يوتوبيا التطهر ونوستالجيا المكان في رواية «رأس الرجل الكبير»

حجم الخط
0

في رواية «رأس الرجل الكبير» للشاعر والروائي السوري عدنان فرزات، ثمة ارتباط بين العودة إلى مرافىء الروح المتمثلة في نزعتها الإنسانية المتطلعة إلى التطهر، وإن كان ظاهريا ً، وبين المكان بما تمثله أبعاده الجغرافية والتاريخية الضاربة في عمق وطن تختلط فيه شجونه وآليات مفرداته الدالة على مدى الارتباط، ومن ثم الولوج فيه كمتكأ روحاني/ مادي تستند إليه قدرة الكاتب والروائي على إماطة اللثام عن بعض الحقائق الثابتة والموروثة والمزيَّفة على حد السواء، سعيا ً نحو الكشف عن مخبوء ذاك التاريخ وذاك المكان، وتلك النفس البشرية التي يسعى النص الروائي حثيثا ً لاستبطان مشاعرها، وتجسيد محاولات عودتها إلى فطرتها السليمة التي جُبِلت عليها، أو ربما محاولة تطهرها، من خلال صنع عالم خاص من اليوتوبيا التي تأخذ في احدى سماتها هذا البعد غير الممكن تحقيقه، لتغيير وضع المكان الشائه، بعد المرور بإحداثيات وجودها عبر عنصري الزمان والمكان كعنصرين متلازمين ومتداخلين يفرزان حتما ً نوعا ً من التكامل بين جغرافية المكان وتاريخه من ناحية، وبين الذات التي تحاول إحياء ذكرى طقوس تطورها على أنقاض جغرافيتها وتاريخها الخاص الذي يرتبط بالتاريخ العام للوطن/ المكان الذي تتحرك عليه ومن خلال رموزه المكانية والتاريخية المرتبطة بأحداث النص الروائي، ومن ثم محاولة تبرير تلك النزعة إلى التطهر بالعودة إلى الروح الكامنة بالنفس والمكان معا ً، والتي تأبى أن تمر تلك الإحداثيات والفعاليات دونما العودة إلى جذورها وحقائقها المروِّعة التي تحاول نزع القناع عن الوجه الزائف لتلك السيرة والشخصية، أو النتيجة التي قد تبدو طبيعية في ظاهرها، غير طبيعية بالمرة تبعا ً لما أفرزه جوهرها، وأدى إليه، ربما بالمراوحة بين جلد الذات، ومحاولة التماس الأعذار أو التبريرات..
تلك هي الإشكالية التي يمكن الولوج إليها من خلال النص الروائي، الذي يفتتحه سارده، بالحكي عن المسرود عنه، أو شخص النص الرئيس الذي تدور كل الفعاليات من خلاله وبداخله، وحوله من خلال الارتباط ببعض الشخوص والعلامات، ومن خلال جذر أصيل في متن الحياة/ النص، وهو المكان الذي يعود إليه بعد صناعة عالم جديد مغاير خاص، ليصير المكان بمفرداته وسماته الثابتة والمتغيرة معا محرِّضا ً على التطهر، وذلك بالعودة إلى نقطة البداية، ومن ثم محاولة الالتحام بالفئات التحتية للمجتمع، والتي خرج منها وعلى أنقاضها، ليعود ملتحفا بثرائه وإحداثيات وجوده الجديد من الداخل في علاقة تقابل مستمرة بين ما يحويه الداخل ونقيضه الذي يمثله الخارج، وذلك من خلال قناع جديد مغاير..
«راح يراقب الفراشة التي انطلقت عبر النافذة، وهي تنضم إلى سرب من الفراشات كان يحوِّم حول مصباح الشارع الشحيح، والذي طالما درس صهيب تحت ضوئه عندما كانت صاحبة المنزل تقطع الكهرباء عن الغرفة حين كان يتأخر عن الدفع» ص15 .
تبدو هنا المفردات الدالة على المكان الداخلي الصغير/ المنزل القديم المتداعي، الذي يعود إليه المسرود عنه بذلك الحس الإنساني المغاير، الذي يعيد عليه تفاصيل التاريخ الذي لا يُنسى وتتداعى دقائقه لتصنع تفاصيل تلك الحياة القديمة الداخلية الموازية لحياة أخرى جديدة تلعب معها ـ من خلال السرد ـ عملية تبادل الأدوار بين التخفي والظهور على سطح النص:
«.. نظر إلى الفرق بين الحذاءين، تلك مسافة عمرها عشرون عاما.. أنّب صهيب نفسه وهو يتذكر حجم الثروة الفاسدة التي تفصل بين النعلين» ص16 .
هنا يقفز السرد قفزة هائلة ليضع علامات الاستفهام في وجه قارئه، وهو مما يميط اللثام عن فعاليات هذه الفوضى المحكمة التي أشاعها الحاكى بسرد تفاصيل المكان المتهريء، ليضع الأمور على محفة الاستفسار والعجب، فمن أين يأتي هذا الفساد، والشخصية ترفل في حلل الثروة والتواضع معا، سعيا ً نحو إدراك الثواب والعِوض ممن هم دونه من الفقراء..
«حلب مدينة تعطي كل شيء حقه، مثل امرأة ملتزمة لكنها تجيد التبرج لزوجها في الليل كما يجب.. حلب مزيج من كل شيء، تماما كما لو ملأت جيبك بحبات من ألوان مختلفة، وفي كل مرة تسحب يدك من جيبك، تخرج حبة ذات لون جديد..» ص32
لتطل ذكريات الماضي/ التاريخ الخاص، من خلال شقوق المكان/ جغرافيته التي ينتقل إليها السرد بخفة واعية بأثره على الذات، ليعود السارد بالزمن بآلية سرد كاشفة تميط اللثام عن الشخصية؛ ففلسفة الفقر ـ في هذا النص الروائي ـ وطقوسه ومفرداته وصوره من معاناة ومكابدة
* نوستالجيا المكان
من باب العودة أيضا ً إلى تفاصيل المكان وطقوسه المغايرة المتبدلة، والحنين إليه، ثمة شخصية روائية أخرى، تقطع خط السرد المتنامي بطوله مع الشخصية الأولى «صهيب»؛ لتشكل خطا ً آخر متوازيا ً سرديا ً، ولكنه يتقاطع نفسيا ً وإنسانيا ً مع الخط الرئيس، بحيث تلج الشخصية «عادل/ الشاعر/ المثقف/ الصديق» على عكس هوية واتجاه صديقه مزوِّر التاريخ أو لص الآثار الذي صعد السلم الخلفي للثروة وسلطة الوجود القوي في الحياة، ليكون اللقاء حميميا ً على أرض/ واقع/ مكان مشترك، بالرغم من المساحات الشاسعة بين الشخصيتين (؟!)
«كان يزور أماكن بينه وبينها حكايات دافئة، كغرفته القديمة في بستان الزهرة، الملاصقة لغرفة صهيب الفقيرة، ومقهى القصر، والفندق السياحي، والأحياء القديمة المقابلة لقلعة حلب، قبل أن يستريح في مقهى أمام القلعة، فوق مقاعدها المصنوعة من القش بعد جولة في خان شونة» ص56
فثمة شخصية مغايرة، هي شخصية العائد الثاني، أو «القادم الآخر» ـ كما قدمها النص الروائي ـ ارتقت بذاتها خارج حدود المكان الواحد/ الجذر الذي جمع بين الشخصيتين، لتبني ذاتها خارج تلك الحدود، إلا أن نزعة التطهر والتماس المكان الذي يغفر له خطيئاته، والتي ربما غلفت سلوك شخصية صهيب، باقترانه واقترابه من هذه الفئة المهمشة المطحونة من الناس بقاع المجتمع، تغيب وتعود للظهور على أعتاب حوار ساخن بين الصديقين، في مواجهة أخيرة، تتكشف فيها كل الخيوط، وتبدو على محك نهاية محتملة قد تكون لها دلالتها العميقة، حيث يبدو الصديقان كوجهي العملة الواحدة، أو الذات، والضمير/ الصوت الآخر الذي يتردد بداخل تلك الشخصية المستلبة والمسلوبة في نفس الوقت من خلال ارتباطها بالمكان وبعدها عنه في نفس الآن:
«ظل صهيب مطرقا، ولكن عادل لم يشعر بالذنب بقدر ما أحس بالألم على صديقه الذي يعرف عذاباته: ـ هل ما زلت تعيش أسبوع الفقراء؟
رفع صهيب رأسه متنفسا بعمق كمن كان رأسه غاطسا في الماء. شعر بأن هذه الجملة أعادت إليه قليلا من مشروعية ثروته، أومأ بعلامة الإيجاب» ص150
حيث يلعب الإيهام بنزعة التطهر دورا مخاتلا ً ومراوغا ً في تشكيل/ تضليل وعي الشخصية، لمواصلة سيرها في الطريق الذي رسمته لها الأقدار، وتمادت فيه، سعيا ً نحو نهاية محتومة للكشف عن هوية الزيف والخداع، ربما عانقت فكر الثورة على الفقر والفساد، وأجواء التظاهر والانتفاضة على الحكم الظالم، والذي يلتصق بمعنى الحرية التي سُلبت من شخصية النص الرئيسة على الرغم من حيازتها للثروة والسلطة معا ً عن طريق التزوير والتدليس وطمس معالم الحقيقة، وحيازتها للتاريخ بالسرقة والتعتيم على الحقيقة التاريخية للرمز المتمثل في رأس تمثال الحاكم أيا كان مسماه، وان كان في صورة الاحتفاظ برأس التمثال الأصلية والتي لا تشفع له في النجاة، محاولات استنجاده العبثية بها في نهاية أحداث النص الروائي، برغم محاولة التمسح في نزعة التطهر، وتجسيد التوهم بخلق عالم مغاير..

*كاتب وناقد مصري

محمد عطية محمود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية