وردت كلمتا الشيطان وإبليس في الكتب السماوية كناية عن قوة الشر المتجسدة بهذه المفردات وهذه تسميات قد تكون أسماء مجازية للشرالمطلق، وأصبح معلوما بالنسبة للمؤمنين أن الشر المطلق يجسده الشيطان (ابليس) فيما يتجسد مفهوم الخير المطلق في الله جل جلاله.
والخير والشر هما خصمان أو عدوان يسكنان في حيز واحد وهو النفس البشرية ليتنارعا داخله بضراوة قبل أن يغادره أفراخهما ليتنازعوا في الخارج وبشكل أكثر شراسة. ونزاع الخير مع الشر نزاع أبدي وهذه حقيقة يقرها المؤمنون بالله ويقرها الملحدون أيضا، والمؤمنون بالساعة يرون بها خاتمة لهذا الصراع الشرس وليعذرني الملحدون لانني لا أوجه هذا الكلام لعقولهم بل لعقول المؤمنين بوجود الله على اختلاف أديانهم.
ومنذ آدم والصراع دائر ولم ينجُ من تداعياته أول أبنائه ولن ينجو آخرهم. للشر أدوات وطرق لا تحصى جميعها ابتكرها الجانب الشيطاني من الإنسان لخدمة الشر والباطل وجميعها تنحّي الأخلاق جانبا لتحقق الربح بأي ثمن وعند المؤمنين لا يوجد غير طريق واحد يسلكه المتمسكون بالقيم الأخلاقية لخدمة الخير والحق ويمليه عليهم الجانب الرحماني منهم.
قد تربح قوى دنيوية جبارة (قائمة على الباطل) جولات لا عدد لها وتسيطر على ثروات أو أراضي الغير، وبالسيف قد تنهب وتغزو، ولكن هل تنتصر؟ وأعني بالانتصار نجاح هذه القوى الباغية في إبقاء سيطرتها الدائمة على ما ربحته بالباطل، والتاريخ يأتينا بالجواب الحاسم، أولم تتبدل الإمبراطوريات وتتداول بين الناس بعد أن ظن أناس كثر أن سطوة أولئك الناس المهيمنين هي قدر لا خلاص منه!! يعلمنا منطق التاريخ ومنطق سنن الوجود أن ما حدث بالأمس القريب والبعيد سوف يحدث اليوم وبالغد القريب… فعبر العصور الغابرة والحاضرة استخدم ويستخدم الظالمون جميع أدوات الشر وسلكوا ويسلكون طرقه المتنوعة فربحوا وما زالوا يربحون جولات كثيرة وأنشأوا كيانات مزيفة أو إمبراطوريات تبهر الناظرين لكن التاريخ طواها بفضل الخطايا التي يرتكبها الغاصب المستكبر بالعادة وبفضل الرفض غير المنقطع الظاهر منه والخفي الذي واجهتهم به عبر الحقبات الزمنية المتعاقبة جموع الناس المظلومين ولكن غير المستسلمين.
ولمقاربة ما تحدثنا عنه مع حاضرنا اليوم يكفي لكل من تعدى الخمسين من عمره إذا ما امتلك بصيرة حتى لو لم يمتلك البصر أن يكون شاهدا على التحولات السلبية التي طرأت على القوى المتغطرسة في عالمنا في القرنين العشرين والواحد والعشرين. أمريكا اليوم (القوة الكونية العظمى) ليست كأمريكا الأمس، تعاني اليوم من تداعيات الحماقات التي ارتكبتها في العالم… وكثير منا عاصر تجربة أمريكا في كوريا وعرف انها لم تتعلم من الدرس الكوري فاندفعت متغطرسة الى فيتنام حيث أذلت وانهزمت ولم تتعلم من الدرس الفيتنامي كذلك ومدفوعة بغرور القوة اندفعت لتتورط في عالمنا العربي الإسلامي واحتلت أفغانستان والعراق واليوم هي على قاب قوسين أو أدنى من تلقي الهزيمة النهائية فيهما.
كسبت هذه القوة العظمى جولات كثيرة لكنها لم تنتصر وما ينسحب على أمريكا ينسحب على جميع القوى الباغية وأولها ‘إسرائيل’ التي ربحت الكثير من الجولات وآخرها ‘جولة الاستيطان’ في استعراض منفر لعضلاتها على فلسطينيي الداخل العزل وفي نفس الوقت تتحسس خطر زوالها القريب لأن جموع الناس المظلومين لكن غير المستسلمين في عصرنا (وكما كانوا في العصور الغابرة) يتصدون لها ولجميع الباغين في كوكبنا.
عمر عبد الهادي[email protected]