يسمع منك ربنا يا عم محمود

حجم الخط
0

يسمع منك ربنا يا عم محمود

عزت القمحاوي يسمع منك ربنا يا عم محمودعقب حرب تشرين الاول (اكتوبر) التي أديرت بارادة وطنية وذكاء نفتقدهما الآن، تم الافراج عن بعض أسرار الاشارات الذكية التي اتبعتها القوات المسلحة المصرية ومنها علي سبيل المثال اعلانات في الصحف عن فتح الباب لعُمرة رمضان أمام الضباط، وتشكيل فرق خاصة للكسل مهمتها أكل البرتقال ومص قصب السكر والقاء الفضلات في مياه القناة ليري جنود العدو حجم الاسترخاء الذي يتمتع به الجيش المصري، أما أمتع ما أفرج عنه من أسرار فكان نكتة المطار السري . والقصة أن الجنود كانوا يطلبون من سائقي الباصات التوقف أمام مطار سري صار اسمه علنياً وصارت هناك محطة باصات اسمها محطة المطار السري فما كان من الجيش الا أن نقل الموقع وترك القديم بنماذج هيكلية للتضليل!هذه المقدمة الطويلة استدعتها نكتة مماثلة أطلقها العم محمود أمين العالم في حوار صحافي محير الأسبوع الماضي. ومحمود أمين العالم الغني عن التعريف ، كاتب ومناضل صاحب تاريخ مشرف، اختبرت صلابته بنيران المعتقلات عندما كان سلب الحرية أسلوباً للنظام ضد المناوئين، كما اختبرت في زمن الرشاوي والمناصب عندما بدأ الأسلوب المُحسن للتنكيل بالمناضلين من المثقفين من خلال سلب الألباب والارادة باغواء المنصب والمال. أمام التنكيلين صمد محمود أمين العالم ، وفي الزمنين استطاع أن يحتفظ بابتسامته كنقش يزين وجهه، حتي في مواكب تشييع الرفاق، ويبدو أن هذه الابتسامة تحمله أحياناً علي الاسراف في التفاؤل مثلما فعل الثلاثاء والأربعاء الماضيين ، في حوار من حلقتين مع جريدة المصري اليوم تحدث فيه عن عودة الشيوعيين بتنظيم سري من أسوان الي الاسكندرية، وأن هذا التنظيم يقف وراء الاضرابات العمالية التي تجتاح المصانع المصرية في الأشهر الماضية!وقد أخرجت الزميلة رانيا بدوي محاورة العالم ، الاعتراف في شكل درامي، قالت فيه انها أثناء الجلسة التمهيدية مع العالم من أجل حوار حول الاصلاح ورؤيته الفكرية، قام ليرد علي الهاتف ولم تستطع أن تمنع نفسها من النظر الي أوراق علي طاولة الصالون. وقرأت فيها ما يبدو مقدمة عن تنظيم ما للشيوعيين، وتقول: عندما عاد صارحته وسألته عن تفاصيل ما قرأت وطلبت منه في نبرة ضغط رقيقة أن يكشف لي سر هذه الأوراق.. أو أن يأذن لي بكتابة ما تضمنته اذا ما رفض التعليق، وبعد مناقشات طويلة توصلنا الي حل يرضي جميع الأطراف.. وهو أن يخصنا ببعض المعلومات عن التنظيم الشيوعي السري في مصر في مقابل ألا أنشر ما طلب مني عدم نشره فوافق.. ولكنني عدت وساومت وبمزيد من الضغط أعلن المفكر محمود أمين العالم ما جاء بهذا الحوار من تفاصيل خطيرة ومفاجآت مدوية .ويبدو أن العالم المدرب علي مواجهة نبرة الضغط الغليظة من السلطة لم يدرب علي النوع الرقيق من الضغوط، فكان أن دار الحديث عن سبعة تنظيمات اشتراكية ويسارية (ليس تحت مسمي شيوعيين حتي لا يتعرضوا للمضايقات) وعندما ظهر من كلام المحاورة نبرة تشكيك سألها مستنكراً: ومن اذن كان وراء الاضرابات العمالية التي تجتاح مصر الآن؟!وقد نشرت الصحافية المجتهدة صوراً ضوئية لأوراق وصفتها بأنها وثائق التنظيم الذي يقول العالم انه ينتشر من أسوان الي الاسكندرية واعداً بمزيد من الاضرابات العمالية. وتركت اعترافات محمود أمين العالم الحالمين بتغيير علماني في حيرة: هل هناك حزب شيوعي جديد يستخدم حزب العالم لتضليل الأمن علي طريقة المطار السري؟! بلا شك سيكون هذا أسعد مفاجآت هذه الفترة المخيفة من تاريخ مصر المحاصرة بين دكتاتورية الفساد ودكتاتورية الحق الالهي علي يد الاخوان الذين ينتظرون لحين انتهاء الفساد من انضاج الثمرة لتسقط من يد مبارك الي حجرهم المبارك. بكل أسف، لا نستطيع أن نسرف في الأمل، أو نتصور وجود دور للقوي العلمانية اليوم. وعلي الرغم من مرور أيام علي الحوار المدهش حقاً فان النظام لم يبد عليه أي قلق أو خوف من التنظيم الشيوعي السري الذي باح بأوراقه لـ المصري اليوم المفكر محمود أمين العالم.وليس من المنتظر أن يستخدم النظام أية نبرة ضغط عنيفة كانت أو رقيقة مع العالِم من أجل البوح بأسرار أكثر، فالنظام يعرف أكثر من الجميع أن الذي يقف وراء الاضرابات العمالية هو تنظيم الحكومة ورجال الأعمال المنتشرون من تجارة حديد التسليح الي برادة الحديد الملوثة لرغيف الخبز، يكدسون المليارات ويصرون علي أن العامل يمكن أن يعيش بخمسين دولاراً في الشهر!ولا أحد يعرف ما يمكن أن تصير اليه الأوضاع في ظل اصرار المستشرقين من أركان التجارة والحكم علي تقديم السلع والخدمات للمصريين بأكثر من سعرها العالمي، علي اعتبار أن التحضر يقتضي الاقتداء بأوروبا والبلاد المتقدمة في الأسعار، لكننا نرتد محليين ونتمسك بقناعة أخلاق القرية عند الأجور. وقد مضي عامان علي الكادر الخاص للمعلمين الذي ورد في برنامج مبارك الانتخابي، لأن ثلاث وزارات هي المالية والتربية والتعليم والتنمية الادارية ولاخراج أكبر عدد ممكن من موظفي التربية والتعليم تقوم بوضع اشتراطات لتطبيق الكادر، وبموجب هذا الكادر سيكون الحد الأدني لراتب المعلم الشهري خمسمائة جنيه، أي نحو تسعين دولاراً. والعمال أوضاعهم أسوأ بمراحل في ظل حمي الخصخصة التي تلقي بهم الي الشارع أو تستغلهم في ساعات عمل غير محدودة ومن دون ضمانات لحقوقهم الضئيلة في مواجهة رأس المال. فهل يحتاج واقع كهذا الي مطار.. عفواً، إلي تنظيم سري لتحريكه أكثر؟! 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية