ينحرف نحو هيئة رصينة ويتوقف فيها
محمد أحمد عثمانينحرف نحو هيئة رصينة ويتوقف فيهامرسومان بحس مفرط بالكمال: استدارة كاملة وسوداء للعينين رأس صغيرة ومدببة للأنف، بشرة صافية، وجنات ممتلئة، خطوط رقيقة للفم والحواجب، فروة، لا سوداء ولا كثيفة للرأس، لكن بلمعة أمامية تنفصل عن انسياب، إضافة لذلك، لونان موضوعان بضربات فرشاة متأنية: أصفر للقميص، أخضر للبنطال… ما قد يحمل من يراهما، للمرة الأولي، بين جدران المكتبة، وبهيئتهما هذه، علي الظن أنهما ينزلان من إحدي القصص المصورة المركونة علي احد الرفوف لولا أن وجودهما اللامتصور، هنا مصحوب دائماً بشواهد تعطل مثل هذا الظن، من هذه الشواهد:1- عدم وجود ركن خاص بالقصص المصورة في هذه المكتبة.2- أنهما – وهذا الأهم – بلا قصة يؤديانها، بلا يوم بحقيبة أو واجب مدرسي، وبلا حدود عاقلة للعبث، لكن بأصوات حية وبخبطات يد سريعة مع أنها لا تؤذي، وبضوضاء تلتبس في ذهن من يسمعها للوهلة الأولي، بصوت إنفجار كأس. لكن سرعان ما تكتسب تركيبة متمايزة: مزيج من الضحك والصراخ، يسند من الأسفل بأقدام في أحذية صغيرة تُصدر قع، قع، قع مكتومة علي الأرضية المغطاة بالموكيت.. تصلني ضوضاء هما الآن من بعيد، يصلني اقترابها، تصل، تتوقف في مكان قريب: وراء ظهري مباشرة، أتظاهر بالانهماك في القراءة، بعدم سماع شيء، الصوت المنطلق والواثق ذاته، تلمس أنفاسه كتفي: نخبط رأسه؟ كالمندفع نحو قطعة حلوي يسارع الآخر بالموافقة: نخبط رأسه! فيما أكون قد شرعت أُعَّد- في رأسي- الانتفاضة المتأخرة عن الموعد التي سأؤديها أمامهما. قبل ذلك، في داخلي، أمل أن لا تكون الخبطة قوية فتؤذيني، لكن في الصوتين ما يدعو دائماً إلي الاطمئنان أنها لن تكون أكثر من لمسة منديل، تكون كذلك، باستثناء أنها ليست واحدة إنما اثنتان لمستا منديل ناعمتان، تعقب إحداهما الأخري علي قفاي، مصحوبتان بانبلاج ضحكة مزدوجة بعدها- وقبل أن يتسني لي الالتفاف إلي الوراء لمفاجأتهما، يظهران أمامي: أحدهما صغير وأسمر والآخر أبيض وأكبر قليلاً لكن لهما العينين السوداوين المدورتين ذاتهما، الأنف الصغير المدبب ذاته، فروة الشعر، التي يتوقف انسيابها عند منتصف الجبين، ذاتها، اليدان الصغيرتان.. تسارعان إلي الإندساس في يدي في حركة مباركة حارة علي الخدعة التي انطلت عليّ!! مبادرة أحدهما إلي التعريف بنفسه: أنا شعيب، تقليد الآخر: أنا أمجد.. اتساع الشقين، الرقيقين اللذين في وجهيهما، يسرب ابتسامة كبيرة من بين صفين من أسنان لبنية صغيرة ومنتظمة.. لكن أبني من..؟ لا يجد سؤالي محفزاً للاكتمال، لأن يديهما تسحبان قبل مشاهدة الشق الذي في وجهي يتسع.. يحملان ضجيجهما إلي مسافة ليست بعيدة ويتوقفان هناك، يتآمران بصوت مسموع: نروح نخبط رأس أذاك؟ وتشير سبابة متناهية الصغر في يد أحدهما نحو قارئ في الجناح المقابل. نروح نخبطه! من مسافة أبعد- وفيما أكون قد عدت إلي القراءة – أسمع اندلاع الضحك. أسمع.. أنا شعيب.. أنا أمجد.. أسمع سؤالاً منزعجاً، متذمراً علي الأرجح: هذه مكتبة ولا حضانة أطفال؟ أرفع نظراتي عن الكتاب، ألتفت، أري قارئاً يجلس إلي الطاولة التي يجلس إليها من تلقت قفاه لمستي المنديل، أراه يتلفت، يفتش في الوجوه الصغيرة عن إجابة، في الوجوه الكبيرة عن علامة تضامن مع انزعاجه.. تتراجع نظراته محملة بخيبة أمل، استغراب من حياد الناس يتحول إلي استغراب من نفسه. شيء يشبه التأثم يدفن مع نظراته في بطن الكتاب.. أسمع سؤالاً مكتملاً: أبني من أنتما؟ لا جواب، وكأن آذانهما مبرمجة علي عدم سماع سوي صوت ضجيجهما وحده، ينتقل مرحاً وغزيرا من موضع إلي آخر داخل هذا المكان الذي – من سنوات – لا يكنز فيه غير الصمت – يذهب الضجيج إلي نهاية الممر الفاصل بين الجناحين الرئيسين للمكتبة، إلي حيث سمعته أول مرة، جوار مكتب أمين المكتبة علي الأرجح وهناك أسمع: نخبط رأسه؟.. نخبط رأسه.. لا أسمع شيئاً.. هاهاها صغيرة.. أنا شعيب.. أنا أمجد… لاأسمع شيئاً… أبني من أنتما؟ أسمع الصمت الذي يمتد للحظة، يقطعه صوت إنفجار كأس: ضجيج يقلد أوله. يتمايز، يتضمن هذه المرة نغمة جديدة: كركبة معدنية.. تقترب الكركبة، تصل إلي أذني من مقطع من الممر محاذٍ للجناح الذي أجلس فيه، أدير وجهي، أري كرسياً بقوائم معدنية وعجلات، علي ظهره يجلس أحدهما، ذاك الذي يقول أنه شعيب، الآخر يدفع الكرسي من الخلف، كل هذا دون كف عن الضحك والصراخ، احتفظ بوجهي بموازاة وجوه الرواد الآخرين، لا ألمح تكشيرة، لا وجه مرفوع عن كتاب، حتي وجه ذاك الذي أبدي تبرمه. ألمح، فقط، بسمة خفيفة، مستلطفة تقريباً، بانحراف متساوٍ علي جميع الوجوه. المح أيضاً الكرسي عائداً في الاتجاه المعاكس، هذه المرة يعتليه ذاك الذي يقول أنه أمجد. الآخر يدفعه من الخلف، يجتاز الكرسي المقطع المحاذي قبل أن يغيب عن عيني، إنحرافة طفيفة عن مساره تقوده إلي الاصطدام بصندوق للفهارس مركون إلي جانب الممر. تتضاعف الإنحرافة علي نحو مباغت ويتوقف الكرسي، بالتزامن وبنفس الدرجة تقريباً ينحرف وجه الجالس علي ظهره نحو هيئة رصينة ويتوقف فيها: أنت تموت؟ يسقط السؤال في أذن المنحني إلي جوار الكرسي في وضع من يصلح عطلاً، لا أنا ما موتش، وأنت؟ يرتد نحو الأعلي.. أنا ما موتش كمان.. يسترد الوجه الجالس اتجاهه، ينصهر مع الوجه الآخر في مسار ضاج يتواري خلف الرفوف..قاص من اليمن0