يوجد وحش يتجول في اوروبا

حجم الخط
0

صحف عبريةيقع منزل محمد مراح في حي سكني فرنسي هادىء نسبيا. الطبقة البرجوازية الصغيرة. المنازل منخفضة، من طابق واحد وبحديقة. على مسافة كيلو مترين من هناك تقريبا توجد مدرسة ‘كنز التوراة’. هذا بالتأكيد ليس حيا فقيرا في تولوز ولا غيتو مهاجرين انحشر في الضواحي بعيدا عن العين وعن الاغلبية البيضاء والمسيحية.

ولكن في قلب هذه الصورة، مبنى مراح مختلف جدا. هو مبنى من الشقق، وليس منزلا خاصا، من عدة طوابق. صوره تظهر جودة البناء؛ يبدو أنه مبنى حكومي ومتردٍ. سكانه ليسوا بيضا ومسيحيين مثل جيرانهم هم مهاجرون، ابناؤهم واطفالهم. يعيشون معا، باكتظاظ، مختلفين، في قلب الحي العادي. هذا هو بالضبط الاندماج الاوروبي المتنور: عدم ابعاد المهاجرين الى ضواحي بائسة ومنعزلة، بل اسكانهم في احياء عادية، في مبان بنيت خصيصا. في بريطانيا، في قلب أحياء غنية توجد مباني للسكن العام بفقرائها ومهاجريها. من جهة، بيت خاص يساوي الملايين، وتماما خلف الجدار، تطل مبان من الشقق طويلة وفيها مهاجرون ماليزيون، غانيون، باكستانيون. القصة الفرنسية، بشكل عام، أسوأ. هناك انحشر الكثير من المهاجرين الى ضواحي الحضارة الفرنسية، عديمي الوسائل والعمل، غير مرتبطين على الاطلاق بالحلم الفرنسي. في العام 2005 اندلعت ‘ثورة الضواحي’، اعمال الشغب الجماهيرية والفتاكة. كانت هذه هي الاشارة الاولى، المنذرة بالشر. ‘ ‘ ‘ولكن لعائلة مراح هذا لم يحصل. فهم لم يعانوا من فصل جغرافي، من عيش في غيتو بائس في الضواحي وعديم سبل العمل. عندهم اتخذت السلطات طريقة اخرى: تتبيل السكان الاقوياء بمهاجرين جدد. قلة المهاجرين داخل الاحياء المسيحية البيضاء. وفي النهاية، ولعل هذه هي النقطة الهامة، هذا لم يغير شيئا. المبنى وقف في قلب الحي، ولكنه كان من عالم آخر. سكانه تلقوا البريد من ذات ساعي البريد، ولكنهم شاهدوا تلفزيونيا آخر وقرأوا كتبا أخرى، وبعضهم، ولا سيما محمد مراح، حلموا احلاما اخرى. القاتل كان جهاديا، سلفيا. المنظمة الاسلامية التي انتمى اليها تصف، عمليا، الثقافة الاصولية الدون التي نشأت في الاحواض المهملة لابناء المهاجرين في فرنسا. مئات الافلام في الانترنت تبين عصبة من الشباب، الكارهين والضائعين. ذقونهم تنمو بانفلات عقال، اعلامهم سوداء على افضل تقاليد القاعدة. وهم يحملون خريطة سوداء لفرنسا وكتب عليها: ‘الخلافة’. الافلام تبدأ برسومات مبذولة الجهد، مع حركات وأغان عن المستقبل النبيل لفرسان الاسلام. ولكن بعدها تبدو عصبة بائسة تمارس اللعب في قلب مبنى مهجور في تولوز. وهم يروون لانفسهم ولنا بانهم يتدربون من اجل الجهاد. ولكن أكثر من مقاتلين يبدون مثل وحوش تربوا في مستنقع الفشل. في مظاهراتهم يهذرون بالخوف من الاسلام، ولكن في نفس الوقت يدعون الى دولة شريعة ويعدون بتصفية الصهاينة. الخوف الذي ينتجونه مبرر جدا.’ ‘ ‘الرئيس ساركوزي قال هذا الاسبوع انه يوجد وحش يتجول في فرنسا: وقد كان محقا. ولكن يوجد اكثر من وحش واحد. من الضواحي المهملة لباريس وحتى لنماذج الاندماج في تولوز، الكثير من الوحوش نبتت وترعرعت في اوروبا، تصب الحليب المسموم للاسلام المتطرف. فرنساهم ليست الحرية، العدالة والمساواة؛ حلم الاندماج لا يعنيهم، وهم لا يريدونه. هذا ليس تصريحا سياسيا؛ هذا واقع في فرنسا. وهي الان تدفع الثمن على الفشل الرهيب. ليست الهجرة بحد ذاتها بل فشل اندماج المهاجرين. ليست الرغبة المتنورة في التعددية بل التجاهل الرهيب للخطر الراديكالي. قبل بضع سنوات كانت هذه بريطانيا هي التي دفعت ثمنا كهذا، عندما انتحر بريطانيون عاديون، مسلمون، في شوارع لندن كي يقتلوا بريطانيين آخرين. في التصدي للراديكالية، تعدد الثقافة في بريطانيا فشل، والان ايضا النموذج الفرنسي ينزف. باتريك فيل هو مؤرخ فرنسي يعنى بالهجرة. ‘هذه كانت هجمات رمزية جدا’، قال هذا الاسبوع، ‘القاتل هاجم فكرة الاندماج الفرنسية. هاجم من يمثل المواقف الاساس للجمهورية الفرنسية مبادىء المساواة والكرامة للتنوع الانساني’. فرنسا كانت صوتا واحدا من الأسى الموحد حتى يوم الاربعاء في الثالثة صباحا. مسلمون، مسيحيون ويهود كان بوسعهم أن يتعانقوا وان يأملوا بان يتبين بان القاتل مجنون وعديم الايديولوجيا. رد الفعل الفرنسي كان صاخبا، صادما ومذهولا بحيث لم يكن ممكنا الخطأ في فهم الفكرة الوطنية خلفها. قلب فرنسا لم يصبح فظا بالعنف وبالمغدورين. الدولة كلها توقفت عن السير، تجندت للمطاردة، ارتبطت بشاشات التلفزيون. يوجد حديث تبسيطي احيانا عن القلب اللامبالي لاوروبا. الدفء الذي اندلع من فرنسا هذا الاسبوع عبر عن الروح الحقيقية للالم. كان أمل كبير في رد الفعل هذا، ولكن هذا تبدل الان بأزمة داخلية عميقة. عبثا سيحاول الرئيس ساركوزي توحيد تمزقات الواقع الذي انكشف. هذه ليست فرنسا وهذا ليس الاسلام، يقول معظم الزعماء السياسيين في الدولة. وهم محقون. ولكن لجعل الحياة لا تطاق، لقتل مريم مونسنغو، ابنة الثامنة، لا حاجة للاغلبية. مطلوب فقط أقلية عاطلة عن العمل ومصممة. وأقلية عاطلة عن العمل ومتطرفة في كل مكان يمكن أن تنبت فقط اذا سمحت لها أغلبية أوسع بالعمل. أغلبية تدير عيونها أمام الكراهية والعنصرية. الاعشاب الضارة تنبت في الاحواض التي تتلقى العناية. الاصولية الدينية لا تستدعي العنف ولكنها تحمل الطاقة الكامنة للعنف. مثل التلوث الفيروسي.’ ‘ ‘الان تبدأ المعركة السياسية. الاشتراكيون سيدعون الى وحدة فرنسا وسيقولون، بهدوء أكبر، ان ساركوزي دفع الجالية الاسلامية نحو الحائط. محللون سياسيون فرنسيون بدأوا منذ الان يشرحون بان ‘قانون الخمار’ ادى الى سياقات تطرف في مجتمع المهاجرين المسلمين. وأن الحكومة خدمت المتطرفين هناك. وحيالهم سيقف اليمين المتطرف وعلى رأسه مرين لا بان. وقد كان الاول الذي حطم تحالف الصمت بين المرشحين للرئاسة الفرنسية الذين قرروا تعليق الحملة السياسية بسبب المأساة. وقد عرض لا بان نظرية مقنعة. الاصولية تقتل المسلمين، الاطفال اليهود، المسيحيين. يجب الخروج في ‘حرب’ ضدها. الفاشية تحب الحديث عن الخروج في ‘حرب’؛ دون تحديد عدو أو أهداف دقيقة. وحيال بداية المناوشات السياسية، كان الرئيس ساركوزي ملزما بمواصلة الخط الرئاسي القومي السامي. إذا ما نجح في التمسك فيه حيال الهجمات، فقد ينتزع النصر في الانتخابات. ولكن ‘الجبهة الوطنية’ ومرين لا بان سيحاولان فقء عينيه وعرضه كرقيق ومعتدل جدا؛ الدليل الذي سيعرضانه سيكون المآسي في تولوز. بعد المآسي دوما تبقى السياسة. من مثلنا يعرف.

معاريف 23/3/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية