يكاد المشير يقول خذوني!

حجم الخط
17

أثارت مشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أعمال الدورة الحادية والسبعين للأمم المتحدة جدلاً في الأوساط السياسية والإعلامية المصرية والعربية، وذلك للرسائل المختلفة التي حاولت الزيارة إرسالها لأصحاب الشأن في العالم، وخصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية التي غضّ رئيسها باراك أوباما النظر عن لقائه ولكنه حظي بلقاء مرشحي الحزب الجمهوري والديمقراطي.
السلطات المصرية أعدّت عدّتها للزيارة بوفد كبير من أعضاء البرلمان إضافة إلى تسعين سياسياً وإعلاميا، فيما استقبلته الجالية المصريّة في نيويورك بمظاهرتين، الأولى كبيرة مرحّبة وغلب عليها حضور كثيف للأقباط الذين رفعوا صور البابا تواضروس جنباً إلى جنب مع صور الرئيس (الذي وصفته إحدى صحف الاقباط بالمسيح المخلّص!)، والثانية صغيرة تندّد بالسيسي وتعتبره ضابطاً اغتصب السلطة الشرعيّة من رئيسه وزجّ به في السجن.
في خطابه للجمعية العامة خرج السيسي عن نص خطابه المكتوب، ولا نفهم بالضبط ما الذي دفع الرئيس المصريّ للخروج عن النص (وهي تهمة شهيرة كانت تعرّض بعض الممثلين المصريين للمساءلة القانونية‪)‬.
قد يحتاج توجيه النداء إلى «الشعب الإسرائيلي والقيادة الإسرائيلية» بهذه الطريقة العاطفية إلى قراءة سياسية ـ نفسيّة لأن اختيار الجمعية العامة للأمم المتحدة لتوجيه رسالة إلى إسرائيل قد يستبطن الفكرة الرائجة عن القدرات العابرة للقارات للوبيات الإسرائيلية السياسية والإعلامية والمالية، لكنّها، من غير شكّ، تحمل أيضاً إحساساً بالضعف أمام إسرائيل نفسها، وربّما تحمل أيضاً إحساساً بالجميل على موقفها من عدوّهما المشترك: الإخوان المسلمون، والذي تفضّل السلطات المصرية توصيفه بـ»الإرهاب».
وإذا كانت هذه الرومانسيّة السياسيّة نحو إسرائيل غير كافية لإيصال الرسالة للمعنيين فقد قام السيسي بزيارة لمنظمات يهودية خطيرة الأثر على الفلسطينيين وشديدة التشدد في دعم إسرائيل مثل مؤتمر اليهود العالمي و«بني بريث» ولأن زعماء اليهود في أمريكا مهتمّون كثيراً بحقوق الإنسان المصري فقد أكّد السيسي لهم «التزامه بحقوق الإنسان».
وبمناسبة «حقوق الإنسان» فإن إحدى اللقطات التي انتبه إليها متابعو خطاب السيسي في الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت في قوله إن عدد اللاجئين في مصر هو خمسة ملايين شخص وهو أمر كذّبته مفوضية الأمم المتحدة التي قالت إن عدد اللاجئين في مصر وفق المسجلين لديها هو 189 ألف لاجئ.
في مقابلة قناة «سي إن إن» الأمريكية مع السيسي إثر لقائه بدونالد ترامب سألته المذيعة عن رأيه في ترامب فقال إنه سيكون قائداً قويّاً، وحين سألته إن كان، بصفته أول رئيس لدولة مسلمة يزور ترامب إن كان قد نبّهه إلى أن قراراً بحظر دخول المسلمين أمريكا غير ممكن التطبيق فقال إنه لم يبحث هذا الأمر.
فإذا اضفنا إلى توصيفه لترامب بـ«القائد القويّ» وتغاضيه عن الدفاع عن المسلمين، إلى إشارة السيسي في اجتماعه مع زعماء اليهود إلى التزامه «إصلاحات دينية» فإن مجموع هذه الإشارات لن تفهم إلا من خلال تجميع صور ما حصل من تركيز على الترحيب القبطيّ بالرئيس المصريّ والكلام مع «الشعب الإسرائيلي» وزيارة زعماء اليهود بحيث نرى أن قائد أكبر دولة مسلمة هو أقرب إلى ترامب والإسرائيليين في فهمه لـ»القوّة» وطريقة التعامل مع «المسلمين» منه إلى شعبه المغلوب على أمره.
بعد حيازة الجنرال الليبي خليفة حفتر مؤخراً، وبسرعة قياسية، على رتبة مشير، صار هناك، مع المشير السيسي، مشيران في بلدين متجاورين، صار الأول رئيساً وما زال الثاني يحاول ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. لا يكفّ هذان المشيران عن إرسال إشارات متشابهة إلى العالم الخارجي تجمع بين ازدراء الثقافة الشعبية ومواطني البلدين اللذين ينتميان إليهما، وتبنّي آراء الاتجاهات العنصرية في الغرب وإسرائيل لما يجري في المنطقة.

يكاد المشير يقول خذوني!

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية