امي.. ولم اعرف انني ذاهب للقاء من بالتحديد. كل ما اعرفه ان الوسيط اتصل بي بالهاتف، ثم ارسل لي فاكسا أبلغني فيه انهم مهتمون باعطائي تصريحات بمناسبة الذكري الأولي لأحداث11 أيلول (سبتمبر) . وحول رأيه فيهم وهل هم علي قدر من الذكاء والتخطيط الاستراتيجي ليقوموا بأحداث نيويورك، يقول كأشخاص نعم هم اذكياء وفي منتهي الطيبة والكرم وفي منتهي الوعي والادراك مع اختلاف الشخصيتين، فرمزي كان عقائديا اكثر منه حركي.. وخالد كان حركيا اكثر. بالنسبة لتأثير هذا البرنامج علي حياته يقول يسري انه غير متزوج ويعيش بعيدا عن اهله ويسافر كثيرا. ويستدرك لا اقول هذا ليشفق علي الناس او اظهر بمظهر الشهيد فهذا اختياري، وانا مستمتع به ومؤمن به واعتبر نفسي محظوظا لأنني ولدت في عصر طفرة اعلامية عربية حقيقية لأول مرة، لدرجة ان الغرب قلق بشأنها. وحول هذه الطفرة والعاملين في مجال الاعلام يقول ظهرت كوادر اعلامية عربية كانت موجودة في السابق عندما اتيــح لها المجــال.
اما الاعــلامي العربي فيري فودة انه عندما تتاح له الفرصة للتعبير عن ذاته فلا يقل ان لم يزد عن غيره من الجنسيات الاخري رغم ان الاعلاميين الغربيين مدللون من ناحية الامكانيات والدوافع. وتعرض فودة للتهديد المباشر بالقتل حسبما يذكر، الا ان اكبر مكافأة لي هي عندما اكون في مكان مثل منطقة قبلية في اليمن وأقابل احد الشيوخ الكبار ممن لا يقرأ ولا يكتب فأراه يقبل علي ويبلغني بأنه يعرفني ويريد مصافحتي. ويختتم فودة حديثه ببيان الفرق بين السلطة والصحافي، فـ دائما في اي مكان واي زمان تريد السلطة ان تصل للمعلومة ذاتها التي يود الصحافي الوصول اليها وتسخر لها ربما الوسائل والسبل نفسها وأكثر، ولكن الصحافي يختلف مع السلطة في الهدف النهائي، فالأخيرة تريد المعلومة لتخفيها والصحافي يريدها ليكشفها للناس. 2