يهودية الدولة مصلحة فلسطينية!

حجم الخط
0

يجري التفاوض السياسي يلفه ضباب تظهر منه أخبار متناقضة: التفاؤل من قبل جون كيري والتشاؤم من قبل بنيامين نتنياهو ومحمود عباس. وقد يساعدنا تقرير صحفي نُشر في المدة الاخيرة في صحيفة ‘نيويورك تايمز’ على تبيين التناقض إذ تقول إنه في حين يتنازعون عندنا في غور الاردن أصبح الطرفان أقرب الى اتفاق في قضية الحدود والترتيبات الامنية. ويكمن الاختلاف في طلب الاعتراف بأن اسرائيل دولة يهودية، ويبدو هذا غريبا في ظاهره لأنه اذا كان يمكن الاتفاق على القضايا العملية فلماذا التنازع في رواية تاريخية تتصل بالمجال الفلسفي من قضية الدين والقومية في اليهودية.
بيد أنه توجد ميزة في طلب نتنياهو، فهو أولا يشهد على جديته. وافق رؤساء وزراء سابقون على حل الدولتين، لأن صلتهم بالمستوطنات كانت أصلا عن مصلحة أمنية سياسية. وحينما غلب الجانب السكاني والازمة السياسية الفائدة من المستوطنات وافقوا على التقسيم. لكن التصالح على الاراضي عند نتنياهو ليس حيلة تكتيكية فقط بل هي بديل ايديولوجي. وإن تحقيق الهوية اليهودية الحديثة كما في تراث الحركة التصحيحية متصل من وجهة نظره بالسيادة في ارض اسرائيل الكاملة. وهو يستطيع أن يُسوغ تحولا ايديولوجيا فقط بأن يعرضه بأنه تحقيق لتصور ‘الجدار الحديدي’ عند جابوتنسكي: فقد اعترف الفلسطينيون بحق اليهود في ارضهم بعد أن أدركوا أنهم لن يهزموهم بالقوة؛ فحان وقت المرحلة الثانية من ‘السور الحديدي’ وهي المصالحة.
إن الفلسطينيين من جهتهم يثيرون ثلاثة تعليلات في الاعتراض على الاعتراف بأن اسرائيل دولة يهودية. وهي أولا أن هذا الاعتراف يعني موافقة على ظلم عرب اسرائيل في دولتهم. بيد أن اسرائيل تُعرف نفسها أصلا بأنها يهودية، وإن مكانة عرب اسرائيل الرسمية على الأقل لا تتضرر. والتعليل الثاني أن اسرائيل لم تطلب اعترافا كهذا من مصر والاردن وليس يعنيهم تعريف هويتها. وهذه ايضا دعوى متحذلقة لأن الصراع مع مصر والاردن كان على اراض وكان سياسيا في أساسه. وفي مقابل ذلك فانه ما لم تعترف الحركة القومية الفلسطينية بحق اليهود ايضا في جزء من ارض اسرائيل فسيستمر الصراع من جهة مبدئية حتى مع وجود التسوية. وتظهر المشكلة الجوهرية في التعليل الثالث وهو أن تعريف اسرائيل بأنها يهودية يفرض عليهم أن ينقضوا روايتهم التاريخية. وهذه دعوى مقلقة لأنها تُبين أن اليهود حتى في نظر الفلسطينيين المعتدلين لا يُرون أمة بل مجموعة دينية ولهذا ليس لهم حق أصيل في السيادة في أي جزء من البلاد.
إن الاسرائيليين الكثيرين الذين يزعمون أنه لا حاجة بهم الى اعتراف فلسطيني بيهودية اسرائيل، هم على حق، بيد أنهم لا يفهمون أن نتنياهو ايضا محتاج الى ذلك لا باعتباره شهادة صورة لدولته بل باعتباره برهنة على أن الفلسطينيين يقصدون إنهاء الصراع حقا. وهذا هو مفتاح فهم تصوره للصراع.
اذا كان الاعتراف بيهودية اسرائيل هو اللغم فقد يكون إبطاله في تبنٍ فلسطيني للحيلة التي يحبها قادة يمينيون اسرائيليون وهي استفتاء الشعب. لأن استطلاعات الرأي تقول إن أكثر الفلسطينيين بخلاف قيادتهم مستعدون لهذا الاعتراف، فيستطيع استفتاء الشعب في المناطق وبين يديه اتفاق سخي أن يكون خطوة تاريخية تكسب ثقة الاسرائيليين وتُمكّن نتنياهو من اقناع اليمين من غير أن يتخلى الفلسطينيون عن مطالب محددة. فالاعتراف بأن اسرائيل دولة يهودية اذا هو مصلحة فلسطينية واضحة ايضا.

هآرتس 8/1/2014

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية