د. عبدالوهاب الأفندي(1) تعيش بريطانيا هذه الأيام، ورغم تفاقم الأزمة الاقتصادية، جواً احتفالياً يصل قمته في عطلة نهاية هذا الأسبوع، حيث ستشهد العاصمة البريطانية ظهر الأحد أضخم احتفال من نوعه على نهر التيمز وضفافه عندما يحتشد مئات الآلاف لمشاهدة الملكة وهي تبحر على النهر بصحبة آلاف القوارب الكبيرة والصغيرة. وتعقب ذلك عطلة رسمية بمناسبة اليوبيل الماسي للملكة التي أكملت هذا العام ستين عاماً على عرش بريطانيا.(2)للبريطانيين أسباب إضافية للاحتفال هذا العام الذي يشهد صيفه استضافة العاصمة لندن للأولمبياد، مما سيجعل بريطانيا قبلة العالم لأكثر من سبب. ولعل اللافت هذه المرة هو أن خصوم الملكية في بريطانيا، وهم كثر رغم أنهم لا يزالون أقلية بالنظر لمجمل عدد السكان، باركوا الروح الاحتفالية في ظل مؤشرات على ارتفاع شعبية المؤسسة الملكية إلى مستوىً غير مسبوق.(3)تعكس المؤسسة الملكية البريطانية بدورها ما يمكن تسميته ‘الروح البريطانية’، وهي روح توافقية تصالحية، وتعايش سلمي بين المؤسسات، بخلاف الروح القطعية التي تميز دول مثل فرنسا. ويعكس هذا بدوره التطور التاريخي للبلدين، حيث أن الملكية في فرنسا سقطت في ثورة دموية أعدم فيها أفراد العائلة المالكة على المقصلة، بينما تراجع دور الملكية في بريطانيا بالتدريج، وبحسب صفقات توافقية مع خصومها.(4)في وضعها الحالي فإن المؤسسة الملكية البريطانية أشبه بكيان أسطوري، لأن دورها السياسي مفرغ من أي محتوى سياسي، بينما دورها الديني رمزي لدرجة الخفاء. وهذا هو الثمن الذي دفعته الملكية لضمان بقائها، منذ توقيع وثيقة الماغنا كارتا عام 1215، ثم ما سمي بـ ‘الثورة المجيدة’ عام 1688، وأخيراً التطورات الديمقراطية الحديثة التي كرست السلطة في يد البرلمان، حتى تلك التي بقيت اسمياً في يد المؤسسة الملكية، مثل تعيين رئيس الوزراء أو رئيس الأساقفة.(5)كنا قد ظللنا نردد حتى قبل انطلاق ثورات الربيع العربي أن الأنظمة العربية بالخيار بين مصير شاوشيسكو ولويس السادس عشر، وبين مصير غورباتشوف والملكيات الدستورية الأوروبية: أي إما الإصلاح والتخلي طواعية عن احتكار السلطة، وإما المقصلة والإعدام الفوري. وقد صدقت الأحداث هذه التوقعات، كما شهدنا من مصير القذافي ورفاقه الذين منهم من لقي مصيره المستحق ومنهم من ينتظر.(6)هناك فارق دقيق بين الخيارين، ولكن الفرق عظيم بين المصيرين. ما تحظى به ملكة بريطانيا (وملوك وملكات دول أوروبية أخرى من اسبانيا إلى السويد) من احترام وتقدير يختلف جذرياً عما تحظى به الدكتاتوريات السابقة والحالية من سخط الساخطين ولعن اللاعنين الأبدي. وهناك كذلك خيار واضح ولكنه بسيط، بين أن تكون مثل مبارك وبن علي والقذافي، أو أن تكون مثل نيلسون مانديلا وأوسكار أرياس (رئيس كوستاريكا الأسبق) وفاسلاف هافيل وغيرهم من الزعماء الذين نقلوا بلدانهم إلى رحابة الديمقراطية ثم اختاروا التخلي الطوعي عن السلطة.(7)للأسف فإن معظم الدول العربية ظلت تسير في الاتجاه المعاكس. ففي الوقت الذي كانت فيه دكتاتوريات جنوب وشرق أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا وافريقيا تتهاوى لصالح ديمقراطيات مزدهرة ومتصالحة، كانت الملكيات ‘الدستورية’ العربية تتجه نحو أن تصبح مطلقة، والجمهوريات تتحول إلى ضيعات وراثية. أما الملكيات المطلقة أصلاً فحدث ولا حرج.(8)ولكن كل ما نجحت فيه هذه الأنظمة كان تأخير ساعة الحساب، ورفع فاتورته. فكلما طالت فترة الظلم والقمع، كثر الضحايا وزاد السخط، ثم أصبح السقوط مدوياً ودامياً أكثر.(9)يكفي فقط أن نتابع شاشات التلفزة الأحد القادم، لنرى مشاهد الاحتفال والابتهاج والرضا على نهر التيمز في نهار صيف لندني رائع، مقابل مشاهد الدمار والقتل والدماء والحقد بين دمشق وحمص ومدن سوريا المنكوبة الأخرى، لنعرف كيف ستنتهي كل قصة.