يملك أسباباً للبكاء أكثر من هيفا وهبي لكنه لا يستطيع أن يكون نجماً بلال خبيز: النقد يتعاطي مع الشعراء بوصفهم أبناء ذمة

حجم الخط
0

ناظم السيد

بيروت ـ “القدس العربي” واحد من شعراء الحرب في لبنان، هذا الجيل الذي كتب الشعر ونشره في فترة الثمانينات. جيل كتب الشعر خلف المتاريس كما وُصف دائماً. لكنه إذ فعل ذلك كان ينقل حساسية أخري إلي اللغة الشعرية: الكتابة بحطام اللغة. إنها أيضاً لغة يومية وفيزيولوجية ذات نبرة حادّة وبلاغة متقشفة لا تليق بأدبيات القتال. بالطبع، سوف يأخذ البعض علي هذه اللغة تبرّمها بالمخيلة وأنفها من التأمل. لكن في جميع الأحوال، ليس أبناء جيل الحرب علي القدر نفسه من التشابه والصدور نحو الشعر.

نشر خبيز منذ سنة 1991 مجموعات شعرية عدة بدأها بكتاب ربما ذكري هواء ثم عن مرض والدي والحَرِّ الذي لا يُطاق (1997) ثم المياه باردة في المقهي (2000) الذي نشره علي بطاقات بريدية. انتقل من الشعر إلي كتابة الفلسفة الظاهراتية، قارئاً الجسد والعولمة والانترنت والصورة والسينما والتلفزيون والعمارة والمدن، فأصدر أربعة كتب في هذا المجال: في أن الجسد خطيئة وخلاص (1998)، الصورة الباقية والعالم الزائل (2002)، العولمة وصناعة الأحداث الزائلة (2003) و اللحظة التي تفتح فيها عينيك هي لحظة الفاجعة (2007). هنا حوار عن هذا العالم المختلط بين الشعر والتفكر. أين أنت اليوم من كتابة الشعر، إذ يبدو أنك انقطعت عن الكتابة الشعرية؟ كان الشعر دائماً بالنسبة إليَّ بلا وزن علي مستوي تأثيره الثقافي أو في صناعة الرأي. كان ينبغي للشعر أن يكون الخلاص في بلاد تبدو الأشياء عادة فيها سياسية وتفتقر إلي المنطق، وتنمو خارج المنطق أو بمنطق أعوج. صُودف لسوء حظي أن دخلت عالم الشعر في لحظة كان الشعراء فيها يقتربون من هامش الثقافة، وكان معظم الشعر آنذاك شعر توبة أو شعر الدخول في العالم الداخلي، من دون أي إشارة إلي الخارج والمحيط إلا في ما يتعلق بالخروج القاطع والبات. يبقي الشعر عندي مسألة شخصية، حاجة نريد فعلها دائماً. لكن كان يزعجني في لبنان وخارج لبنان أن النقد يتعامل مع الشعراء بوصفهم أبناء ذمة وقاصرين. كان الناقد يتعاطي برفعة مع الشعراء. حدث هذا في مرحلة شعرية ما. منذ ذلك الوقت اعتبرت أن الشعر شأن شخصي تماماً كالغرام بامرأة شقراء أو سمراء بحسب المزاج. وما جعلني أبتعد عن الشعر هو فترة الانقطاع عن النشر، لأنني لم أعد أحتمل أن يعطيني أحد علامات وتقييمات. في الفترة الأخيرة ـ وهنا لا أتكلم عن أجيال ـ ثمة في هذا الجيل الشعري الآن وبعض الذين سبقوه بقليل، ثمة محل يستطيع فيه الشعراء أن يعيدوا إنتاج القيم. يُلاحظ هذا في أشغال الشباب وصولاً بالخلف إلي يحيي جابر. وعليه، بتُّ أشعر أن ثمة أوجه شبه بين الشعر وبين ما كتبته من نثر ومقالات. لا أعرف إذا كنت سأعود إلي الشعر لكنني بتُّ أنشره في وسائل أكثر فساداً وأكثر زوالاً. لهذا نشرت سنة 2000 قصائدك علي بطاقات بريدية في عمل حمل عنوان المياه باردة في المقهي؟ بالضبط لهذا السبب. البطاقات البريدية نفسها لم تكن رغبة في الشعر بل شعوراً مني بأن هذه المدينة بلا أنصاب وبلا رواسخ، وبأن ما يتناسل في هذه المدينة مجرّد مسائل شفهية، أشياء تشبه البطاقات البريدية أو ما يُرمي في البريد. بالنسبة إلي البطاقات البريدية التي نشرتها لم أفكر فيها مسبقاً كشعر بل كنت أفكر في المدينة ووجدت أن البطاقات تصلح لكتابة الشعر وليس النثر، لكنني لم أكن قد قررت أن أنشر الشعر في وسائل أسرع زوالاً من الكتاب. كنت أفكر في أن الشعر لن يهمَّ الناس إلا إذا تعاطي هؤلاء الناس معه ـ أي الشعر ـ كما تتعاطي المنظمات الأهلية وغير الحكومية مع الكوارث والأمراض المستعصية. عندها يصبح القارئ قادراً علي الإشفاق علي الشعر ليكون في مقدوره الحياة والاستمرار. من ناحية أخري، تسلك السلطات والحياة بعيداً عن الشعر وكأنه لم يكن موجوداً. لهذا كتبت الشعر بوصفه شيئاً خاصاً وليس منة أو شفقة من أحد.

رقيب البرية والتوحّش هل يمكن القول إن ثمة جانباً شعرياً ما في كتبك الأبستمولوجية الثلاثة الأخيرة: الصورة الباقية والعالم الزائل، العولمة وصناعة الأحداث الزائلة و اللحظة التي تفتح فيها عينيك هي لحظة الفاجعة؟ لدي جرأة القول إن كتبي تدخل في الفلسفة وتناقش كبار الفلاسفة أكثر مما أستطيع القول إنها تنافس الشعر وتدخل فيه. لو كنت قادراً علي كتابة الشعر لما تخففت منه وأبدلته بالنثر. أحياناً توجد عبارات وجمل شعرية في كتبي هذه، لكن الأمر عائد إلي افتقار الوقائع إلي المنطق، وذلك بسبب عجزي عن التفكير في الأشياء، كأن أقول الهواء بارد وثقيل كالرصاص لأنني لم أجد طريقة أخري أصف بها هذا الهواء الثقيل، وكذلك الأمر بالنسبة إلي عبارة مثل وجه يكتمل بعينين مغمضتين. هذه المقاطع وغيرها لن أجرؤ علي تسميتها شعراً، لكن إذا كنا نحاسب بعضنا البعض فإن هذه الجمل أفضل مما يُنشر اليوم من شعر. مع ذلك لا أجرؤ علي القول إنها شعر. قد تتصل بالشعر وقد تؤسس لطريقة شعرية. لكنني لا أعتقد أنها شعر. هل تظن أن مستقبل الشعر قد يكون بهذه الطريقة في الصدور نحو العالم وبهذه المخيلة التي يتداخل فيها البيان مع التفكر في الأشياء والظواهر؟ دعني أقل إن الشعر يصدر من موقع جغرافي وموقع تاريخي أكثر مما يصدر من موقع التأمل والتفكر. حين تعجز وزارة المالية عن تفسير الاقتصاد في بلد غير مفهوم اقتصادياً يصبح الكلام علي الاقتصاد كلاماً شعرياً. حين يكون هذا الموت الكثير (موتنا وموت أعدائنا) وغير المبرر تصبح الحياة أشبه بملحمة شعرية. نحتاج إلي الشعر لتفسير معني عيشنا المرتبط بتاريخنا السياسي والاقتصادي. أنا لا أنصح كتّاباً وشعراء في هذه البقعة بأن يكتبوا الشعر علي هذا النحو الذي في كتبي الفلسفية لأن الشعر يصبح عندها تزييناً. أستطيع أن أقول إن المرأة العراقية التي كان الأطباء يكشفون عن لحمها، لا يمكن أن تصرخ فضحتموني إلا في هذه البقعة من العالم. لذلك أنا في حاجة إلي التفكير في مصدر الشعر. أجزم أنني لم ولن أكتب شعراً صادراً من الكتب الشعرية أو متصلاً بها. في كل حال، الشعراء الكبار سواء في الحقبة الإنكليزية أو الأمريكية أو العربية سابقاً، كانت تشبه الأحوال التي وُجدت بها. كانت تحيا تحت اختلاط القيم التي تعيش فيها أكثر من عيشها تحت وطأة القانون. كل هذا لا يمكن تعميمه علي الشعر والشعراء لا في لبنان ولا في أي بقعة في العالم. تُصنّف علي أنك واحد من شعراء الحرب، هذا المصطلح الذي وُصف به أبناء جيلك في الثمانينات، رغم أنك كتبت الحرب في النثر أكثر مما فعلت في الشعر. هل أنت راضٍ عن هذا التصنيف؟ مشكلة الكتابة عن الحرب تجعلك بطلاً بسرعة. وقائع الحياة في الحرب سواء كنت مقاتلاً أم مدنياً تجعلك تعيش ظروفاً صعبة وتحوّلك بطلاً. الأبطال منذ أوشفيتز هم ضحايا وليس جلادين. عندما رأينا نيكولاس بيرغ يذبحه الزرقاوي كنا نخاف أن نكون مكان الزرقاوي أكثر مما نخاف من أن نكون مكان بيرغ، طبعاً باستثناء أمثال رفاق الزرقاوي وأمثاله. التاريخ الحديث هو تاريخ ضحايا سامين وجلادين مذمومين. بهذا المعني، لا أحبّذ الكتابة عن تاريخي الشخصي من المعاناة مع الحرب والقتال لأن هذا أقصر الطرق للنجومية، تماماً كبكاء هيفا وهبي في التلفزيون، فأنا أملك أسباباً للبكاء أكثر من هيفا، إلا أنني لا أستطيع أن أكون نجماً بينما هي نجمة. الكتابة عن الحرب تحيل علي معني النص وليس في قولي إنني أحرقت سنة 1982 دبابتين إسرائيليتين (حادثة حقيقية). مشكلتي مع الشعر تأتت من تجربتي في الحرب. في الحرب أول ما تفتقده هو الكنف العائلي، لأن العائلة هي رقيب البرية والتوحّش. وأنا كتبت شعراً يريد بشدة أن ينضمَّ إلي كنف عائلي مع ما يكتنزه من روائح وحرارة، لا يمكن وصفه علي الشاشات ولا يختص أصلاً بالنجوم. مشكلتي مع الحرب ومع الشعر اليوم هو أنني غالباً ما كنت أودُّ أن أعيش ملفوفاً بحضن العائلة الدافئ أكثر مما كنت أودُّ العيش كطائر مغرّد علي منبر. أعتقد أن الحرب هنا بالضبط وليس في إنجازات بطولية وصمود وعيش في الملاجئ وقتال.

رثاء الجسم تتنازعك كتابة ثانية هي كتابة الظواهر والتفكر في الأشياء، بدءاً بالجسد والانترنت وصولاً إلي الحرب والسينما والصورة والمدينة، وقد وضعت أربعة كتب بدأتها سنة 1998 بكتاب في أن الجسد خطيئة وخلاص. كيف تمَّ هذا الانتقال؟ نظرياً لا شيء يمنع الشاعر من أن يكون مفكراً أو فيلسوفاً. في الفلسفة أدين مثلاً لكونديرا أكثر من هايدغر ولرينيه شار أكثر من برغسون. في ما خصَّ مساري الشخصي، وقبل قراءة نيتشه، كنت مهموماً في تحديد موقعي في الحياة بوصفي ذكراً ثم بوصفي شاباً ثم بوصفي زوجاً ثم بوصفي أباً ثم بوصفي صاحب صفة مكتسبة هي مقاتل وصحافي لاحقاً. لهذا لا أستطيع أن أحدد في أي موقع أعيش: الشخصي والسياسي والاجتماعي. وسبّبَ غياب موقعي السياسي، إذ انني لم أنحز لطرف ما لأنني لم أجد موقعي السياسي، تشرذماً أكثر. لو كنت مقتنعاً حقاً بما يراه حزب الله علي سبيل المثال، وبأن الموقع الذي يصدر عنه يتسع لي لأصبحت مثل جوليا بطرس أغني قصائد من وحي كلام السيد حسن نصرالله. لكني طوال الوقت لم أكن منحازاً بل كنت أفتش عن مكان أتنفس فيه. أنا وأمثالي نصرُّ علي العيش في هذا المكان رغم كل إغراءات الهجرة. ذات يوم كتبت مقالاً عن أحمد بيضون (المفكر المعروف) حين كان يستقبل أحد أصدقائه الغربيين أثناء الحرب، فنظر الصديق من النافذة وقال: ما أجمل بحركم. ردَّ أحمد بيضون: لم يتبقَ لنا غيره تقريباً. كان أحمد بيضون يعتقد أنه يعيش في البحر كالكائنات المائية، ومع ذلك لم يفكر في الهجرة إلي البر.

أعتقد أن سبب هذا الانتقال من الشعر إلي كتابة ما يشبه الفلسفة الظاهراتية هو أن الشعر كان يجبرني علي العيش معزولاً مفرداً وليس كفرد، لأن العيش معزولاً ومفرداً يفترض توافر شرط من اثنين: إما أن يكون المجتمع قادراً علي إفراد حيّز متسع للمفردين، وفي هذه الحال يصبح الشاعر كائناً مترفاً، وإما أن يكون الشاعر منبوذاً إلي درجة لا تُطاق، وهذا مصير لا أستطيع احتماله، خصوصاً أنني في تجربتي الحزبية كنت أشبه بذئب في فلاة ولم أعد أستطيع تكرار التجربة كشاعر. من كتابك في أن الجسد خطيئة وخلاص إلي العولمة وصناعة الأحداث الزائلة إلي الصورة الباقية والعالم الزائل إلي اللحظة التي تفتح فيها عينيك هي لحظة الفاجعة، ما الذي يجمع بين هذه العناوين/ الكتب؟ أقصد هل من رابط وسياق لكتبك؟ كتابي في أن الجسد خطيئة وخلاص كان من شقين: الأول هو تلمّس الشروط القاسية التي استوت في ما بعد علي تسمية العولمة، والشق الآخر هو رثاء الجسم، الجسم الشخصي، والحذر والتخوّف من الجسم الاجتماعي. أعني أن المجتمعات الحديثة وقبل استواء العولمة سلطة لا رادَّ لها، كانت هذه المجتمعات تنحو دائماً نحو إنشاء جسم اجتماعي. حتي في المقاييس الجمالية، أنتَ تكون جميلاً بقدر ما تتكرر. وأكثر التكرارات إملالاً وتقريراً هي تكرارات السينما والتلفزيون. بقدر ما تشاهد روبرت دي نيرو أو براد بيت بقدر ما تجدهما جميلين فأجمل. بهذا المعني، ليس ثمة جمال شخصي بل جمال اجتماعي بناء علي عدد المرات التي يظهر فيها روبرت دي نيرو علي الشاشة.

كتبي اللاحقة كانت كتباً تتصل مع هذا الكتاب من بابين: الأول تقصّي آثار الجسم الشخصي، والثاني أثر انتشار الصورة وسطوتها علي اضمحلال هذا الجسم وعلي منعه من التعبير عن نفسه بحرية. هذا في ما يتعلق بالخيط الواصل بين كتبي الأربعة. لكن كما تعلم أن الكلام يجرُّ الكلام، والأفكار تجرُّ الأفكار، فإن المسافة بين كتابيَّ في أن الجسد خطيئة وخلاص و اللحظة التي تفتح فيها عينيك هي لحظة الفاجعة هي مسافة هائلة. بمعني أن الكتاب الأول كان يناقش في موقع حدودُه الكرة الأرضية ميتافيزيقياً وفيزيقياً، بينما الكتاب الأخير يناقش المكان الضيق، الجزء الصغير من بيروت الذي لا أستطيع العيش فيه. وبسبب هذا الضيق الذي يجثم علي صدري أحاول في مشروعي الجديد إيجاد موطئ قدم لي في كل المدن التي أعرفها أو أعرف عنها، وهو موطئ متساوٍ، بمعني أنني أريد العيش في كل هذه الأماكن وفي بيروت دفعة واحدة وفي زمن واحد. أحياناً تجمع مواضيع متفرّقة وشتّي في كتاب واحد، وغالباً ما تترك القارئ بلا دليل طالباً منه أن يوحّد أجزاء الكتاب. هل هذا من مخلفات البنية الشعرية في داخلك أم أن هذا جزء من طبيعة الكتابة الثقافية إذا صحّ الوصف؟ في الحقيقة ان هذا لا يدخل في باب الادعاء لكن هذه الحقول التي أعمل فيها غير مطروقة، لذا أكتشفها لحظة الكتابة كما يكتشفها القارئ لحظة القراءة. هي ليست معبّدة بل بكراً. قلت ليست ادعاء لأنني لم أستسغ الريادة منذ بداياتي، فأنا شخص محبٌ للاستقرار والثبات والكنف العائلي. بسبب هذا التشظي في المواضيع والتداخل، أعود إلي بكارة هذه الحقول وإلي رغبة ملحّة عندي ككاتب في الإشارة إلي مواضيع وظواهر لا تُحصي أحاول لمَّ شعثها وجعلها تدخل في بنية متماسكة. ولست أول من يكتب بهذه الطريقة، بمعني أنه يترك وراءه أثلاماً كبيرة من غير حراثة. أعتقد أن والتر بنجامين يكتب بهذه الطريقة، لهذا أري فيه أكثر المصادر التي أعتمد عليها غني. الشعر كما أسلفت بالنسبة إليَّ مستعصيً، بمعني لم أنتظر يوماً أن يُفسّر شعري أو يترجمه نقاّد، كنت أكتب الكلمة وأتقصّدها بمعني أنني لا أترك للناقد فرصة أن يقرأ شعري أفضل مما أقرأه أنا. في كتابتي هذه أترك للقارئ أن يؤلف أفكاراً وكلاماً من زاوية أهملتها في كتابتي أوضح وأكثر دقة مما أكتبه أنا. من جانب آخر، هذا النوع من الادعاء سيزيفي. لأسباب تتعلّق برغبةٍ في تحديد موقعي أحاول أن ألمَّ من كلّ ظاهرة بطرف وأن أحاور كل ما أراه بالحرارة نفسها لكن ليس بالدرجة نفسها من الذكاء.

سلطة المختبرات كيف يمكن تصنيف كتبك هذه؟ هل هي كتب أبستمولوجية بمعني أنها تندرج تحت عِلم جامع؟ في كتابتي تجنّبت عن قصد أن أحدد مفاهيم قاطعة. بمعني أنني اليوم أو بعد مئات من السنين علي ولادة الدولة ـ الأمة، لا أعرف تحديداً دقيقاً لمعني الدولة ـ الأمة. حتي إذا قرأت كل ما كتب في هذا الموضوع فلن أعرف. وقس علي ذلك كل التحديدات الكبري حول الديمقراطية والحرية وغير ذلك. من ناحية ثانية لو أن الكتب بما فيها الكتب السماوية فسّرت العالم وجعلته مستوياً علي نحو لا شقوق فيه ولا تصدّعات لما كنا اليوم نعيش في ظل هذه الأوضاع المتردية غير المدرِكة. وبالتالي، أنا أستيقظ كل صباح وفي نفسي رغبة في أن أعترض علي كل ما قرأته في الأمس. الكتب والدراسات لا تُفسّر. دائماً تأتي الوقائع لتلغي حججها وتكسر منطقها. بهذا المعني لا أفعل سوي تقرير هذا الواقع، علماً بأن هذا ينطبق علي كتبي بالدرجة نفسها التي ينطبق فيها علي الكتب التي أقرأها. وكل مرّة أبدأ بالكتابة أبدو كأنني أميّ يتهجّي ويلتمس كل ما حوله. أنا أميٌّ ككاتب لكنني أستطيع القول إنني مثقفٌ كقارئ. هذا لا يُلغي أن يجد قارئ في كتبي ترابطاً عميقاً وظاهراً ولا فكاك منه، وتالياً أن يؤسس علي قراءته لهذه الكتب نهجاً ما. أليست ميزة الثقافة الحديثة التخصص اختصاصاً محدداً، ثم التخصص ضمن الاختصاص الواحد نفسه أيضاً؟ دعني أقل لك إن التخصص شأن من شؤون السلطات التي من خلالها تتيح لنفسها فرض الانتظام علي الناس الخاضعين لسلطاتها. أنا لست ثائراً ضد التخصص ولا راغباً في أن أقاتل مثل هذه السلطات. هذه سلطات تولد مسلّحة حتي أسنانها، لكنني أعرف جيداً أن سلطة الصحافة مثلاً أو السلطة القضائية في أي بلد من البلاد هي سلطة ضئيلة الموارد وغير ملزِمة بالدرجة نفسها التي تُلزم بها مختبرات العلم كل الناس. لنعطِ مثالاً بسيطاً. تستطيع أن تخرج علي القانون بإرادتك. أسامة بن لادن مثلاً خارج دولي علي القانون لكنه حين يريد التعافي من مرض ألمَّ به يخضع خضوع الجواري لسلطات المختبرات. وقس علي ذلك بدءاً من مختبرات الطب إلي مختبرات العلوم الإنسانية، إذ ما الذي يؤكد لنا أن هذا المرء مصاب بانفصام في الشخصية أو الاكتئاب إلاّ سلطة المختبرات التي تقرر ذلك، وأيضاً ما الذي يسمح لنا بأن نقرر أن هذا السلوك سوي وهذا غير سوي. إذا نسينا سيغموند فرويد وورثته في المجتمعات الحديثة؟ بالنسبة إلي أنا لست صاحب سلطة لذلك أحاول أن ألمَّ بكل ما يحيط بي. بصراحة هل يعود تنوّع الموضوعات في شعرك إلي أنّ معظم هذه الكتابات عبارة عن مقالات منشورة سابقاً في صحف؟ بطبيعة عملي أبدأ الشغل ضمن مشروع، إضافة إلي كتابات أخري هي متابعات. لكن في الأساس يكون لديّ مشروع كتاب. لكن الطريقة التي أعمل فيها أنني أنشر ما أقوم به من أبحاث في الصحافة من أجل العيش وتحقيق مورد مالي. في ما خصَّ الموضوعات سأقول لك أمراً يُفسّر كم هذه الموضوعات متنوعة لكن لها أصلاً واحداً وجذراً واحداً. في كتاب العولة وصناعة الأحداث الزائلة تبدو الولايات المتحدة الأمريكية دولة تحتاج إليها سلطات العولمة وليس العكس، لأن العولمة لها سمتان: الأولي أنها قادرة علي الازدراء والثانية أنها قادرة علي التجاهل. والحال فإن الخضوع لسلطة العولمة هو امتياز، يحتاج منك أنت الخاضع إلي أن تنجز فروضاً اقتصادية وثقافية ولغوية وأيضاً جغرافية، وبالتالي فإن الذي تزدريهم العولمة وترفضهم هم السواد الأعظم من البشرية في الولايات المتحدة وفي السودان علي حدّ سواء. وسرعان ما يتحوّل هؤلاء إلي برابرة يحاربون بالحجاب كل كشف ممكن تبغيه العولمة. علي الأرجح، فإن مهمّة الدولة الأمريكية بالنسبة إلي سلطاتها هي تنفيذ خطة لها شقّان: إما أن تخضع هذا السواد المنتشر في كل بقاع الأرض، وتؤلفه بمعني أن يصبح كحيوانات أليفة، وإما أن تدفعه دفعاً إلي الغابات العذراء. اليوم نستطيع أن نلاحظ أن العراق ما قبل الهجوم الأمريكي عليه كان بربرياً تطلب منه سلطات العولمة بأدواتها الأمريكية الخضوع والامتثال لكنه بعد الهجوم الأمريكي أصبح أشبه ما يكون بالغابات العذراء التي تفاجئ القوات الأمريكية أيضاً. أليس هذا السيناريو هو نفسه الذي يتكرر اليوم مع إيران بمطالبتها بالخضوع والامتثال ثمّ لتحويلها لاحقاً إلي غابة عذراء تمهيداً لإخضاع غيرها. بهذا المعني لا أجد أيَّ غرابة في أن أنتقل من نقاش أفلام جنيفر لوبيز إلي التأمل في مصير شارع الحمراء في بيروت. أحسب أنّ ثمة أساساً لكل كتابة لديك، سواء كانت شعرية أم سوسيولوجية عن المدينة أم الصورة أم الانترنت، وهذا الأساس هو الجسد الذي يدخل في كل تفاصيل كتاباتك، هل تظن أن الكتابة لديك فعل جسماني؟ أحب كثيراً هذا التفسير. ثمّة قواسم مشتركة كثيرة بين الجسد والمدن والسلطات الحديثة، وأنا معني بكتاباتي أن أظهر أثر التسلّط علي كل هذه الكائنات إذا صحّ التعبير، وجعلها تشبه بعضها، وهذا حصل منذ ما قبل العولمة والنظام العالمي الجديد. حدث هذا مع ولادة الحداثات. حين أسس التاريخ العلماني بديلاً للتاريخ الديني، استبدلت الحداثة الأنبياء والجبابرة الذين لا يُقهرون بالأطفال الذين يحتاجون إلي كل عناية ورعاية، وأناطت بهم صناعة مستقبل البشرية. الحداثات كانت علي الدوام تحمل هوساً لا رادَّ له يتعلّق بسبل إنتاج الهشاشة وتهشيش ـ إذا صحَّ المصدر اللغوي ـ الكائنات الخاضعة لسيطرتها، بدلاً من الجسم البشري الذي أضحي لا يستطيع شرب المياه من دون ضمانة نسله وصولاً إلي تحوّل القلاع، قلاع القرون الوسطي والمدن الرومانية، إلي أبنية من زجاج هشّ يحتاج فيها إلي رعاية طوال الوقت. تبدو منهمكاً في الكتابة السياسية منذ أكثر من عشر سنوات، ولا سيما في نقد الأصوليات والأنظمة الشمولية وبعض أطراف الصراع في لبنان. هل هذا بحث آخر عن موقع لك بديل للشعر أيضاً؟ نوع من إيجاد موقع آخر لكنه جهد دونكيشوتي. أنا أناضل ضد الهجرة التي تمارسها نخبٌ من بقاعها الأصلية نحو ما أسميّه الزمن العام، أي الزمن الذي تستعيض به عن المكان، وهو زمن العولمة. وهجرة النخب هذه تجعل العالم السياسي والثقافي المحلي في أي بلد من بلاد العالم مقصوراً علي قليلي الخبرة والثقافة والأكثر شعبوية مما تحتمل السياسة والثقافة أن تكونا. الإصرار علي كتابة سياسية محلّية أولاً وعلي ارتباط وثيق علي ما يجري في المنطقة والعالم إصرار علي انتمائي إلي هذا المكان، أي لبنان، ورغبتي القاطعة في أن أتجنّب هذه الهجرة لأنني علي يقين بأن المهاجرين جماعة هشّة وبلا دفاعات. في كل حال، في حرب تموز/ يوليو الأخيرة، أوّل ما تدمّر في بيروت هو هذه الأمكنة المعولمة التي تفترض أن البقاء فيها مشروط باستمرار نمط الحياة نفسه والوسائل التي تعين عليه، بدءاً من الطاقة الكهربائية وخطوط إمداد الانترنت وصولاً إلي المقاهي العامرة والملاهي التي لا تنام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية