ترتبط ذكرى ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني في مصر عادةً بشعور سائد لدى معظم مؤيديها والمشاركين بها: الخيبة. لدرجة أصبح فيها الحديث العاطفي عن أيامها الملحمية شديد الابتذال والسماجة. الخيبة طالت كل ما هو مصري: تكوين البلاد، ثقافتها، تركيبتها السكانية، أجيالها الجديدة والقديمة. يبدو أن كل ما في مصر، وفق هذا المنظور، كان سيؤدي بشكل حتمي للفشل.
ولكن الثورة المصرية لا تحتاج كثيراً من العاطفة لقراءة أبعادها. بفضل يناير أصبح بالإمكان الحديث عن «ربيع عربي»، فالثورة التونسية، على أهميتها، ربما كانت ستبقى حدثاً محلياً محدود الدلالة، لو أنها لم تلهم الحراك الاجتماعي في مصر. وعلى الرغم من أن ثورة يناير كانت محظوظة بتوفر تغطية إعلامية كثيفة ومتعاطفة، إلا أن ضخامة الحدث وفرادته لم تكن قابلة للتجاهل، وهي التي فرضت الاهتمام العالمي بما يجري في بلد أثبت أنه لم يفقد حيويته، رغم تراجع مكانته السياسية والثقافية بشكل كبير.
الأهم من هذا أن الحدث المصري قدّم مؤشرات مهمة على الأنماط الممكنة للحراك الاجتماعي في القرن الحادي والعشرين، فبعد «الثورات الملونة»، التي لم تحمل كثيراً من الدلالات، نظراً لمحدوديتها وضيق أفقها الاجتماعي، جاء الربيع العربي، بفصله المصري الأكبر، ليقول الكثير عن طبيعة عصرنا. المسائل التي طرحتها يناير بشكل عملي بقيت ملازمة لكل حراك اجتماعي داخل العالم العربي وخارجه، من مظاهرات «احتلوا وول ستريت» ودول جنوب أوروبا، وصولاً إلى «السترات الصفراء» واحتجاجات الفلاحين الأوروبيين: «الثورة بلا قائد»، «التنظيم الشبكي»، «احتلال الميادين»، الديمقراطية التمثيلية مقابل سلطة «الشارع»، تنوّع العناصر المشاركة وغياب طبقات لذاتها في الحراك، ضمور الخطابات الأيديولوجية الواضحة والمتماسكة، إلخ. ورغم أن هذه المسائل تم طرحها ومناقشتها منذ عقود كثيرة، إلا أنها تجسّدت بصورتها الأوضح، والأكثر تكثيفاً وإشكالية في مصر. ليس من الضروري أن تكون يناير ثورة ناجحة كي تصير الحدث الثوري الأبرز حتى الآن في قرننا. حتى ما عرفته من فشل وخيبة وثورة مضادة ومحاولات إعادة بناء النظام القديم، له أهميته بإظهار الدلالات المعقدة لمفهوم «الثورة» المعاصر. فما هي أهم هذه الدلالات؟ وهل انسداد أفق الحراك الاجتماعي، وخيبته الحتمية، هو إحدى سمات ثورات عصرنا؟
الحديث عن «صراع أجيال»، مع ظهور مصطلح «الشباب» بوصفه مقولة سياسية ذات أهمية كبيرة، لدرجة بدت فيها الثورة نزاعاً بين الأجيال الشابة والدولة المصرية الهرمة
تحلل مواطن الثورة
تمّيز المسار الثوري الذي مرّت به مصر، منذ ظهور حركات رفض التوريث واندلاع الاضرابات العمالية الأولى، مروراً بأيام الثورة العاصفة، والموجات الاحتجاجية اللاحقة، والصراعات الانتخابية والدستورية، وصولاً لانقلاب 30 يونيو/حزيران، بتراكب مستويات متعددة من التوتر الاجتماعي والثقافي والسياسي، يمكن قراءة ثورة يناير بوصفها تحركاً لأجل الديمقراطية، في بلد عانى من الديكتاتورية طويلاً. ويمكن التركيز على أبعادها الطبقية، بوصفها تمرداً قام به ائتلاف من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب فئات من الطبقة العاملة غير المستقرة (البريكاريا)، والطبقة العاملة الصناعية التقليدية.
يمكن إلى جانب هذه التحديدات الكلاسيكية إضافة أنماط أخرى من الصراع: الصراع على تشكيل الفضاء المديني، من خلال حرب السيطرة على الميادين والشوارع الرئيسية، فضلاً عن التحركات في المناطق الشعبية والعشوائية، و»غزو» بعض مظاهرها للأحياء الواقعة وسط القاهرة، وبقية المدن الكبيرة. كذلك يمكن الحديث عن «صراع أجيال»، مع ظهور مصطلح «الشباب» بوصفه مقولة سياسية ذات أهمية كبيرة، لدرجة بدت فيها الثورة نزاعاً بين الأجيال الشابة والدولة المصرية الهرمة.
شهدت يناير أيضاً بروز مطالب فئات خاصة في الحيز العام المستجد، لم تكن ملحوظة بشكل كبير في ما مضى، وعلى رأسها مطالب النساء، وإلى حد ما المثليين وبعض الأقليات المنسية مصرياً. ثقافياً ترافقت الثورة بتجارب أدبية وفنية وإعلامية، غيّرت كثيراً من المفاهيم وأساليب التعبير المستقرة في مصر والعالم العربي. وعلى الرغم من أن العمل على الصعيد البحثي والفكري لم يشهد تطورات كبيرة، إلا أن الثورة كانت فرصة لكثير من الشباب لتطوير اطلاعهم على مختلف المدارس الفكرية في مجالات متعددة.
كل ثورة في التاريخ كانت لها جوانب وأبعاد شديدة التنوع والاتساع، إلا أن السمة الأساسية في يناير هي، عدم وجود بؤرة مركزية يمكن تعريف الثورة من خلالها. يبدو أن الميادين الأساسية للاجتماع المديني، التي كانت قادرة على إطلاق الثورات الاجتماعية، تفككت بشكل كبير، لدرجة بات من الصعب اندلاع ثورة تحملها كتلة اجتماعية واضحة، تمتلك حداً أدنى من التماسك، وتسعى إلى مجموعة من الأهداف، تعبّر عن مطالبها ومصالحها. يمكن تحديد ميدانين أساسيين أدى تفككهما لهذه الحالة: مواطن العمل والحيز العام التقليدي. ثورة يناير لم تخرج من المعامل أو الحقول، ولم يلعب التجّار والصناعيون دوراً مهماً فيها، كما حدث في ثورة عام 1919. فضلاً عن أن الأحزاب والنقابات والتنظيمات الطلابية لم تكن المحرك الأساسي لها. لا حزب «وفد» جديد يقود الأمة المصرية في ثورتها. هذا التفكك ليس سمة تخصّ مصر وحسب، بوصفها بلداً عالمثالثياً، فانحلال الحيز العام ومواطن العمل ظاهرة عالمية، طبعت الاحتجاجات الثورية حول العالم. يناير كانت أول تجسيد واضح لسيولة يبدو أنها ستلازم طويلاً الحراك الاجتماعي في قرننا.
أشباح جديدة
إلا أن يناير لم تأت من العدم، وتفكك الميادين الاجتماعية التقليدية لا يعني أن المجتمع قد زال. إلى جانب المصانع وما تبقى من مؤسسات الحيز العام، خرجت الثورة أساساً من مجالات حياتية يصعب حصرها: تجمعات سياسية وثقافية هامشية، أحياء عشوائية، شبكات تواصل افتراضية، منظمــات مجتمع مدني، علاقات قرابة وجيرة، إلخ. هذا التشتت الكبير كانت له بعض الإيجابيات، فقد جعل الثورة تستمر على شكل موجات متلاحقة يصعب إخمادها، هزّت استقرار كثير من البنى السياسية والاجتماعية التقليدية، فأصبح من الصعب وجود فئة أو مؤسسة قادرة على استعادة الاستقرار. التعويل على الجيش كان بديهياً في سياق الثورة المضادة، باعتباره المؤسسة الصلبة الوحيدة الباقية في البلاد.
لم تكن يناير خاوية تماماً من الابتكارات الثورية الملهمة، ولعل أهم ابتكاراتها تكريس مبدأ احتلال الميادين العامة.
استطاعت المؤسسة العسكرية سحق جانب كبير من الحيوية الاجتماعية التي أنتجت يناير، ولكنَّ هذه المؤسسة تعاني مشاكل كبيرة في تحقيق الهيمنة الأيديولوجية، وربما كان التهديد بالفوضى ورقتها الأخيرة. من شبه المستحيل حكم بلد مثل مصر بالعنف المحض، كما أن محاولة سحق مجتمع فتي، شديد التنوع، لا يمكن أن تصل إلى نتائج حاسمة. لم تعد آليات السلطة قادرة على استيعاب ديناميكية تجمعات بشرية لا مراكز ثابثة لحركتها وتواصلها، وهذا قد يؤدي للفوضى، كما يهدد النظام، أو قد يكون منطلقاً لتغيير لا يمكن استشراف ملامحه الآن. على الرغم من أن السلطة المصرية متخلّفة في آليات السيطرة والهيمنة، فإن الحالة التي أظهرتها ثورة يناير ومآلاتها، يمكن تعميمها حتى على الدول الأكثر تطوراً في هذا المجال. المؤسسات والثقافة السائدة عالمياً ليست قادرة على تطويق أشباح التمرد الجديدة، التي تتكاثر في كل مكان بدون انقطاع. فكلما خمد احتجاج، يبرز احتجاج آخر، من مكان غير متوقع.
الثورة بوصفها احتلالاً
لم تكن يناير خاوية تماماً من الابتكارات الثورية الملهمة، ولعل أهم ابتكاراتها تكريس مبدأ احتلال الميادين العامة. وبعيداً عن الأبعاد المباشرة وشبه المباشرة لهذا الفعل، مثل إعادة إنتاج الحيز العام، بأكثر معانيه المادية والجغرافية بساطة وحضوراً، فإن الاحتلال، قد تكون له دلالات اجتماعية وسياسية أكثر عمقاً: إذا كان البشر مجبرين في ما مضى على التجمع في مؤسسات انضباطية معينة، شكّلت في الوقت نفسه الفضاء المتاح لتمردهم، فإن تفكك هذه المؤسسات يدفعهم إلى محاولة ابتكار أساليب جديدة للتجمع والتوحد، أكثر طوعية وتحرراً هذه المرة. الحل المصري كان احتلال الميادين، بوصفها المكان الذي ينتزعه البشر من السلطة كي يلتقوا فيه، فيصبح دالاً على وحدة لم تعد ممكنة في الأحوال العادية. وهو حل كان ملهماً لكثير من الحركات الاجتماعية حول العالم. وبعد أن كانت الثورات عموماً تركّز على «التحرير»، أصبحت تسعى اليوم لـ»الاحتلال».
مفهوم «الاحتلال» على أهميته يعاني من مشاكل بنيوية: كيف يمكن الحفاظ على الساحات ممتلئة، بدون تنظيم متماسك وقيادة واضحة؟ هل يمكن أن تصبح المساحة العامة موطناً لسلطة بديلة؟ وما السبيل لحلّ الإشكال بين فردانية المتجمهرين في الميدان، واحتفائهم بخصوصيتهم، والروح الجماعية الضرورية في المساحات العامة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكون حاسمة لمستقبل الحراك الاجتماعي على الصعيد العالمي، وقد يؤدي تراكم التجارب إلى خلق أنماط جديدة من الممارسة الثورية، يصعب تخمينها مسبقاً. في كل الأحوال قدّمت يناير، سواء اعتبرناها ثورة ناجحة أم فاشلة، الملامح الأولى لطبيعة التمرد في عصر لم تتضح معالمه بعد، وهذا يجعلها في رأينا حدثاً تاريخياً مركزياً يصعب تجاوزه.
٭ كاتب من سوريا