يوميات اسطنبول

حجم الخط
0

محمد الشحري جميلة اسطنبول كلحن كردي عتيق، جميلة كانعكاس القمر على مياه مضيق البسفور الواقع بين نهدي المدينة التي وزعت نفسها على قارتين، فهي في آسيا وفي أوروبا، ومع الشرق ومع الغرب أيضا، وهي كذلك عاصمة للعصور الشهيرة من البيزنطيين والرومان إلى العثمانيين، فكل إمبراطورية تضع أجمل ما لديها في اسطنبول ثم تفنى وتغيب في لجة التاريخ.لا يمكن لأي زائر لمدينة اسطنبول إلا أن يحبها، ويتمنى الإطالة فيها أكثر مما ينبغي، فهي مدينة الغواية والسحر والجمال والألفة، تلف زائرها بهالة من سطوة الأزمنة والأمكنة، ومن ثقافات الشعوب التي مرت بها، ثم تتركه للحنين والشوق للعودة إليها ولو على طيف التذكر والأماني.لا أنكر أنني أحببت المدينة، وتمنيت لو أذرع شوارعها شارع شارع أو زنقة زنقة، والتجول فيها حتى أكن على بينة من المدينة لأفهما وتفهمني، فلا يكفي أن امشي من حي (كزتاشا) بمنطقة الفاتح وأمر على الحديقة الأثرية ومن ثم على مسجد محمد الفاتح والمرور على البزار التركي ثم الوصول إلى منطقة السلطان أحمد حيث جامع السلطان أحمد ومسجد آية صوفيا وقصر الطوب قابي حيث الباب العالي الذي عرف عنه بإصدار الأوامر والمراسيم من قبل السلاطين العثمانيين والتي تسمى ( الفرمانات)، فهذه أماكن قريبة من بعضها ويمكن الوصول إليها بسهولة، لكن بعض المدن لا تكشف عن رونقها للزائر باليسر، حتى وإن ظن كذلك، ومن هذه المدن اسطنبول، فإذا انتهيت من التجوال في الجانب الأوروبي، فإن الجانب الأسيوي، يحتاج إلى المزيد من الوقت للتعرف على مكوناته أكثر، فلا الشاي (العسملي) ولا القهوة التركية يمكنهما أن يسكّنا البال المشغول بالبحث عن وجوه اسطنبول المتعددة النهارية منها والليلية، فهي مدينة لا تنام وتعمل بنظام المناوبات فإذا انتهت المناوبة النهارية لبعض سكانها تبدأ مناوبة ليلية تستمر حتى تأتي الفجر، حين تستيقظ المدينة على وقع أحذية الذاهبين إلى العمل.قابلت في اسطنبول الكثير من السياح العرب ومعظمهم من منطقة الخليج، وكأن اكتشافهم لتركيا يبدو حديثا، وربما تكون سياسة حزب العدالة والتنمية هي التي قلصت الفجوة بين البلاد العربية وبين تركيا، بعدما فشلت الأخيرة في الدخول إلى الاتحاد الأوروبي رغم تنازلها عن الكثير في سبيل ذلك، لكن الالتفاتة التركية إلى الشرق لم تكن ردة فعل بسبب النكران الأوروبي لها، بل رأت في الشرق العربي مفاتيح ضغط يمكن استثمارها لوضع تركيا في الخريطة الإستراتيجية، لذلك اتجهت إلى القضية المهمة بالنسبة للعرب والمسلمين ألا وهي القضية الفلسطينية، واستفزاز إسرائيل الابن المدلل لأوروبا، وقد جرى ذلك في منتدى دافوس حيث أدت المشادة الكلامية بين الرئيس الإسرائيلي شيعمون بيريس والرئيس التركي رجب طيب اردوغان إلى برود في العلاقات الإسرائيلية التركية، سرعان ما أدت إلى سحب السفير التركي من تل أبيب بعد مقتل 9 أتراك على أيدي الكومندز الإسرائيلي، على ظهر سفينة مرمرة المتوجهة لكسر الحصار على غزة.على اثر ذلك توجهت قلوب الكثير من العرب والمسلمين إلى تركيا، وهي حالة تعكس غياب القيادي العربي الذي تلتف حوله الجماهير، فقبل بضع سنين لم يكن يخطر ببال أي متابع للشأن التركي أن تكون لتركيا هذه المكانة بين الجماهير العربية، إذا أن التركة التي خلفتها الدولة العثمانية في المنطقة العربية كانت ثقيلة وأليمة في كلا الحالتين، فالضرائب التي فرضتها إدارة الباب العالي على الأقاليم العربية كانت قاسية، كما كان التجنيد الإجباري يستهلك طاقة الشباب العربي، الذي ترك البعض منهم مزارعهم وحقولهم وأجبروا على الالتحاق بالجيش العثماني، مما أدى قلة الإنتاج الزراعي في القرى والأرياف، الأمر الذي أدى في بعض الأحيان إلى حدوث مجاعات في تلك الأقاليم. يقول بعض المقربين من حزب العدالة والتنمية الحاكم، أنهم يركزون على بعض النقاط في السياسة التركية، مثل إطلاق الحريات الأساسية و احترام حقوق الإنسان، أم العنصر الثاني فهو الأمن، حيث حرصت الحكومة على توفير أمن المواطن وأمن الدولة، وفتحت قنوات اتصال مباشرة مع خصوم أزليين لتركيا مثل حزب العمال الكردستاني الذي شكل إزعاجا دائما للدولة التركية الحديثة، وأرمينيا التي تستغل قضية مذبحة الأرمن في الضغط على تركيا وتطالبها بالاعتذار، دون أن تتنازل عن الشطر القبرصي التركي، أما العنصر الثالث فهو الرخاء الاقتصادي وتقاسم العادل للثروة والتنمية المستدامة، وتقوية الاقتصاد التركي، وتشجيع الاستثمار الداخلي وتذليل كل العوائق أمام دخول رأس المال الأجنبي إلى البلاد، أما العنصر الرابع فهو التأكيد على الشعور بالحس القومي التركي والاعتزاز بالانتماء إلى الهوية التركية، وهذا ما أكده أردوغان حينما صرح ‘ أنه سليل الإمبراطورية العثمانية’.لكن يبدو أن إطلاق حريات الرأي والتعبير في تركيا لم تثمر إلا عن المزيد من قمع في حرية الصحافة، حيث ذكر تقرير أعدته لجنة حماية الصحافيين وهي منظمة غير حكومية تتخذ من نيويورك مقرا لها ، أن عدد الصحافيين المسجونين في تركيا منذ تسلم حزب العدالة والتنمية بلغ 76 معتقل، وهو رقم قياسي في عدد الصحفيين المسجونين في العالم، أما عنصر الأمن فلم يعد كما وعدت به حكومة حزب العدالة في تصفير المشاكل، إذ ألقت الأزمة السورية بضلالها على الجوار التركي، وأظن أنه لم يعد على أحد الدور التركي في هذه الأزمة. لا تتركنا السياسة أن نتحدث عن الأماكن الجميلة ولا عن المدن المزهوة بأناقتها كاسطنبول، فنحشر أنفسنا في السياسة وهي تحكمنا في أحداثنا اليومية وتزورنا حتى في الأحلام، ولكن تبقى اسطنبول رائعة بالسياسة أو بدونها. كاتب من عُمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية