خالد مشعل أنقذه عندما وضع شروطا غير معقولة لصفقة لتبادل الأسري
الزيارة الاولي لوزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس في منطقة الشرق الاوسط بعد انتهاء الحرب اللبنانية الثانية ليست عبارة عن جولة تكتيكية جديدة لوزيرة الخارجية. من ناحية الأهداف، فانه لا يوجد مثيل لها الي المنطقة منذ الزيارة المشهورة للوزير جون فوستر دالاس في سنوات الخمسينيات، وربما يمكننا أن نشمل في ذلك الجولات المكوكية التي قام بها وزير الخارجية الامريكي الشهير هنري كيسنجر في أعقاب حرب يوم الغفران الذي نقل مصر في محادثات الكيلومتر 101 المعروفة من واقع التأثير السوفييتي، ونقلها باتجاه الغرب.
الذين سبقوها كانوا يحاولون اقامة أطواق حماية في وجه الاتحاد السوفييتي، وهي بدورها الآن جاءت لانشاء وتطوير علاقات وتحالفات مع عدد من دول المنطقة المعتدلة ضد التهديد الايراني. وفي كل الصور والنماذج فان الولايات المتحدة تخصص لاسرائيل مهمة المراقب البسيط التي ألقي عليها دفع ضريبة سياسية من اجل هذا التوجه الجديد. وكما هي الحال كرد فعل تلقائي منذ أن تطأ قدم وزير خارجية امريكي منطقة الشرق الاوسط، وفي اسرائيل، فان هذه تعلن علي الفور بأنها مستعدة للتعاون كما تقتضي الاوضاع. هذا معقول. اسرائيل لا تستطيع ان تظهر نفسها كدولة رافضة للسلام، فهي في الحقيقة ليست كذلك، وهي ملتزمة بصيغة دولتين لشعبين تربط بينهما اتفاقات سياسية لشعبين، فلا مجال أن يكون الشعب اليهودي هو الذي يُفشل، لا يمكن، ولا يصح، فهو ملزم بالديمقراطية. ولكن، مع ذلك، وُجد واقع جديد وشعور غير عادي، وبالتحديد، فان زيارة استراتيجية من نوع زيارة الوزيرة كوندوليزا رايس الأخيرة، تؤكد المعطيات الجديدة لتحرك وانتهاج سياسي اسرائيلي غير تقليدي، لأن الحالة الراهنة لا تلبي مثل هذه الاحتياجات الجديدة.
وبالتحديد، لأن صورة الوضع العام لاسرائيل قد تغيرت كما هي عليه الآن في سنة 2006، لا لأنه قد فقد الأمل بامكانية ايجاد طرف فلسطيني شريك للمحادثات، بل في جوهر الالتزام السياسي. علي الورق يوجد التزام فلسطيني بالكف عن استخدام العنف ضد اسرائيل. وهذا البند لم يُعد لمراحل توجد فيها موافقة تامة بين الطرفين. بل علي العكس، فقد تم تسجيله (بالتحديد) لاوقات حدوث الازمة. فالفلسطينيون لم يلتزموا به أبدا، في حين أن الاسرائيليين كانوا يغضون الطرف ويحاولون اقناع انفسهم في كثير من الاحيان ولم يطالبوا، وهذا كان، وما زال، واجب الالتزام والتمسك بمثل هذا التعهد. فهل يمكن اعادة العجلة الي الوراء؟ لا، لأن تحريكها ضروري الي الأمام، ولنقطة البداية. لذلك، يوجد شيء ما كهذا، عندما تري العجلة في الهواء تتحرك.
المسألة الثانية أنه لا يوجد (ولن تبدأ) مفاوضات سياسية مع حكومة فلسطينية تعترف باسرائيل ضمنيا، لأنه حتي الاعتراف المباشر (من قبل الحكومة الفلسطينية) لا يساوي الكثير، وبالتأكيد ليس الاعتراف غير المباشر. ربما تكون حماس وحزب الله قد فسروا الانسحاب الاسرائيلي التام من قطاع غزة، ومن الحدود الشمالية مع لبنان كضعف. فهذا يُضعف وضعنا ويضر بنا. ولكننا نفسر حقيقة أنهم ينظمون ويديرون حربهم بالتحديد في المناطق التي قد تم حل مشكلة المناطق فيها، وأن رسم الحدود جري علي النحو الذي يرضي مطلبهم وهدفهم. وكإثبات علي أنه بات من المستحيل معهم، ولأن هؤلاء لا يقصدون (السلام) علي صورته الحقيقية ولا يأخذونه بجدية، ولأن كلمتهم ليست كلمة، فان ما يكون سيئا لنا هناك، هو نفسه أصبح ضدهم هنا.
وفقا لهذه المعطيات الجديدة، فقد أصبح علي اسرائيل أن توضح وتثبت لهم وللعالم المتحضر بأسره، بأنه لن يكون هناك حل يقوم علي أساس اقتلاع اليهود من بيوتهم واماكن عيشهم داخل اماكن استيطانية قانونية (لتمييزها عن المواقع الاستيطانية العشوائية). إن جزءا كبيرا لا يُستهان به من بين المستوطنين سيظل داخل المناطق الاسرائيلية، وجزءا آخر سيُسمح له بالاقامة داخل مستوطنات يهودية ستبقي داخل مناطق تحت السيادة الفلسطينية، علي الأقل علي مستوي الاوتونوميا (الحكم الذاتي الفلسطيني التربوي المخصص لعيش الفلسطينيين العرب في اسرائيل)، تشتمل علي الثقافة والحضارة القومية والروحية والدينية لليهود، ومع ذلك تتعايش بينهم.
ان مثل هذه الاقتراحات لا تتعارض أو تنفي امكانية اجراء مفاوضات حول اقتراح تعويض مالي عن الاراضي الفلسطينية مقابل بقاء وتواجد اليهود داخل منطقتهم. فقد سبق للنبي ابراهيم أن دفع مقابل امتلاك الحرم الابراهيمي في الخليل، وبذلك، فان اسرائيل المتحضرة يمكنها أن تدفع الاموال اللازمة. ولكن الاقتلاع والانكسار الداخلي والانقسام الذي يرافقها، يمكن القول انها كلها قد انتهت من العالم منذ زمن.
هل يمكن للفلسطينيين أن يوافقوا علي ذلك؟ هم يعتقدون بحق وبجدية أن مرور ووجود ثلاثة أجيال من سكان كدوميم لا يعني الموافقة والسماح لهم بالبقاء في اماكنهم. فهل الشعب الفلسطيني مسؤول عن هذه القضية وعن مشكلة الثقافة اليهودية؟.
الرأي العام العالمي، بل حتي بين اوساط الكثير من العرب الراغبين في السلام، يفهم بأن المطالبة الحادة وغير القابلة للتفاهم أو الجدل، بطرد اليهود، كل اليهود من بيوتهم هي نوع من العنصرية الفلسطينية الواضحة. وأن كل من يحاول أن يُغمض لنا عيوننا، ويتظاهر وكأنه يستطيع ويريد أن يعيش معنا في دولة كل مواطنيها متساوون تمتد ما بين النهر والبحر، هؤلاء، لا يمكنهم مواصلة رفض استيعاب اليهود معه في دولة واحدة في هذه المساحة، بحيث يكون اليهود فيها يشكلون أقلية قومية داخل هذه الدولة.
حتي في تلك الدول التي تصرخ باستمرار ابرتهايد، التي تصف بها اسرائيل، وتقرنها باسم اسرائيل، سوف تجد نسبة سكانية وشعبا متنورا يمكنه أن يفهم هذا المطلب، ويفهم في نفس الوقت بأن استمرار الموقف الفلسطيني المتصلب يعني تصرفا فلسطينيا عنصريا.
سوف يعلقون علي ذلك في وزارة الخارجية، وباستنادهم علي البرقيات التي تتدفق عليها من كل أرجاء العالم بأنه لا يمكن، وأن عملية شرح وتوضيح ذلك غير ممكن ولن ينجح. هكذا يقولون هناك، وعلي مدي السنين الماضية، وقد امتد ذلك منذ عهد موشيه شريت وحتي ايامنا هذه في عهد الوزيرة تسيبي لفني كان يتخللها بعض الاستثناءات غير المهمة. لذلك فانه لا بد لرئيس الوزراء اولمرت والوزيرة لفني أن يغيرا القرص وأن يُتيحا الفرصة والمجال للكثير من الدبلوماسيين والمبعوثين الدوليين الذين يحاولون شرح وجهة النظر هذه، والذين يعملون علي مساعدة اسرائيل في العالم الكبير، ويشرحا هذا التوجه الجديد، بحيث يشرحان بأن الحياة لن تكون ديلوكس باستمرار، بل سيتحركون لشرح وجهة نظر جديدة، ونظرية جديدة.
محاولات للنجاةيبدو أن غضب اولمرت ضد الوزير أوفير بينس كان صادقا، وأنه كان محقا في هذا الغضب. ففي اسرائيل وحدها يستطيع وزير أن يكون جالسا في حكومة ويتحدث ضدها، ولكن لماذا يهدد بأن يبسط قانون المسؤولية العامة علي وزير من حزب العمل، تحديدا، دون غيره؟ ولماذا يهدد باقالة أحد الوزراء المشاركين في الحكومة وبذلك الاتجاه؟ فقد سبق للوزراء آفي ديختر من العمل، وشاؤول موفاز (وزير الدفاع السابق) من الليكود أن تحدثا بلغة شبيهة بلغة بينس، ومع ذلك لم يسمع أحد أي نغمة غضب أو تلويح بتهديد من قبل رئيس الوزراء اولمرت. إن اولمرت لا يملك أي رقابة أو اطلاع علي المآسي والفشل الذي يعم عددا من الوزارات بسبب سلوك الوزراء فيها. فهم بكل بساطة غير مهتمين، وليسوا حريصين. فقد شق هؤلاء طريقهم الي العديد من الوزارات، وكذلك الي وزارة الدفاع. فهؤلاء لا يوجد لديهم وقت للعمل، وهم غير متفرغين للعمل في وزاراتهم. إن عملية تبادل الأسري الفاشلة، وتلفظات عدد من الوزراء ضد اولمرت، وعدم رضاهم، اضافة الي عدم قبول وزارة الخارجية من نهج رئيس الوزراء، والتي نشرت كلها (الرفض وعدم القبول) قبل أن تبدأ لجنة التحقيق برئاسة القاضي فينوغراد بالعمل، كل هذا ينبع من مصدر واحد، أزمة قيادة، وتقدير رئيس هيئة الاركان والجيش الاسرائيلي.
يمكن لرئيس الوزراء اولمرت أن ينقذ شيئا ما من هذه المواضيع، وأن يقلل بقدر ما من حدة هذه الازمة، وذلك بالاستعانة بعدد من ذوي الخبرة والمجربين من الوزراء السابقين أمثال يوسي بيلين، ايهود باراك، موشيه يعلون، افيغدور ليبرمان، دان مريدور وبنيامين نتنياهو. هو يستطيع ان يطلب منهم، أو من بعضهم، الانضمام الي حكومته والعمل معه. عدد من المقربين لرئيس الوزراء يقولون بأن اولمرت يعرف، ولكن ذلك صعب، ويعرض حكومته لأخطار لا يعرف نتيجتها. فهل هذا صعب وخطير علي البنية السياسية؟ وماذا يعني ذلك؟ يجب علي الانسان ان يعرف كيف يخوض المخاطر.
خالد رفض واسرائيل استغلترئيس الوزراء ايهود اولمرت مدين بالشكر لقائد حماس، خالد مشعل. فهذا الشخص الذي يصنف من محور الشر، هو بالتحديد الذي خدم اولمرت وأنقذه من جراء تنفيذ صفقة لتبادل الأسري فاشلة تتضمن اطلاق سراح الجندي جلعاد شليط مقابل شروط فظيعة لم تكن لها سابقة في السياسة الاسرائيلية. وفقا لمعلومة مصرية، فقد عُرض اطلاق سراح 90 من المخربين، إلا أن قوة عليا أثقلت علي قلب هذا المتوحش الفلسطيني الموجود في دمشق، فلم يعد مكتفيا بهذا الشيء، وهذا النهج الذي سيطيح بما تبقي لاسرائيل من مصداقيتها. فخالد رفض، واسرائيل أُنقذت.
شليط سيعود الي البلاد عندما يتمكن ويستطيع جهاز الأمن العام الاسرائيلي من تحديد ومعرفة مكانه، أو عندما يتمكن الجيش الاسرائيلي من اختطاف من يهتم له الفلسطينيون بحق وحقيقة، وبذلك يضطرون الي الموافقة علي عقد صفقة تبادل أسري، كما أن الاموال لن تصل الي قطاع غزة حتي يجد هؤلاء الذين يوجهون القرار الاسرائيلي أنه لا بد من تقديم نوع من المساعدة، لا لشيء إلا من ناحية انسانية فقط، ودون علاقة بتبادل الأسري.
دان مرغليتكاتب دائم ومقدم برامج تلفزيونية(معاريف) 6/10/2006