ينزلون من الرحبة لحسين سليمان: تأمل في وقائع الثمانينات السورية
ينزلون من الرحبة لحسين سليمان: تأمل في وقائع الثمانينات السوريةالقاهرة ـ القدس العربي : عن دار رامة للنشر والتوزيع في مصر صدرت رواية ينزلون من الرحبة للكاتب السوري المقيم في أمريكا حسين سليمان. تنهج هذه الرواية الطرائق غير الكلاسيكية في أسلوبها وفي نظرتها للعالم، حيث مستويات السرد المتعددة والزمن الحاضر، لحظة الآن التي ينطوي في داخلها العالم كله. تتلاقي العوالم معا ويحضر الخارج والداخل والماضي والمستقبل معا ولتشكل كل هذه آنية واحدة، الحالة الوجودية لكائن الرواية. قلعة الرحبة التي تقول الوثائق إنها قديمة ـ أربعة آلاف عام، تصر الرواية علي أنها قد بنيت أثناء إشادة الأرض.إنها الحد الفاصل بين عالم المادة وعالم الغيب، المكان حيث يتلاشي فيه الزمان. في حدودها الغربية يسكن الجن الذي أفشي عن طريق الجنية هجع مفهوم الحب لبني الإنسان. وقد كان مداد الابن الأكبر أول الهالكين به ذلك حين أراد لقياه، إلا أن هجع التي تصاب باللوعة والندم تطير إلي أسوار الرحبة كي تلتقي أخاه وملهم الراوي رطب تعلمه أسرار الحب وتتزاوج معه. النزول من الرحبة هو النزول الميثولوجي لا كما نقله الميراث بل هو النزول الباطني نحو أعماق الإنسان والذي بناؤه في الأساس هو بناء أنثوي. فالأم (خود حواء) ظلت في الرحبة، لم تنزل وتتبع زوجها (سنان آدم) الذي أراد اكتشاف الأرض الجديدة وملاحقة تحولات النهر. لقد أصابه الحنين والشغف إلي زوجته، فظل يحلم بها حتي ظن أنها لحقت به فراح يبحث عنها عند شواطئ النهر دون جدوي. وسبعة أولاد، أربعة منهم لازموا أمهم (خود) أما الثلاثة الآخرون فقد نزلوا مع الأب (سنان) واغتاظ الأب فراح يبحث عن ابن آخر كي يتساوي عدد أبنائه مع أبناء خود وحين وجده نام ليلته قرير العين لكنه سرعان ما اكتشف تحول الابن إلي امرأة فاتخذها سنان زوجا له. الحب في الرواية مبني علي الرابط الباطني (الحبل السري) وتحضر الأخت (سارة) حضورا طاغيا حيث تأخذ الدور الذي كانت تأخذه (خود) الأم الكبري، هذه الأم التي تتماهي مع القلعة حتي تمسي هي الرحبة ذاتها، يرمز لها النسر المحلق عند أضلع الجبل من آن إلي آخر. وتعوضها في الأرض سارة التي تظهر بأوجه متعددة فهي في المهجر الأمريكي (سيرا) ابنة بلدة تامب بول أول من يلتقي بها الراوي. جاء إهداء الرواية يعزز هذه الفكرة، أهداها المؤلف إلي أخته: (إلي روعة سليمان تتشابه القلاع حنين في قلبها إلي الذين هجروها بحجة النهر والأرض الجديدة…) في إشارة إلي أن سارة الأخت الكبري والتي تعوض الأم الغائبة والأب المشغول ليست سوي الأم خود وهي ذاتها قلعة الرحبة تتشابه القلاع الرابضة تراقب النهر وتحرس سكانه. تحتفظ (خود) في قلعة الرحبة بكتاب الدين، وحين يصعد إليها إبراهيم الأعمي كي يسترده يقع بين يديه كتاب شمس المعارف، فيظنه كتاب الدين، في إشارة أيضا إلي أن الدين النقي يبقي في الأعالي ولا ينزل أو لا يمكن استيعابه من قبل سكان النهر! التقاء الراوي (صوفي) مع رطب جعله لا يبرح عالم الطفولة لذا فالرؤية الكلية للعالم هي رؤية طفل لن يقبل دخول عالم البالغين. وتندب الراوية موت الحب أو اختناقه وذلك عن طريق بندول الزمان، العمة لابسة السواد القابعة في زاوية الغرفة، إحدي رموز الرواية الكبري بالإضافة إلي الأخت سارة أو الأم خود، العمة التي تمتد جذورها إلي هجع، فهي العمة نزهة التي كانت تزور حبيبها المقيم في الشاطئ الآخر لكن الناس والعشيرة النازلة الذين تتبعوا المحبوبة جعلته يختار مرغما الغرق في النهر خوفا من الفضيحة التي ستنال حبيبته نزهة. دوما يموت الحب قبل اكتماله فإما بالغرق في نهر الفرات وإما بالحرق. وأن تسكب المحبوبة علي جسدها الكاز وتشعل النار فيه. لا تتبع الراوية خطا دراميا يجذب القارئ لكنها تقوم ببناء المشاهد والرموز كي تخلق حالة ً لا قول فيها، لذا يصعب قراءتها قراءة كلاسيكية، تتغير فيها الحوادث والأقوال وقد يعاد الحدث بصيغة معكوسة. لقد تكلمت الراوية عن طبيعة الحياة ولم تقص الحياة. تتأمل الرواية أحداث الثمانينات في سورية حيث تستلهم لوحة للفنان الحلبي الراحل لؤي كيالي والتي أحب الراوي تسميتها بالمستلقية ويصف فيها حالة حلب من هو جمال باشا الذي يدور في شوارع حلب اليوم؟! ابننا جمال باشا وليس ابن أتراك، ابن عرب السفاح في شوارع حلب، لو أنك يا لؤي كيالي انتظرت ساعات وأياما لرأيت بأم عينك كيف حال المستلقية! وتدين الرواية الحرب والشغب ولا تشير بإصبـع الاتهام إلي جماعة دون أخري، فالكل متساوون بإشهــار الموت إذا دق علينا الباب اخوان مسلمون أنت بتطلع عليهن وبتقلهن نحن من دير الزور، واذا دق علينا وحدات خاصة أنا بطلع عليهن وبنقلهن نحن من جبلة. هيك بنسلم من الاتنين . إعصار آليشا الذي ضرب مدينة هيوستن في تكساس، حيث وصل الراوي صوفي هربا مع رطب الذي تبعه راكبا جناح الطائرة النسر في ربط مجازي إلي أن الخراب هو واحد إن كان من الإنسان أم من الطبيعة. خراب ودمار في كل مكان. وتصف الرواية حالة الجالية العربية المشرذمة، لا تعاون بينها. فالعربي يحفر لأخيه، مما جعل الصوفي يحفر أيضا حفرة في الشارع أمام أحد محلات أصدقائه المنافسين. فهو بعد ذلك سيغتني ويعود إلي سفح الرحبة كي يبني دولة له وحده. هل يعود؟ الأم والأخوة يسألونه العودة لكن الخوف والوهم يلاحقانه فهو يظن أن هناك من ينتظره كي يقوده إلي الموت، الوطن الموت. ينحو السرد منحي شعريا، ويحاول إلغاء الزمان والمكان الواقعيين لصالح الزمان والمكان الميثالوجيين ويبحث عن وحدات العمل ويقيم التشابه بينها. وقد استند في هذه التقنية علي المجاورة وطي المسافة والقطع المفاجئ، كل هذه استدعت وجود أكثر من صوت في الرواية. والقراءة ليست قراءة معرفية ـ معلوماتية بل هي قراءة تأملية، تحضر فيها المعلومة لبناء التصور العام عن العمل. 0