خيري منصور
عندما اصدرت الناقدة خالدة سعيد كتابها ‘البحث عن الجذور’ والذي ضمّ مقالات في النقد والتبشير بحساسية جديدة، لم يخطر ببال من قرأوا الكتاب فور صدوره انه سيصبح بدوره جذرا قابلا للبحث عنه، ورغم استحقاق الناقدة لمراجعة ما كتبت قبل عدة عقود الا ان كتابها ‘يوتوبيا المدينة المثقفة’ هو اكثر من مجرد مناسبة، لأنها تتحدث عن مدينة يمكن وصفها بالاشكالية ايضا، فهي يوتوبيا بمقياس وديستوبيا بمقياس آخر، لكن ليس على طريقة ثنائية التفاؤل والتشاؤم التي تتعامل مع زجاجة نصف مملوءة بقدر ما هي نصف فارغة، فأحيانا يكون الفارغ افضل من المملوء اذا كان السائل غير مرغوب فيه، فهو ليس بالضرورة ماء قراحا او زلالا… في ستينيات القرن الماضي، وهو العقد الذهبي والفريد في العالم كله وليس في عالمنا العربي فقط، كان التجريب هو سمة هذا العقد، بقدر ما كان يعج بحراكات في مختلف المجالات من أجل التغيير، لأن الشكوك في الموروث الباهظ الذي امتد من الحرب العالمية الثانية الى الحرب الباردة وهي حرب كونية ثالثة وقعت بأسلحة اخرى، كانت قد بلغت اقصاها، وقد تكون ثورة مايو 1968 هي ذروة ذلك الحراك، الذي تزامن مع ربيع براغ سياسيا بكل دلالاته الايديولوجية، وباحراق المشدات او الكورسيهات النسائية في امريكا احتجاجا على الذكورة المستبدة وما انتجت من نظم باترياركية وحروب واحتكارات. بيروت في تلك الاونة كانت ندّاهة سياسية وثقافية واجتماعية ايضا، فهي الوعد بالحرية بدءا من الجسد حتى التعبير، وهي المقهى السياسي الفاعل لا الثرثار فقط، وهي ايضا الرصيف الذي ثار على المُتون كلها وبالطبع كان للشعر نصيبه من ذلك كله، حين حاول رواد الحداثة عبر روافدها المتعددة اجتراح آفاق اخرى بعد انسداد الافاق الكلاسيكية وشبه الكلاسيكية، لكن بقدر ما كانت بيروت يوتوبيا او مدينة فاضلة بالنسبة للبعض كانت ديستوبيا او مدينة راذلة لدى آخرين، وقد كتب عنها الراحل خليل حاوي:( تولد الفكرة في بيروت بغيّاثم تقضي العمر في لفق البكارة )ذلك لأن من جاؤوها كانوا كمن يرى بوجوه مستعارة، وتلك لحظة افتراق لها ما يتخطى توصيف المدينة. فالصراع كان يتنامى وبتوتر بين اتجاهات سياسية، منها القومي والليبرالي والحداثوي والمستقل، لكن المفارقة ان التيار القومي ادبيا وثقافيا كان في حالة وئام وتبشير بالفلسفة الوجودية متجاوزا بعدها العدمي ومعيدا لانتاجها عربيا بعد تمريرها من غربال اوسع ثقوبا من غربال ميخائيل نعيمة، وفي الوقت الذي كان يتهم فيه القوميون التيارات الاخرى بأنها مضادة للعروبة، ومن افرازات الكوزموبوليتية التي كانت اشبه ببواكير العولمة، حدث العكس فمجلة ‘شعر’ مثلا حشدت شعراء ونقادا ومثقفين من مختلف الاقطار العربية وكذلك مجلة ‘ادب’ رغم قصر عمرها واخيرا ‘مواقف’ التي اصدرها الشاعر ادونيس ثم توقفت ببيان ختامي ووداعي كان اشبه بوداع حلم تحول الى كابوس ويوتوبيا تحولت الى ديستوبيا.
في اعداد مجلة ‘شعر’ كانت اسماء مثل يوسف الخال مؤسسها وأدونيس وجبرا ابراهيم جبرا وسلمى الخضرا الجيوسي وكاظم جواد وبلند الحيدري ومحي الدين محمد وأنسي الحاج وشوقي ابي شقرا وعشرات من الاخرين ومن مختلف الاقطار العربية تقدم اطروحة ميدانية مضادة للادعاء بأن مجلة ‘شعر’ صدرت لتهرب الواقع او ضد مشاريع الوحدة العربية والشعارات القومية، وبتوقف تلك المجلات عن الصدور اتيح للتيارات التقليدية ان تعدو وحدها في الميدان، لكنها كَبَت واحدة بعد الاخرى لكن ليس على طريقة الجواد بل على طريقة لاعب السيرك، كما وصفه الشاعر احمد حجازي في احدى قصائده. توقفت المنابر لكن ما ساهموا فيها استمروا بالتدفق ومنهم من وجد مصبا ومنهم من ضاع وتلاشى في الطريق. وهناك فئة ثالثة آثرت الانتحار بالصمت اما احتجاجا او يأسا او لأن البئر المهجورة التي عاتب يوسف الخال من يمرون بها ولا يرمون حجرا قد نشفت ولم يبق في قاعها غير الحصى.
رصدت خالدة سعيد في بحث استدراكي عن الجذور بين استقلال لبنان وحربه الاهلية خمس محطات هي اركان ثقافة حمل اعباءها افراد وليس دولة هي على التوالي، الندوة اللبنانية التي اسسها ميشيل اسمر والقرية الرحبانية الفاضلة في مجال الموسيقى والغناء والدفاع عما تبقى، ومجلة شعر ودورها الرائد في تحرير الشعر والانسان، ثم مجلة ‘مواقف’ كيوتوبيا نقدية واخيرا دار الفن والادب، وثمة وقفات معمقة للناقدة سعيد عن مثقفين وشعراء من الرواد الذين حملوا عبء الكتابة ومجدوا الحياة بعبارة سان جون بيرس، وما كتبته خالدة سعيد عن هؤلاء موجود في الكتاب وقد يفسده الانتقاء والاجتزاء، خصوصا واننا من خصوم هؤلاء الذين يرون في الكتابة عن كتاب ما تلخيصه، فما أراه شخصيا في مثل هذا الكتاب هو انه يقدم مفاتيح تثير شهية القارىء من خلال الذاكرة والخيال معا، ويفتح بابا كان للتو موصدا على آونة حرجة لكنها بالغة البراءة والعنفوان في ثقافتنا المعاصرة، فأنا اذكر للمثال فقط ما كتبته الناقدة سعيد عن محمد الماغوط وقبل ان يحظى باعتراف ابرز خصوم قصيدة النثر من الشعراء العرب، فهو في ذلك الوقت كان البدوي الجارح الذي خمش بأظافره وجه المدينة، وكذلك ما كتبته مبكرا عن انسي الحاج الذي واصل البحث عن الرحيق حتى كلّت الصحراء ولم يكلّ نحله الدؤوب المغامر.
بيروت كانت يوتوبيا وديستوبيا معا لدى بعض من عشقوها حتى الكراهية، ومنهم الماغوط نفسه الذي سرعان ما استيقظ من حلم الرحيل عن المدينة بعد ان سال لعاب قدميه على التضاريس النائية في خرائط ملقاة على ارض الغرفة، ولأن لكل بيروته فما من بيروت موضوعية ذات توصيف مطلق، فهي في الحرب الاهلية ديستوبيا لكن الحنين الى عودتها العنقائية من النار يحولها الى يوتوبيا، اما بيروت الاجتياح عام 1982 فهي شجن آخر، حين تحولت من منفى الى ملكوت، ومن جحيم ارضي الى فردوس شعري، وهذا يتطلب منا في مقام آخر التوقف عند ما كتب عن بيروت خلال اجتياحها وفي اعقاب هذا الاجتياح لِنَرى كم بيروتا في بيروت، وكم كراهية ونفورا تحولا الى افتتان وكم عشقا تحول الى ندم، فلا يشبه ما كتب عن بيروت شعرا عام الاجتياح الا ما كتب عن رحيل عبد الناصر، وذلك من ناحيتين الاولى ان معظم الشعراء العرب والمعروفين كتبوا في المناسبتين، والثانية ان هذه الكتابات كانت اختبارا للوعي وليس للعواطف الموسمية فقط، وحين اقول ان لكل بيروته او ناصره او حتى فلسطينه في هذا الزّحام فإن معنى ذلك، تحويل المناسبة سواء كانت اجتياح عاصمة او رحيل زعيم او مذبحة الى مجال لاسقاطات نفسية وسياسية.
كثيرون من ندهتهم بيروت الواعدة بالحرية والابداع والشهرة عادوا حفاة الى ديارهم وليس حتى بأخفاف حنين، لهذا لعنوها، فهي كانت لفترة من الزمان اشبه ببيلارس او المدينة الاسطورية التي تخيلها الشاعر برتولد بريخت، تشفي الأبرص وتغني الفقير وتحقق الوصال للمحرومين ثم اصاب الزلزال بيلارس، لكن ما اصاب بيروت كان زلزالا من طراز آخر، لعبت فيه صفائح جيولوجيا التاريخ والطوائف دور البطولة بدلا من جيولوجيا الارض وطبقاتها، لهذا راوحت زمنا بين كونها اسما حركيا للنوستالجيا، خصوصا لمن شاخوا ثقافيا او انسانيا وبين كونها الندّاهة الثانية بعد القاهرة للغرباء والايتام، وهذا ما جعلها ايضا تراوح بين يوتوبيا تجسدت في بشر وأدب وقصائد واحلام وديستوبيا تحققت في حرب اهلية لم تضع آخر اوزارها بعد، فالحروب الاهلية منها ما هو بارد ايضا لكن المدينة الاشكالية والمتعددة بقيت رغم كل ما تقلبت فيه من جمر الأقل ارتهانا بين العواصم لما هو رثّ وآفل وفاقد للصلاحية من الهواجس، لهذا انفردت في الحراك العربي وبهدوء لا يليق بصخب بحرها بأن يرفع شبابها شعارا حول اسقاط مفهوم وليس فقط اسقاط رئيس او شخص، وهو المطالبة باسقاط الطائفية، انها ‘ديستوتوبيا’ على طريقة تراجيكوميديا، زاوجت بين الجنة والجحيم على طريقة وليم بليك، فكانت المدينة الراذلة فيها هي الاخت غير الشقيقة لليوتوبيا او المدينة الفاضلة!