في النفوس، بسبب ما آلت إليه أحوال الربيع العربي، من انقلاب وردة في مصر، إلى محاولة إعادة تنصيب الوثن في سوريا، عبر حل سياسي هزيل، بدأت حتى السعودية تنشر أشرعتها لرياحه عبر الإئتلاف الوطني الذي يدين لها بالولاء وبدأ كتاب العهد القديم باجترار بكائياتهم المرة والتباكي على الصيغة الطائفية التي آلت إليها المواجهة بين النظام والثورة الشعبية محملين الجماعات الجهادية مسؤولية هذا التحول وباحثين بمصباح ديوجين عن جيش حر علماني يسلمونه الراية! بمباركة السعودية المصابة أصلاً برهاب الإسلام’الجهادي الذي انقلب عليها على يدي بن لادن، والمصابة ايضاً برهاب التحول الديمقراطي الذي تخشى أن تصيبها منه ولو طرطوشة! خلافاً لكتاب اليائس والميؤوس والكامخ بينهما، أنا أرى أن الربيع العربي قد دخل اتون الإمتحان الحقيقي، أي أنه دخل ‘المطهر’ الذي سيخرج منه نقياً من كل الشوائب التي شابت مسيرته،هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى سيحدد هويته من خلال هذا الإمتحان:علمانية، إسلامية، سنية شيعية، ديمقراطية، ديكتاتورية؟ من الناحية الأخرى:أنا أرى أن المواجهة الطائفية،هي معركة يجب أن تحسم بدورها أيضاً، فمن غير المعقول أن يلبس ثوب الممانعة والمقاومة وتحرير فلسطين المشرق الناصع فوق الثوب الطائفي الحاقد البغيض، وتمرر الحيلة دون أن تنكشف وهكذا فقد كشفت المواجهة الطائفية المفتوحة جلود الكثيرين الحقيقية واختصرتهم من عمالقة إلى أقزام، واضطروا للظهور بوجوههم الحقيقية الداكنة، عوضاً عن الوجوه المصبوغة: لا بالبياض، بل بالمساحيق البيضاء! أنظر بركات المواجهة الطائفية، وكيف كشفت أن ما يسوق على أنه دين، ما هو إلا تعصب أعمى مستعد للقتل وسفك الدماء، وما يسوق على أنه وطنية ليس إلا مساحة إعلانية، ومن يسوق على أنه بطل ليس إلا فارساً دون كيشوتياً! أفلا ينبغي أن نتفاءل بهذا السقوط المدوي للوعي المزيف، بعد عقود من الانقياد والإنخداع او لسنا نراهن على الوعي الجماهيري؟ فلماذا لا نفرح باسترداد الجماهير لهذا الوعي! أنظر الإنعكاس الإيجابي على القضية الأم: القضية الفلسطينية هل هناك أقسى من الموت جوعاً؟ مع ذلك يقف اليسار الفلسطيني لا في صف الجوع الكافر بل في صف أبي الكفار الذي يحاصر مخيم اليرموك ويقتل أبناءه جوعاً! وإذن فالفلسطيني سيسترد وعيه أيضاً، ولوعلى جثث شهداء الجوع! وسيدخل هذا اليسار المخادع ‘ضريحه التاريخي، أليس هذا تطهراً من أوزار، ناءت بكاهلنا طويلاً؟ أو ليس التخفف منها نعمة؟! بركة أخرى: يثبت لك الصليبيون الجدد، الأمريكان والإنكليز ومن والاهم، أنه يكفي أن تكون مسلماً لكي تكون إرهابياً، لا فرق بين معتدل ومتطرف، فلا حصانة لأحد من هذه التهمة الأمريكية، وها هي تلصق بالإخوان المسلمين، الذين وضعوا الديمقراطية الأمريكية في أقدس الزوايا وأوقدوا لها البخور وتبرأوا من كل أشكال التطرف وها هم يفشلون في الهرب من هذه التهمة! إذا عد إلى خندقك وقاتل! ها هم يتعلمون الدرس أوليس هذا العلم الجديد بمستحق للتضحية؟! امريكا اليوم تقامر بمستقبلها من أجل صفقات السلاح، فها هي تبتدع أسماءً ومسميات، وتدخلها في صراع مع أنظمة نصبتها هي أصلاً، من أجل حفنة دولارات، ولكي تبيعها طائرات’درونز’، وتبقي مصانع السلاح واقفةً على قدميها، وها هي تستبدل الإنسان بالآلة وتخلي الميدان من الجنود، ألن ينقطع هذا الخيط النحيل قريباً، وتنكشف هي الأخرى، للصديق قبل العدو؟ ألا يستحق هذا أن نخوض معركتنا؟أليس من الجميل أن نخرج من المطهر أحياءً موحدين؟ وكلنا أهل يمين وعارفين، صديقنا المؤتمن من عدونا؟ فلنكف عن البكاء إذن، ولنواصل معركتنا كراماً واثقين! نزار حسين راشد