يـَسْـلـَحون على الديمقراطية

حجم الخط
1

منذ أكثر من مئتي عام، أي قبل أن تتكون كثير من البلدان والممالك العربية، كان فولتير قد أطلق كلمته الدالة: (إنني مستعد أن أموت من أجل أن أدعك تتكلم بحرية، مع مخالفتي الكاملة لما تقول). كأن هذه الجملة هي الاختزال الأبلغ لجوهر الممارسة الديمقراطية الحضارية التي استحقتها شعوب كثيرة قبلنا، فيما تصوغ حياتها القائمة على حق الحريات المدنية، التي يناضل من أجلها الناس وتصونها المؤسسات الديمقراطية وتحميها الحكومات، بوصفها موظفة لدى الشعب. من يستطيع الجزم (بلا قلق) بأن كل الحكومات العربية التي تزعم الديمقراطية وتطرح صوتها العالي على العالم بهذا الزعم، هي فعلا موظفة لدى شعبها وليس العكس؟ لماذا أشعر بأن هذا الاستدعاء الفاضح لفولتير لا يخلو من دلالات، خصوصا عندما يطفح علينا كيل المزاعم من كل الجهات. دون أن يكون فولتير نموذجاً صالحا لكل زمان ومكان (شأن ما يقال عن الدين).

٭ ٭ ٭

ليست الحكومات بريئة من ارتكاب فضاعات الادعاء والتلفيق، وإنفاق الملايين، لكي تصوغ لها سروالاً ديمقراطياً يناسب عوراتها التاريخية، في محاولة لتحصين (أمن الدولة) بشكل يناسب صقل الطريق اللائق بإطالة عمر الوضع، حتى لو استدعى ذلك المليارات من الدولارات، في سبيل إثبات أن ثقافة الديمقراطية تستدعي الضغط عليها بالمال، لكي يصل إلى البرلمان من (يفهم الإشارة ويسمع الكلام) ودائماً سوف تُحسن هذه الحكومات أن تفعل ذلك دون ترك أثر. ليستْ الحكومات وحدها، لكن البرلمانيين هم أيضا يحملون عبء العار كاملاً، كلما تيسر لهم الوقت، لمحو أثر الدولة التي أثثتْ بهم برلمانها العتيد، الذي سوف يقضي على البقية الباقية من ثقافة الديمقراطية، التي ستجعل جثمان فولتير ينتفض غضباً في مثواه، كلما علا صوت أحدهم منافحاً عن تعصب هنا وعنصرية هناك وفاشية هنالك.

٭ ٭ ٭

ترى هل هدأت (فزعتهم) على الثقافة والحريات العامة والصحافة وأشكال التنفس الطبيعي؟ لا أظن، فلديهم الكثير مما يدخرونه لهذا الشعب، الذي يتجرّع حسرته على سنوات التضحيات الطويلة، من أجل حياة حرة بالمعنى الحضاري للكلمة. وهم بالكاد يبدأون. وعندما نتذكر «فولتير» إنما لكي نحاول إيقاظ المعنى في الكلمة. فليس من غير دلالة أن يقول فولتير (عنهم) بعد أكثر من مئتي عام: (اسحقوا الخرافة والتعصب الديني). وقتها كانت الليبرالية تتماثل في ظهيرة عصر التنوير الجديد، من غير أن تطلق المزاعم، لأن الدرس كان طازجاً، والتجربة كانت من الغنى والتنوع بالاحتمالات، بحيث شكل فولتير، ومعه روسو، جناحيّ التحليق المبكر لموقف المجتمع الحديث، من فكرة صناعة المستقبل الجديد بجسارة من يؤمن بأن الدين هو الشأن الشخصي الذي ليس من حق كائن من كان أن يسألني فيه. لكيلا يأتي صِبيةٌ بالكاد تعلموا فك الخط تواً، يتسنمون عضوية برلمان يُصاغ على قياسهم، مستحقين بجدارة تسمية (نواب الصدفة) يأتون لتولي تربيتنا وتربية أطفالنا وإطلاق فتاواهم في شؤون (الجمع والمنع) في حياتنا العامة والخاصة. كان علينا أن نستدعي فولتير بالذات (دون الزعم ببراءة هذا الاستحضار) من أجل المبالغة في فضح الفضيحة، وتأجيجها. فولتير الذي كان يصرخ بمشاريع فرنسا الرجعية والإقطاعية التي تعثرتْ طويلا قبل أن (تفهم) سلالة (اللويسات – جمع لويس) أن الديمقراطية ليست منحة يتكرم بها الحاكم، بمهازل انتخابية تعتمد فيها شتى أنواع الألاعيب (ديمقراطية) من أجل أن يأتي نواب يسْـلـَحون على الديمقراطية ذاتها، على مرأى من الشعب المغدور في أحلامه. غير أن فولتير، لم يكن ملحداً بما فيه الكفاية، وهو يؤكد إيمانه بوجود إله واحد مبني على العقل. لكي يتأكد أصحاب (الفزعة) أن ثمة من يُحسن الذود عن فكرة الحرية بأشكال حضارية، لا تنفي الله ولا تستقوي به على عباده.
هل سمعت من يقول مؤخراً: إنه ليس من حق أحد أن يستخدم اسم الله لإثارة الكراهية؟
كأنني سمعت هذا،
غير أنهم لا يفقهون.
حتى أن فولتير، الأقدم منهم، لا يزال يقترح علينا تأمل التحالف التاريخي بين المؤسسة الدينية والمؤسسة الحاكمة، لا لكي نستعدي مثالب ذلك التحالف، لكن لكي نتفادى غباءه الفكري وصلافته الفجة.

٭ ٭ ٭

عندما وصلت إلى لويس السادس عشر مؤلفات لفولتير وروسو في سجنه قبل أن يعدموه صرخ قائلاً: هذان الرجلان هما اللذان دمرا فرنسا!

٭ ٭ ٭

في عام 1715، حين مات لويس الرابع عشر، وكان وريثه لويس الخامس عشر طفلاً لم يبلغ الخامسة من عمره، عين فيليب الثاني، دوق أوراليان، وصياً على عرش فرنسا، وما كان من فولتير سوى أن سخر من الوصي ومن الملك الجديد لويس الخامس عشر في أبيات شعرية. فقد باع الوصي على العرش الفرنسي فيليب الثاني، لأسباب اقتصادية، نصف الخيول التي تملأ الإسطبلات الملكية، فعلقَ فولتير قائلاً: (كم سيكون عمل الوصيّ أحكم بكثير من ذلك، لو أنه طرد نصف الحمير التي تملأ البلاط الملكي)

٭ ٭ ٭

حدث ذات ليلة وهو في دار الأوبرا أن تهكم عليه أحد النبلاء وسأله في خيلاء: فولتير ما اسمك؟
فأجابه:
اسمي يبدأ بي واسمك ينتهي بك.

٭ ٭ ٭

هكذا تكلم فولتير
«فلنزرع حديقتنا»

٭
«هذا القرن شبيه بحورية البحر، النصف الأول منها جميل مثل أسطورة والنصف الآخر قبيح ومخيف في شكل ذيل سمكة».

٭
«لو لم يكن الله موجوداً لوجب علينا أن نوجده».

٭
«أنا أؤمن بوجود إله واحد مبني على العقل»

٭
(ان الله ليس وقفاً على دين معين إنما هو الكائن الأسمى والعقل المدبر الذي يدير الكون)

٭
«اسحقوا الخرافة والتعصب الديني».

٭
«كل من ليس حيوياً ومستعداً للمواجهة فهو لا يستحق الحياة وأعتبره في عداد الموتى».

٭
«بما أنني وقح للغاية فأنا أفرض الكثير من الإزعاج للآخرين خصوصاً المصابين بالبله».

٭
«إن الذين يجعلونك تعتقد بما هو مخالف للعقل، قادرون على جعلك ترتكب الفظائع».

٭
«أريد أن أمتلك الأرض بكاملها أمام عيني في عزلتي»

٭
«أموت في هذه اللحظة وأنا أشعر بعبادتي الله، وبحبي لأصدقائي، وبعدم كرهي لأعدائي، وبرفضي المطلق للمعتقدات الباطلة».

٭
«في فرنسا يجب أن تكون السندان أو المطرقة،
أنا اخترت أن أكون سنداناً»

شاعر من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية