رغم نجاح التحالف الدولي برئاسة الولايات المتحدة في هزيمة تنظيم “الدولة” وإبعاد معظم رجاله من المناطق الأخيرة التي كان يسيطر عليها في شمال العراق وشرق سوريا، فإن فرع التنظيم في شبه جزيرة سيناء يواصل العمل دون أي صعوبة. بعد سنة تقريباً على انهيار معاقل “الدولة” وسقوط قياداته الرئيسية، بمدينة الموصل في العراق ومدينة الرقة في سوريا. حدث انخفاض ما في عدد العمليات التي ينفذها التنظيم في سيناء، لكنه يواصل محاربة الجيش المصري وقوات الشرطة المصرية ويتسبب لهم بخسائر كبيرة. ارتفاع نشاطات منظمات الجهاد الإسلامي العالمي في سيناء سجل في العقد الماضي. وفي بداية العقد الحالي عمل التنظيم الرئيسي تحت اسم “أنصار بيت المقدس”. وفي 2014، بعد وقت قليل من إعلان داعش عن تأسيس خلافته في مناطق واسعة في العراق وسوريا، أقسم رجال التنظيم من سيناء قسم الولاء لزعيم “الدولة ” أبو بكر البغدادي، وغيروا اسم التنظيم إلى “ولاية سيناء”.
من بين العمليات الشديدة التي نسبت للتنظيم هي زرع عبوة ناسفة في طائرة روسية أقلعت من شرم الشيخ إلى سانت بطرسبرغ في تشرين الأول 2015، أدت إلى قتل 224 مسافراً كانوا على متنها، إضافة إلى طاقم الطائرة عند تحطمها. بعد سنتين، في تشرين الثاني 2017، قتل رجال التنظيم 309 من المصلين في مسجد في شمال سيناء في هجوم مشترك شمل انتحاريين وخلايا مطلقة للنار.
في صيف 2018 استكمل الجيش الأمريكي السيطرة على الموصل والرقة. ومنذ ذلك الحين يظهر أن عدداً من مقاتلي داعش الذين هربوا من المنطقة نجحوا في الوصول إلى شبه جزيرة سيناء. والتحويل المباشر نسبياً للأموال وتعليمات القيادة في العراق وسوريا انقطعت بسبب نجاح التحالف. وقبل شهرين تقريباً اغتالت الولايات المتحدة الزعيم البغدادي الذي هرب إلى منطقة إدلب في شمال سوريا.
في صيف 2018 أعلنت السلطات المصرية عن عملية واسعة النطاق ضد مقاتلي “الدولة”، ويبدو أنها حققت نجاحاً نسبياً. مئات من مقاتلي التنظيم قتلوا في العملية. وبعد العملية المصرية نقل داعش معظم مقاتليه إلى مناطق أبعد عن الحدود مع إسرائيل، بهدف المكوث لفترة أطول في المنطقة والتملص من الهجمات المصرية. عدد من المقاتلين يختبئون في خيام في الصحراء، وآخرون يجدون ملجأ في أحياء البلدات البدوية.
حسب تقارير في وسائل الإعلام العربية والأمريكية، فإن إسرائيل تساعد مصر منذ سنوات في الهجمات الجوية، بواسطة الطائرات دون طيار، ضد أهداف داعش. وفي كانون الثاني الماضي، في مقابلة مع التلفزيون الأمريكي “سي.بي.اس” أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن التعاون مع إسرائيل وطيد بشكل خاص. ورفضت إسرائيل التعقيب على هذه الأقوال.
مع ذلك، ولاية سيناء تواصل العمل، ومعظم العمليات التي نفذتها حدثت في المثلث بين مدينة رفح ومدينة العريش والشيخ زود في شمال سيناء، وكانت غالباً موجهة ضد قواعد الجيش المصري والشرطة المصرية. يواصل التنظيم الحفاظ على حجم نشاط عال نسبياً. وحسب أقوال مصادر استخبارية غربية، فإن ولاية سيناء تظهر مستوى تكيف مرتفعاً مع الوضع الجديد الذي نشأ، وتحافظ على فعالية عملياتية من النشاطات.
مصر تضع حماية مشددة على مواقع السياحة على شواطئ البحر الأحمر، في محاولة لمنع حدوث عمليات هناك وتمكين استمرار زيادة عدد السياح. في السنة الماضية أقامت مصر سوراً إسمنتياً يذكر بمشهده الجدران التي أقامتها إسرائيل على جزء من حدودها، في محاولة للدفاع عن مدينة شرم الشيخ من العمليات.
حتى الآن تم تنفيذ 282 هجوم لـ “الدولة” في سيناء وسجل فيها 269 قتيلاً، معظمهم من رجال قوات الأمن المصرية. وفي العام 2018 سجل 333 هجوماً و377 قتيلاً. في العام 2017، سنة الذروة لنشاطات داعش، سجل 603 من الهجمات، و742 قتيلاً (نحو 41 في المئة منهم في الهجوم على المسجد في تشرين الثاني).
تواصل ولاية سيناء نشر الأفلام عن هجماتها، في “يوتيوب” ومواقع أخرى للإنترنت. يظهر من الصور أن مقاتلي التنظيم يعملون حسب نظرية قتال مرتبة وجهاز قيادة وسيطرة منظمة، ويستخدمون وسائل قتالية متقدمة نسبياً، وسيارات مفخخة وانتحاريين وصواريخ مضادة للطائرات من نوع ستريلا.
يبدو أن التنظيم يواصل إعطاء أهمية كبيرة لنشر نشاطاته، بهدف ضمان متجندين لصفوفه ولردع السكان في سيناء ورجال قوات الأمن المصرية. هجمات كثيرة يرافقها توثيق بالفيديو، وعلى الأغلب بواسطة كاميرات موجودة على الخوذ التي يرتديها المقاتلون.
عدد من الهجمات ينفذ في وضح النهار ويدل على الثقة بالنفس والجرأة لمقاتلي داعش. في هجوم موثق قبل بضعة أشهر أوقف نشطاء التنظيم سيارة فيها محاميان مصريان كانت تسافر نهاراً على شارع الشاطئ الشمالي بسيناء. وقد أعدموهما بذريعة كاذبة بأنهم متعاونان مع السلطات المصرية. وفي تشرين الثاني نشروا توثيقاً لهجوم على طائرة حربية مصرية في الساعة الثانية ظهراً. وفي هجوم آخر في حزيران قتل نشطاء داعش نحو 20 جندياً مصرياً على حاجز قرب العريش. وشارك في هذا الهجوم 25 مسلحاً من داعش كانت بحوزتهم أسلحة خفيفة من رشاشات وقذائف آر.بي.جي وعبوات ناسفة. انقسمت القوة المهاجمة إلى خلايا، وألقي على كل واحدة مهمات لتطويق المنطقة والانقضاض على الحاجز. يبدو أن داعش في سيناء يتعلم من عبر معاركه في العراق وسوريا، وفي عدد من الحالات يعتمد على مقاتلين أجانب، انضموا إلى صفوفه في هذه السنة.
في السنتين الأخيرتين امتنعت ولاية سيناء عن تنفيذ هجمات في إسرائيل. كانت الحادثة الأخيرة في تشرين الأول 2017 بإطلاق قذائف من سيناء نحو إسرائيل. مع ذلك، قلق جهاز الأمن من محاولات محتملة لتنفيذ عمليات استعراضية على الحدود مع مصر، في مهاجمة موقع للجيش الإسرائيلي واختطاف جنود أو دمج الاثنين. إضافة إلى ذلك، قد يؤدي تعاظم تيار السياح الإسرائيليين المتدفق نحو سيناء إلى محاولات لضرب مواقع سياحية على طول شواطئ البحر الأحمر.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 17/12/2019