يفرض عقوبة الاعدام علي المنتسبين الي الاخوان المسلمين: الي متي يستمر تطبيق القانون 49 في سورية؟
محمد الحسناوييفرض عقوبة الاعدام علي المنتسبين الي الاخوان المسلمين: الي متي يستمر تطبيق القانون 49 في سورية؟ المراد بهذا القانون هو النص الذي حوله رئيس الجمهورية السورية إلي مجلس الشعب لإقراره آنذاك، بتشديد عقوبة الانتساب إلي جماعة الإخوان المسلمين إلي الإعدام لمجرد الانتساب أو الرأي الفكري، وتمّ إقراره في 7/7/1980م، وطبق بمفعول رجعي خلافاً للقوانين، واستمر العمل به طوال ربع قرن، ومازال حتي يومنا هذا. ونخص بالذكر منه المادتين الأولي: (1 ـ يعتبر مجرماً، ويعاقب بالإعدام كلّ منتسب لجماعة الإخوان المسلمين). والمادة الخامسة أو قبل الأخيرة: (لا يستفيد من التخفيض والعفو الواردين في هذا القانون الذين هم قيد التوقيف أو المحاكمة).القانون المذكور ـ كما يبدو ـ مستغرب في مضمونه، وفي كيفية تطبيقه والعمل به حتي الآن، وأخيراً النتائج التي ترتبت عليه، فضلاً عن أسبابه، والظروف والملابسات التي أحاطت به.صدر هذا القانون (؟) في أحداث الثمانينات التي ابتدأتها النقابات المهنية السورية ولا سيما نقابة المحامين: (مذكرة نقيب المحامين إلي رئيس الجمهورية بتاريخ 17/8/1978م) تطالب بـ: (..توفير مناخ الحرية وسيادة القانون، وإطلاق سراح الموقوفين دون مذكرات قضائية، أو إحالتهم إلي القضاء)، ثم صدور القرار (2) بتاريخ 1/12/1978 عن المؤتمر العام للمحامين في سورية الذي (يكلف بموجبه مجلسَ النقابة بمقابلة رئيس الجمهورية، للمطالبة بإنهاء حالة الطواريء في البلاد، والتأكيد علي مباديء الحرية وسيادة القانون)، ثم صدور بيان مجلس نقابة المحامين السورية بتاريخ 29/9/1979 جاء فيه: (إن ممارسات النظام نشرت جوّ الهلع والخوف والقلق، فأضحت أرواح المواطنين عرضة للإزهاق علي يد سلطات الأمن، وباتت شرعة الرهائن وتهديم البيوت وسيلة تأديب جماعية، حتي امتلأت السجون بالرجال والنساء والأطفال، وبالأعداد الضخمة من صفوف المثقفين كالأطباء والمحامين والمهندسين والمدرسين…).. وترتب علي حراك النقابات نهوض جماهيري عام (مثل: المظاهرات النسائية في حلب 6/11/1979 إضراب عام في حماة 23/2/1980 ـ 31/3/1980 إضراب عام في حلب)، تمثل بالتــــظاهرات السلمية وبالإضرابات وحملات التنديد والمطالب المدنية. وجوبه ذلك كله بحملات القمع بدءاً باعتـــــقال مجالـــــس النقابات وحلها 8/4/1980 وبإلغاء أنظمتها الداخلية، وتشكيل نقابات موالية للسلطة، وما تزال أيضاً لهذا اليوم.رافق هذا النهوض الجماهيري واستتبعه اشتباكات مسلحة بين السلطة وتنظيم المرحوم (مروان حديد) أو ما سمي بـ (تنظيم الطليعة المقاتلة) التي كان مؤسسها الشيخ مروان قد استشهد تحت التعذيب من قبل أي في 1976م، كما استشهد بعض إخوانه قبله (حسن عصفور 1973م) وبعده تحت التعذيب.ومن أبرز أحداث تلك المرحلة واقعة (مدرسة المدفعية 16/6/1980) التي نفذتها عناصر الطليعة، وتبرأ منها تنظيم الإخوان المسلمين في حينه لعدم علاقته بها، ومع ذلك عمدت السلطة ـ بشخص وزير الداخلية عدنان دباغ ـ إلي إعلان الحرب علي جماعة الإخوان المسلمين، فتصاعد العنف وعمّ وانتشر، وتعقدت الأمور، كما هو معلوم، وكان من ثمارها الضارة صدور قانون (49) ونكبة الإخوان والقطر السوري بأكبر فواجع التاريخ السوري قديمه وحديثه.لكن هل كان انفجار هذا الاحتقان علي شكل ثورة شاملة.. منقطعاً من الزمان والمكان، أي كان كالبركان يغلي ويتراكم، حتي أتيحت له فرصة الخروج إلي السطح بهذا الشكل؟الشرارة الأولي للمأساة السورية انقدحت بقيام انقلاب الثامن من آذار (مارس) العسكري (1963) الذي أسهم فيه حزب البعث والناصريون، ثم انفرد البعثيون بالحكم بعد انقلابهم علي حلفائهم الناصريين والمستقلين، وتتابعت الانقلابات والتصفيات البينية بين أجنحة البعث نفسه من القيادة القومية أو التاريخية، إلي حــركة صلاح جديد وحافظ أسد، إلي حركة حافظ أسد علي صلاح جديد بالحركة التصحيحية 16/11/1970 وانفراده نفسه وأسرته من حوله بسورية من الباب إلي المحراب.والملاحظ علي سلسلة الانقلابات العسكرية هذه تصعيد القبضة الأمنية بإعلان أحكام الطواريء منذ الأيام الأولي لانقلاب الثامن من آذار، وإلغاء مؤسسات المجتمع المدني ولا سيما الأحزاب والصحافة السورية الحرة المشهورة بها سورية، ثم تتويج ذلك كله بدستور الأسد الأب (1973) الذي كرس حكم الحزب قائداً للدولة والمجتمع، وجمع السلطات الثلاث بيد رئيس الجمهورية، مما فتح الباب واسعاً لانفجارات شعبية معارضة طوال عهده، مع العلم أن انفجارات شعبية انفجرت أيضا علي الانقلابات التي سبقته مثل انتفاضة (حماة) عام 1964م وتهديم جامع السلطان واستشهاد عدد من أبناء حماة أيام الرئيس أمين الحافظ، وانتفاضة الجامع الأموي 1965م ودخول الآليات العسكرية ساحته لتقتل خمسين مواطناً من المعتصمين به وتعتقل الآخرين، والإضرابات التي عمت المحافظات السورية رداً علي فتنة إبراهيم خلاص الذي كتب مقالة في جيش الشعب يتطاول فيها علي الذات الإلهية والديانات السماوية في 25/4/1967. وفي موازاة الانتفاضات الشعبية هذه تم اكتشاف الجاسوس الإسرائيلي (إيلي كوهين) مخترقاً صفوف الحزب الحاكم وتم إعدامه، أما في عهد الأسد الأب فقد أصدر الرئيس نفسه عفواً عن مجموعة الجواسيس اليهود، بمرسوم لم ينشر إلا في الجريدة الرسمية 25/12/1974 كما انفجرت انتفاضات شعبية أشد عنفاً واتساعاً، منها انتفاضة الدستور 1970 اعتقل علي أثرها عدد كبيـــر من العلماء والناشطين والمواطنين، ثم انتفاضة النقابات المهنية وفي طليعتها نقابة المحامين 1980م، مع العلم أن عدداً من انتفاضات طلابية قمعت داخل الجامعات أكثر من مرة وسحقت بعنف.في هذه الأجواء القمعية أي منذ الثامن من آذار 1963م بدأت ردود الفعل الشعبية تتفاقم وتغلي تحت الأرض، وفي أقبية السجون ومع التعذيب الوحشي، الذي كان يمارس علي المواطنين وقادة الرأي، وكان من تجليات ذلك ميلاد تنظيم الشيخ مروان حديد الذي اعتقل وقتل في السبعينات وبعض أتباعه أيام الأسد الأب، وابتدأ تنظيم الطليعة الانتقام باغتيال أفراد، ثم تنفيذ عملية مدرسة المدفعية، ثم اتهام جماعة الإخوان المسلمين بها وهم براء، ثم اندفاع جماهير الشعب عامة بمظاهرات الثمانينات، واضطرار شباب الجماعة للدفاع عن أنفسهم، وكان قانون (49) سييء الذكر. وهكذا بدأت السلطة القمع والعنف حتي العظم ـ والباديء أظلم ـ فردّ عليها تنظيم الطليعة، وانصب انتقام النظام علي جماعة الإخوان المسلمين بصفتها المعارض الأكبر، وكان قانون (49) وما زال رأس الحربة القاتلة لهم وللمعارضة السورية من ثم (كالحزب الشبوعي السوري جناح المكتب السياسي والناصريين وحزب العمل الشيوعي)، بالتجاور والتوازي وبالمآل، وللشعب كله، لأن تغول الأجهزة الأمنية كان السبب والنتيجة في هذا المضمار.إذن كان من ثمار قانون (49) تعميم القمع والعنف علي المعارضة السورية، والمزيد من تعطيل القانون، والهيمنة علي المؤسسات المدنية، والعسكرة العقائدية، واستكمال (تبعيث) الجيش والتعليم والإعلام، وبقية قطاعات الدولة والمجتمع، حتي أصبح من لا يحمل شهادة إعدادية يؤسس (رابطة خريجي الدراسات العليا) ويتبختر بشهادة الدكتوراة. يقول وزير الدفاع السابق في مذكراته: (عندما كان العميد (ر..) منتسباً إلي الجامعة (قسم التاريخ) شكا لي رئيس قسم التاريخ الدكتور محمد خير فارس بأن (ر..) يأتي مع مفرزة من الحرس إلي الجامعة أيام الامتحان ولا أحد يجرؤ من المراقبين أن يقول شيئاً فماذا أفعل؟..قلت له: لا تفعل شيئاً لأنه لن يعمل لديك أستاذ تاريخ…وما كاد (ر..) ينهي الإجازة في التاريخ حتي سجل في كلية الحقوق هو وزوجته (ل…) وابنه (د…) وكانوا يقدمون الامتحانات سوية في غرفة رئيس الجامعة الدكتور زياد شوبكي حرصاً علي أمن الطلاب وأمن المعلومات، وعندما جاءتهم الأسئلة مع فناجين القهوة وكتب السنة الأولي قال لهم (ر..) العمي في قلبكم..ابعثوا أستاذاً يدلنا أين توجد الأجوبة لهذه الأسئلة)، فإذا صارت الجامعة وامتحاناتها هكذا، فما حال بقية نواحي الحياة السورية؟أما نصيب جماعة الإخوان المسلمين من تطبيقات قانون (49) فكانت رهيبة من حيث الاتساع والعمق والاستمرار، فمثلاً رصدت جائزة مالية ضخمة لكل من يدل علي عضو منتسب إلي الإخوان، ولا تسل إن كان الشاهد عدلاً، أو كان الإيقاع بين المواطنين سياسة مقصودة، أو كان القتل للمتهم علي الشبهة مسموحاً به، وكل ذلك بلا محاكمات قانونية ولا بينات قضائية، من محاكم ميدانية، إلي محكمة أمن الدولة العسكرية الاسثنائية، إلي محاكم صورية في سجن تدمر وغيره من (مقاصل) السجون القمعية، أو المطاردة في الأزقة والشوارع، وعلي مفارق الطرق، والحواجز الطيارة والثابتة، ومجزرة الحجاب في شوارع دمشق العاصمة، التي ارتكبتها سرايا الدفاع والطالبات الشبيبيات، لدرجة أن مجازر جماعية غطيت بهذا القانون غير المسبوق في تاريخ سورية، ولا التاريخ البشري، نمثل علي ذلك بمجزرة تدمر في حزيران (يونيو) 1980م التي ذهب ضحيتها ألف سجين خلال نصف ساعة، معظمهم مدنيون من الجامعيين والأطباء والمهندسين والعلماء والطلاب والفلاحين، وبعضهم رهائن اعتقلوا بدلاً عن ذويهم أو أقربائهم، ثم المجازر الدورية كل أسبوع أو أقل في السجن نفسه، حيث تقتل مجموعة من المعتقلين شنقاً في باحة السجن وزملاؤهم يسمعون تكبيرهم من وراء الأبواب الحديد، أو الذين يقتلون بالتعذيب، كقطع الحنجرة للمعتقل باليد كقطع حنجرة العصفور، أو الشنق بسلك معدني علي سلم السجن في سجن المزة، أو كسر الرأس بضربات العصي، أو وضع عصا غليظة علي عنق المعتقل في سجن تدمر والدوس علي طرفي العصا حتي الموت، ثم ترفع قوائم بأسماء (من يحكم عليهم بالإعدام) إلي وزير الدفاع للتوقيع عليها كما صرح في مذكراته المنشورة، مع العلم أن الإعدام أو القتل قد تم قبل ذلك. وهذه عينات للتمثيل وللتطبيق الحضاري لما سمي قانوناً، وليس للحصر.يقدر عدد من اعتقل من الإخوان المسلمين أو المتهمين باسم الإخوان منذ الثمانينات خمسة عشر ألفاً، ولم يفرج إلا عن 3000 معتقل برغم تكرر عمليات الإفراج، والبقية في عداد المفقودين، لا تعترف السلطة باعتقالهم، ولا تبين مصيرهم، مع ما في ذلك من ضرورة ليتصرف أزواجهم وأولادهم وذووهم علي ضوء ذلك، أما المئات المتبقية حتي اليوم فبعضهم ممن يعتقلون مجدداً علي مدار الساعة. فالقانون لم يلغَ، والأرواح في سورية رخيصة، ودولة الأمن قائمة دائمة، والابتزاز للمال والعقارات وتخويف المواطنين سلعة رائجة ببركات قانون الطواريء ومحكمة أمن الدولة ونص القانون (حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع)؟!مؤخراً حصل (تجميل) للقانون القبيح، أي لم يلغَ ولكن يتم الحكم به علي السجين أولاً، ثم يتم تخفيض العقوبة إلي السجن (12) سنة فقط! هل يعني أن حكم الحزب القائد للدولة والمجتمع قد انخفض من الأبد إلي اثنتي عشرة سنة (أسد… أسد…إلي الأبد)؟ ففي عام 2004م حكم علي العائدين من العراق مثل المواطن أحمد علي النبهان وهو من جماعة صوفية بتهمة الانتساب للإخوان بالإعدام حسب قانون (49) ثم خفضت العقوبة إلي اثنتي عشرة سنة، وممن حكم عليه الحكم نفسه العام الماضي المواطن عمر درويــــش الذي اختطفته عناصر الأمن السوري من الأراضي العراقية، وتم الحكم عليه بمحكمة أمن الدولة الاستثنائية بتاريخ 4/12/2005، ومثل ذلك بتـــاريخ 19/6/2005 حكم الفتي الحدث مصعب الحريري من مواليد 1986 الحكم نفسه وخفض الحكم إلي (6) سنوات، وقد نفت المحامية (سيرين الخوري) ثبوت انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، وأن مصعباً يحكم بالتهمة الموجهة إلي والده بالانتماء إلي جماعة الإخوان المسلمين!! وفي هذا العام 2006م حكم بالحكم نفسه علي المهندس عبد الستار قطان بتاريخ 2/4/2006م بتهمة توزيعه مساعدات مالية علي ذوي المعتقلين من الإخوان، فاعجب إن شئت أن تعجب: القطر السوري يتعرض لمخاطر عدوانية كبري، والصف الوطني الداخلي متصدع، وجماعة الإخوان تحذر من المخاطر، وتنبذ العنف الذي ليس من منهجها، وتستأنف معارضتها السلمــية، والسلطة لا تتزحزح عن أسلوبها القمعي، بل تصعد القمع للمعارضة، وقانون (49) نافذ المفعول، والعمل عمال. وهذا يعني أن السلطة ممسكة بسيف الإعدام تعمله متي تشاء وكيف تشاء، ولو أسهم ذلك بإضعاف القطر أمام هجمة الأعداء.والآن وبعد هذا الحصيد الضخم من المآسي وبعد مضي أكثر من خمسة وعشرين عاماً علي إصدار قانون (49) يقوم الإخوان المسلمون والمعارضة السورية بحملة إنسانية دولية للمطالبة بإسقاط هذا القانون وكل القوانين الاستثنائية العرفية كقانون الطواريء والمحاكم العسكرية أو الاستثنائية، لمنافاتها للعدل والإنصاف ولجوهر القانون من جهة، ولسوء العواقب الكارثية التي ترتبت عليها في حياة المجتمع السوري والوطن أيضاً من جهة ثانية، ولدواعي جمع الشمل ولأم الصفوف الوطنية ومداواة الجراح من جهة ثالثة، استعداداً لمواجهة الأخطار الخارجية المحدقة بالقطر السوري من كل جوانبه، والسلطات عن كل ذلك في شغل، في الفساد الإداري، والنهب المالي المنظم، والتعاون الأمني مع المخابرات الأمريكية وتسليمها ملفات آلاف المواطنين السوريين أو استقبال معتقلي غوانتانامو سراً، للتحقيق معهم علي الطريقة السورية التي لا تتقنها المخابرات الأمريكية نفسها في انتزاع المعلومات أو انتزاع الأرواح. فعلي المواطنين السوريين والعرب والمسلمين وأحرار العالم ومنظمات حقوق الإنسان الإسهام في هذه الحملة الإنسانية.كاتب سوري عضو رابطة أدباء الشام [email protected]