يوميات بقّة!

حجم الخط
0

خيري منصور

منذ قرأت مسرحية البقّة لماياكوفسكي وأنا افكر في دلالاتها وقابليتها اللا محدودة للتأويل سياسيا وثقافيا، فالشاعر الذي كتبها عاش صراعا انتهى بانتحاره ولا بد انه منذ صباه اختزن من الظواهرالاجتماعية والسياسية ما حصّنه من الامتثال شأن شعراء آخرين تأقلموا واخيرا تلاشوا في محيطهم. وثمة آخرون غير ماياكوفسكي اجتذبت الحيوانات والطيور وحتى الهوام انتباههم، فاستنطقوها، ومنهم من جعلها تنوب عن البشر في كل ما يصدر عنها، خصوصا لأسباب رقابية، وحين كتب اسحق موسى الحسيني ‘مذكرت دجاجة’ كان اقرب الى الاستطراف بالنسبة لمعاصريه، لكنه بالتأكيد ذهب الى ما هو ابعد عندما تقمّص هذا الكائن الأعزل والضحية، فما الذي سترويه الدجاجة لنا عن حياتها القصيرة؟ او عن جناحين لا تحلق بهما عاليا بقدر ما يعوقانها على المشي، ولو قرأ الكاتب في ايامه ما كتبه شيلر عن الدجاج، وهو ان له لحظة يحتج بها على دجاجتيه لربما بحث عن تلك اللحظة، وان كانت الدجاجة بالتحديد كما هو الحال مع كائنات تنهي حياته بالذبح، لا تختتم مذكراتها فينوب عنها الخيال الانساني، ذلك الخيال الذي دفع شاعرا الى وصف الرقصة الاخيرة للطيور الذبيحة وانها من فرط الألم وليس طربا… ولو كان للنحل والنمل لغة او علاقة بالتدوين لقرأنا مذكرات بالغة الدقة في تفاصيلها عن امبراطوريات صامتة، لها قوانينها وترتبيتها وايثارها وحروبها، واذكر ان دودة الارضة النهمة التي لا يسلم منها حتى الحديد غزت سقف احدى غرف بيتي في بغداد، واقتربت من المكتبة، وحين سألت احد الاصدقاء عن هذا الكائن الغريب، حذّرني قائلا انها سوف تحيل الكتب كلها الى هباء اذا لم تُقاوَم، وبالفعل حصلت على مبيد لهذه الدودة لكنها لم تتوقف، لأنني كنت اجهل امرا مهما يتعلق بهذه الامبراطوريات الصامتة، وعندما استعنت بخبير في هذه الشجون الغامضة، قال لي شيئا غريبا ادهشني وهو ان الافراط في استخدام المبيدات لبعض الحشرات ومنها الأرضة لن ينفع معها، وقد تتغذى به كما حدث للذباب في امريكا عندما اكتشف العلماء انه تأقلم مع المبيدات واصبح يسمن منها، لكن ما يموت بسببها هو طائر الشحرور الذي يصطاد الذباب، لأنه غير ملقح ضده.

قليل من هذا المبيد كان يكفي، لأن القضاء على هذه السلالة يشترط موت الملكة التي تمر بها اسراب الارضة لتقبيلها، فهي من خلال اصابة الملكة بالعدوى تقتلها ببطء، وهذا ما حدث فعلا، لكن الامر لم يتوقف هناك، بل اطلق في مخيلتي ممكنات لا حصر لها ذات ابعاد تاريخية وسياسية واجتماعية، ولو اتيح للأرضة ان تكتب يومياتها لبدأت من تلك اللحظة التي يمتزج فيها التاريخ بالميثولوجيا عندما أتت على وثيقة دونها اعداء النبي محمد وعلقوها على الكعبة، حيث يروى ان الارضة تسللت الى الوثيقة وحولتها الى هباء.* * * * * * * * ما الذي سيكتبه اسد او نمر في مذكراته؟ الطرائد التي افترسها ام قصص عشق عاشها ام احزان الفقدان والخوف من الشيخوخة، لا احد يعرف ما الذي كان سيقرأه بتوقيع هذه الضواري، لكن الضحايا لديها ما تقوله اكثر من جلاديها، لانها تكظم الغيظ ولا تبوح بأسرارها، وهذا ما دفع اسحق موسى الحسيني الى اختيار الدجاجة لتقمصها وكتابه يومياتها وليس الثعلب مثلا، وهناك شعراء وفلاسفة تمنوا في لحظة ما لو انهم من تلك الكائنات لأنهم عندئذ سيتحررون من عناء الوجود ووعي العبث، فالبير كامو تمنى لو انه شجرة او قطة، ووالت ويتمان تمنى لو انه بقرة، تماما كما تمنى تميم بن مقبل لو انه حجر.. لكن هؤلاء غاب عنهم ان تلك العوالم المجهولة لها آلامها وان صمتها يخفي ثرثرة لا آخر لها، ويكفي التحديق الى عيني قطة خائفة او بقرة قبيل الذبح كي ندرك بأن الالم ليس حكرا علينا، ولو كان البير كامو حيا وشاهد ما شاهدناه على احدى الشاشات وهو قط يحاول ان ينقذ صاحبه بان يتنفس في فمه او يدلك صدره لربما قال شيئا آخر لأن هذا القط لم يقرأ حرفا واحدا في الطب ولم يتعلم هذا السلوك من ذويه، بل هو دفاع الحياة عن نفسها ضد الفناء، ونشيد الشفق الكوني ضد نعيب البوم في الغسق.* * * * * * * * * لنعد الى البقة ويومياتها، لأن من اختارها بطلا لمسرحية تنتمي الى الكوميديا الحمراء لا السوداء في حقبة اشتبكت فيها الايديولوجيا مع الحرية والشعر مع نقيضه والحلم مع الواقع، كان يدرك انها الكائن العجيب الذي لا دم له، وان دمها هو دائما مسروق مما تمتصه من دماء الاخرين، انها بمعنى ما ليست هي، وقدرها هو ان تكون سواها، واذا اتيح لها ان تدون يومياتها فلن تقول شيئا غير عدد المرات التي لدغت بها ضحاياها، فهي بلغة الفلاسفة الوجوديين ليست موجودة بذاتها او حتى لذاتها لأنها مجرد دم مسروق، يحرضها على السعي باتجاه امتصاص دم آخر.* * * * * * *ان مجال التأويل سياسا وثقافيا في مسرحية ماياكوفسكي اوسع واعمق مما يعتقد من يخرج مسرحية كهذه، فثمة بشر لا محتوى او جوهر لهم، لأنهم اشبه بالمرايا، والمرايا هي ما تعكسه فقط وليست لها الارادة للقبول او الرفض فإن وضعنا امامها حذاء تصبح وعاء لحذاء، وان وضعنا امامها كتابا تصبح كما لو انها جزء من رف المكتبة.

ومن لا محتوى له، الا ما يسطو عليه سواء كان الدم بالنسبة للبقة او الانعكاس بالنسبة للمرايا، علينا ان نبحث عما تمت سرقته او استعارته او امتصاصه سواء كان من حبر الاخرين او من عرقهم او دمهم. في السياسة قد تبدو رحلة البحث هذه اسهل من اي مجال آخر، لأنها اساسا مهنة لا تجيدها حسب تعبير لسارتر غير الأيدي القذرة، فالجنرال حتى بعد تقاعده وعندما لا يجد من يكاتبه كما يقول ماركيز، لا يطيق البطالة من امتصاص الدماء، ولا يخطر بباله او ببال احد ان يقول له بأنه مجرد بقة عملاقة، والسياسي الذرائعي الذي يصعد على تلة من الجماجم نحو ما يتطلع اليه هو ايضا من هذه السّلالة. وهناك حكاية طريفة تروى عن حوار بين شاعر حرّ وطاغية، سأل الطاغية كم اساوي في نظرك؟ فأجاب الشاعر الف دينار فقط، عندئذ سخر منه الطاغية وقال ان ثمن حزامه المذهب فقط هو الف دينار، فقال الشاعر: وهل انت الا حزامك فقط!!! والارجح ان رسول حمزاتوف سمع او قرأ هذه الحوارية الاسيوية القديممة، فروى حكاية اخرى في مذكراته التي حملت عنوان ‘داغستان بلدي’ قال فيها ان طاغية امر بإعدام شاعر لأنه الوحيد الذي اعلن العصيان ورفض مديحه، وفي اللحظة التي رفع فيها السياف يده لقطع عنق الشاعر صاح الطاغية: لا.. اتركوا لهذه البلاد رجلها الوحيد، لأنها من بعده أرملة.* * * * * * * *ان مذكرات لا تروي شيئا غير الجيف وافتراس العنق وامتصاص النخاع كتلك التي يكتبها ذئب او ضبع، هي بالضرورة النقيض لمذكرات عصفور او فراشة او غزال، لكن ما يحدث احيانا هو ان يسطو ثعبان على عصفور او ارنب، ثم يتولى نيابة عنه كتابة مذكراته… ما يحدث احيانا هو ان الجلاد يكتب يوميات الضحية، كي يقتلها مرتين، وهو اذ يسطو على الضحية يحاول ان يتقمصها بلا جدوى، لأن من سبب الألم لا يتألم، وهذا ما يُعيننا دائما على افتضاح الحفلات التنكرية من هذا الطراز لأن الضحية ليست دائما خرساء، واحيانا تكون ابلغ من جلادها وأنبل منه ايضا، خصوصا اذا رفضت ان تكون تلميذه النجيب الذي يتماهى معه. ومن دجاجة اسحق موسى الحسيني الى بقّة ماياكوفسكي الى آخر فراشة خرجت من الشرنقة ثمة تراجيديا صامتة، لكن ما إن يقلدها البشر حتى يحولوها الى كوميديا حمراء وعندئذ تصبح البقّة جديرة بكل هذا التأويل سياسيا وثقافيا!!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية