يوميات دراجة نارية رحلة في أمريكا اللاتينية لتشي غيفارا:
كل هذا التجوال هنا وهناك في أمريكتنا غيرني اكثر مما كنت أحسبغيفارا.. عاشق السباحة وصيد الأسماك وكرة القدم يشدو الحرية والحياة البوهيمية في رحلة علي متن دراجة نارية يوميات دراجة نارية رحلة في أمريكا اللاتينية لتشي غيفارا:سعيد بوخليطعن مؤسسة السويدي للنشر والتوزيع، وفي إطار سلسلة رحلات عالمية، صدرت الترجمة العربية لـ يوميات دراجة نارية، رحلة في أمريكا اللاتينية عن وقائع الرحلة التي قام بها المقاتل والمناضل الثوري العالمي الخالد: إرنستوتشي غيفارا، إلي بعض قري ومدن أمريكا اللاتينية، وهو لا يزال في مقتبل العمر صحبة رفيق له يدعي: ألبرتو جرانادو علي متن دراجة نارية. في هذه الفترة، لم يحمل غيفارا بعد أي سلاح، ولم يتبلور أو يتجسد بعد مشروعه الثوري لتطويق الإمبريالية العالمية وأنظمتها التابعة، بل كان لا يزال طالبا بكلية الطب في جامعة بيونس آيرس ، في حين، درس زميله جرانادو الكيمياء الحيوية متخصصا في داء الجذام.ما معني إذن، أن نضع أيادينا علي مذكرات ويوميات شخصية كاريزمية وبطولية من حجم غيفارا؟ كيف يمكننا أن نعايش من خلال توازن نفسي دقيق وقائع حياتية يومية، جنبا مع نقاوة وشموخ أسطورة غيفارا؟ كيف يفكر الرجل، يحلم، يحس، يضجر، يصرخ، يضحك، يبكي، ينتشي، يتألم، يعربد، ثم يظهر مهاراته كحارس لمرمي كرة القدم ومدمن علي السباحة في البحيرات والأنهار؟قرار الرحلةأي إحساس قد ينتابنا ونحن نلاحظ شابا في مقتبل العمر يزهد في مستقبله العلمي كطبيب، ليحلم بفكرة مجانية . جاءته ذات صباح تدعوه لاكتشاف أدغال أمريكا اللاتنية: كان صباح من شهر أكتوبر/ تشرين الأول. مستفيدا من عطلة السابع عشر منه، ذهبت إلي قرطبة. كنا في بيت ألبرتو جرانادو نشرب متة حلوة تحت كرمة ونعلق علي الأحداث الراهنة في (الحياة بنت الكلبة) هذه ونصلح دون طائل الجبارة . كان ألبرتو يندب حقيقة أن عليه وظيفة في مستعمرة الجذام في سان فرانسيسكو ديل شانيار، وضآلة راتبه في المستشفي الإسباني. وأنا كنت قد تركت أيضا عملي، لكني علي عكسه كنت سعيدا بالمغادرة. شعرت بعدم الراحة أكثر من أي وقت مضي ولأني أملك روح حالم كنت متعبا بشكل خاص من كلية الطب والمستشفيات والامتحانات. بلغنا في طرقات حلم يقظتنا بلادا نائية، وأبحرنا في بحار مدارية وارتحلنا عبر كل آسيا. وفجأة برز السؤال منسابا كما لو كان جزءا من تخيلاتنا: لما لا نذهب إلي أمريكا الشمالية؟ أمريكا الشمالية؟ لكن، كيف؟ علي متن الجبارة، يا رجل هكذا اتخذنا قرار الرحلة، ولم يحد قط عن المبدأ الرئيس المطروح آنذاك: الارتجال (اليوميات ص 46 /47).سنعرف فيما بعد، أن غيفارا بشخصيته الكفاحية العظيمة، حتي وقد أصبح في أعلي المناصب السياسية بدولة كوبا الفتية، بعد نجاحه كقائد عسكري متمرس صحبة كاسترو والملتحين في إسقاط ديكتاتورية باتيستا، ونجاح الثورة، سيغادر كوبا سنة 1965، ليقود حرب عصابات دعما للنظام الثوري في الكونغو ثم بوليفيا بعد ذلك لأنه ظل يحلم بخلق أكثر من فيتنام، اثنين أو ثلاتاً. قلت نستطيع أن نلامس من أي فصيلة دموية هذا الـ غيفارا ، ونحن نتابع معه رحلته المتعبة والصعبة بين دروب أمريكا اللاتينية. وقد جاءت الفكرة كما رأينا صدفة، دون تخطيط مسبق بين ثنايا حديثه مع صديقه جرنادو ، ودون زاد أو مؤونة أو نقود تكفي الرحلة التي استغرقت ستة أشهر تقريبا. مع العلم، أن غيفارا كان يحمل بين أضلعه جسدا عليلا بالربو وهو ما يضاعف من مشاق ومصاعب الرحلة. لقد كانت الرحلة أولا وأخيرا تجربة كبيرة وجوهرية لـ غيفارا/ الشاب، بخصوص المسار الايديولوجي والقتالي لغيفارا/ الأسطورة الذي حلمنا معه وبه في الأدبيات الثورية. ولا زالت صوره تؤثث فضاءات المستضعفين في كل شبر من هذه الأرض، الحالمين بشيء من الخبز وكثير من الحرية والكرامة. كتب غيفارا إذن يومياته هاته، خلال رحلة في أرجاء أمريكا اللاتينية سنة 1952، حيث قطع مع صديقه جرانادو وكلبهما الصغير كمباك مسافة 4500 كلم علي متن الدراجة النارية الجبارة أو la poderosa انطلاقا من: بيونس آيريس هبوطا علي ساحل الأرجنتين الأطلسي، وعبر بانما وخلال الأنديز وصولا إلي تشيلي، ومنها شمالا إلي بيرو وكولومبيا وأخيرا كاركاس (اليوميات ص 13). وقد تعرضت الدراجة النارية، التي أقلت غيفارا وصديقه في كل مرة إلي حادث مما عرقل المسار الطبيعي لرحلتهما. وتحتم عليهما بسبب أعطابها المتكررة قضاء كثير من الليالي في العراء والخلاء، لتنتهي الدراجة أخيرا في مرآب بـ سانتياغو ، وواصلا يومياتهما بدونها. فالرحلة منذ البداية، اعتبرت مجازفة ومغامرة بكل المقاييس الممكنة للكلمة. يقول غيفارا: أدري الآن، بانسجام مميت مع الحقائق، أن مصيري هو الترحال (اليوميات ص59). وبالفعل، ستؤكد الممارسة التاريخية والوجودية لهذا الرجل. أننا، قد نأتي إلي هذا العالم، ونرحل عنه بعد أن نجعله أكثر قابلية للتحمل. أي نحول أقصاه وأدناه، أوله وأخيره، بدءه وانتهاءه، ذهابه وإيابه… إلي معادلة حقا إنسانية وبامتياز.صورة عن الشاب الثائرلقد كانت نضالية غيفارا صادقة ومنسجمة كليا. فهو من طبقة متوسطة في الأرجنتين، وطبيب ثم مسؤول دولة. بمعني كل الظروف كانت تهيئه لموقع اجتماعي متميز. إلا أنه زهد في كل ذلك، واختار طريق الشعب والحقيقة. أمكنتنا هذه اليوميات بما يلي:* نكتشف عن قرب ولأيام غيفارا / الشاب بأحلامه وطموحاته وإحباطاته وأحزانه وأحاسيسه. لأنه، وكما يقع مع جل زعماء التاريخ الكبار، فإن غيفارا / الأسطورة القائد السياسي والميداني والملهم الثوري، قد يغيب عنا هذا الجانب الآدمي البيولوجي . صحيح أن غيفارا في العشرينات من عمره، لكنه لا يتحدث كأي مراهق أو شاب عادي أقصي طموحه الحصول علي شهادته الجامعية كطبيب، وبعد ذلك يبحث له عن موقع اجتماعي ككل البشر. بل يتحدث غيفارا/ الشاب هنا بعقل وقلب باذخين وشامخين. يقرأ الأشياء بعمق ويحلل العلاقات الاجتماعية بمعادلات ناضجة تنم عن إحساس بشري فريد: رحلة غيفارا في أمريكا اللاتينية تكشف مبكرا عن شخصيته الفريدة كحالم وثائر وصاحب قضية إنسانية، وهي بالتأكيد عمل أدبي ملهم (اليوميات ص 7).* غيفارا الذي رسم أعظم اللوحات الكفاحية بالكلاشينكوف، يصيغ هنا كذلك، أجمل الصور الأدبية بلغة مرهفة جدا تزخر شعرا وتتلوي بلاغة. يوظف خطابا أدبيا إيحائيا بامتياز بعيدا عن تلك التقريرية الصارخة والفجة كما يحدث مع أغلب نصوص أدب الرحلة، ملتقطا الأشياء في كثافتها وزحمها. طبعا، تختلف العين الملتقطة هنا عند غيفارا عن أية أداة رصد أخري! من أم البديهيات الإشارة إلي أن الأحاسيس الحية، هي التي تنقل الحواس من بيولوجية محنطة إلي تعرية مستمرة للعالم والناس والأشياء. كان من الممكن أن تكون هذه الرحلة مجرد تسويغ لزمان ضائع. بنفس المنطق، وبلعبة ماكرة من التاريخ ربما غدا اسم غيفارا مثلنا جميعا، مجرد طيف قد يحدث دون أن يوجد. يقول بهذا الخصوص وهو يحدس مصيره: علمت أنه حين تشق الروح الهادية العظيمة الإنسانية إلي شطرين متصارعين، سأكون إلي جانب الشعب. أعلم هذا، أراه مطبوعا في سماء الليل، أري نفسي قربانا في الثورة الحقيقية، المعادل العظيم لإرادة الأفراد. أشعر أن أنفي يتسع ليستنشق الرائحة اللاذعة للبارود والدم وموت العدو. أفعم جسدي بعزم فولاذي، وأعد نفسي للمعركة (اليوميات ص6). أفصح عن ذلك، في عيد ميلاده الرابع والعشرين. يتأمل غيفارا هذا العالم، يكشفه ويصرخ في وجهه بسرد أدبي، يثابر باستمرار لكي يجد معني لكل ما يحدث. ظل الاعتقاد بأن المحاربين، وأصحاب النظريات القتالية الميدانية، يفتقرون لهذا الزمان الذاتي الذي يثيرهم إبداعيا ويخلق عندهم إحساسا جماليا وفنيا. إلا أن غيفارا يدحض ذلك، ويصيغ تجربة متميزة. إذا استطاع القارئ أن يقترب من هذه النصوص، وحتي دون هوس بأسطورة غيفارا، فإن ذلك يكفيه لكي يكشف حاكيا مرهف الحس، ذكيا جدا. يقتر اللغة بكثافة. يحافظ بشكل متوازن علي تلك المعادلة التي تتوخي مماثلة الانزياح بالصورة. نحس بأن غيفارا، لا يبوح للغة بنوع من التشكي المالنخولي أو الإكلينيكي فهو يحكي للغة وباللغة، ثم يفكر في حالة انسانية بديلة. لذلك، لم يسقط في الترميز المجاني، الذي قد يتحول إلي مجرد تلاعب بالمدلولات دون أي منطق فني. لكن رغم ذلك: هل نستطيع قراءة يوميات تشي غيفارا الشاب، بعيدا عن صورة الأسطورة التي تخطت الزمن بإنسانيتها المذهلة وكفاحيتها العظيمة (اليوميات ص 6). لا أعتقد أن الأمر قد يكون بالسهولة المتوقعة لأن صاحبها كائن استثنائي ومختلف، سيصنع تاريخا ذاتيا نوعيا ومن خلاله تاريخا كونيا كيفيا. لا شك، أن المادة التي بين أيادينا بكل ما تحمله من ثقل مشاعري وإنساني، تشكل مادة أساسية بالنسبة للمحللين النفسانيين والاجتماعيين والمؤرخين من أجل تمثل الجوانب الخفية من شخصية غيفارا فهي وثيقة أساسية مهمة بكل المقاييس المعرفية والوجودية. تقول أليدا غيفارا مارش : كلما قرأت أكثر، كلما أحببت الفتي الذي كان عليه والدي .. إرنستو الذي غادر الأرجنتين تواقا للمغامرة وأحلامه بما سيقوم به من أعمال عظيمة. والشاب اليافع الذي، وهو يكتشف واقع قارتنا، استمر في النضوج كمخلوق بشري متطورا إلي مخلوق اجتماعي. ببطء نري كيف تغيرت أحلامه وطموحاته. تعاظم وعيه بألم الآخرين وكيف سمح له أن يصبح جزءا منه. الشاب اليافع الذي نبتسم في البداية بسبب لا معقوليته وجنونه، يصبح أمام أنظارنا بالغ الحساسية حين يروي لنا عن عالم أمريكا اللاتينية المعقد الفطري، عن فقر أهلها والاستغلال الذي يتعرضون له. بالرغم من كل ذلك، لا يفقد قط روحه الفكاهية التي تصبح أرفع وأكثر حذقا. أبي (هذا الرجل الذي كان) يرينا أمريكا اللاتينية التي قلة منا تعرفها، و يصف مناظرها الطبيعية بكلمات تلون كل صورة لتصل حواسنا، حتي يمكننا أن نري الأشياء كما شهدتها عيناه. نثره مفعم بالحياة، يستخدم كلمات تسمح لنا بسماع أصوات لم نسمعها من قبل، يضعنا في أجواء أدهشت وجوده الرومانسي بجمالها وفجاجتها، مع ذلك لا يتخلي قط عن رقته حتي حين يصبح صارما في توقه الثوري القوي. ينمو في وعيه إدراك أن ما يحتاجه الفقراء ليست معرفته العلمية كطبيب، بل قوته ومثابرته في محاولة إحلال تغيير اجتماعي قد يمكنهم من العيش بالكرامة التي سلبت منهم وسحقتهم لقرون (اليوميات ص9 /10 ). غيفارا، طبيب ثوري تقدمي إلي النخاع. حالم باللغة والأفكار، يسعي إلي تغيير مصير الناس والعالم بحواسه ثم السلاح بعد ذلك. نتعلم إذن، من هذه اليوميات أن الثورية مدرسة تقوم بين دروب الحياة، وليست نظريات تحنطها الكتب وحكايات المثقفين. الواقع هو الذي يختبر النظرية، ويحولها إلي قوة مادية. لم يفصح غيفارا عن أية علاقة ممكنة بين هذه الرحلة ويومياته في أمريكا اللاتينية ثم مشروعه الثوري، لكن اكتشافه نماذج مختلفة من الناس ومعرفة طبائعهم، مكنه يقينا من لبنات أساسية في تمثل وفهم قوانين التغيير: في الصفحات الأولي يحذرنا الشاب، الذي سيصبح أحد أبطال القرن العشرين الحقيقيين أن (هذه ليست قصة بطولة خارقة). تقرع كلمة بطولة في آذان الآخرين، لأننا لا نستطيع قراءة هذه الصفحات بمعزل عن التفكير في مستقبل تشي، صورته في سييرا مايسترا، صورة تبلغ الكمال في كيرادا ديل ورو في بوليفيا. لو أن مغامرة الشباب هذه لم تكن مقدمة إلي تكوينه الثوري، لاختلفت هذه الصفحات وكانت قراءتنا لها مغايرة وإن لم نقدر علي تصور كيف. تجعلنا معرفتنا أنها تخص تشي، رغم كتابتها قبل أن يصبح تشي . هذه الصفحات شهادة ـ سرد تصويري كما وصفها بنفسه أيضا ـ لتجربة غيرته، إقلاع أولي صوب العالم الخارجي (اليوميات ص 28/29). للإشارة، فـ تشي هو اللقب الذي أطلقه الكوبيون علي غيفارا بعد نجاح الثورة في الإطاحة بالنظام القائم، وقد تحول إلي قائد ملهم في الحكومة الثورية الجديدة: في البدء كرئيس لدائرة التصنيع في المؤسسة الوطنية للإصلاح الزراعي، ووزير للصناعة وقائد مركزي للمنظمة السياسية التي تحولت عام 1965 إلي الحزب الشيوعي الكوبي. الثوري إذن وبعيدا عن النظريات والاعتقادات والمؤسسات من الضروري أن تعلمه الحياة بوقائعيتها الملتبسة، وأن يعايش أحاسيس الناس وميولاتهم، وكيف يتلمسون خريطة تفكيرهم؟ وبالتأكيد، اختلط غيفارا في رحلته هاته مع كثير من الناس. وفهم بإشارات مختلفة، كيف يمكننا في لحظة ما أن نتحمل ولو لهنيهة من الزمان حتي ولو علي مستوي خيالنا أن هناك بشرا إلي جانبنا في جغرافية ما يتألمون ويكابدون!! تحدث غيفارا بترانيم جميلة ومؤثرة عن عوز الطبقة العاملة وهنود أمريكا وشرطهم الإنساني الجهنمي. جاءت إحدي سياقات اليوميات الغيفاراية علي الطريقة التالية: في مثل هذه الأوقات حين يشعر الطبيب بعجزه الكامل، يرنو إلي التغيير: تغيير لمنع الظلم في نظام كانت فيه هذه المرأة المسكينة تكسب قبل شهر عيشها كنادلة تتنفس بجهد وتلهث لكنها تواجه الحياة بكرامة. في مثل هذه الظروف، يحاط أفراد العائلات الفقيرة، الذين ليس بوسعهم تجنب الديون، بجو القسوة التي هي بالكاد مقنعة. يحجمون علي أن يصبحوا آباء وأمهات وأخوات أو إخوة ويمسون عاملا سلبيا محضا، النضال من أجل الحياة .. إنها هناك، موجودة في اللحظات الأخيرة لأناس كان الغد ولا يزال أقصي افاقهم، عندها يدرك المرء المأساة العميقة المحيطة بحياة الطبقة العامة في العالم كله (اليوميات ص 84/85).تعاملت يوميات غيفارا مع الزمان بجلاء وتقدير كبيرين، ذلك أن رصده الدقيق للأشياء أعطي لهذه اليوميات زخما من الصور وإيقاعا متشظيا.يحاول بكل جوارحه، نقل الأشياء والمواقف بأمانة إلي القارئ، وكأنك تعيش معه اللحظة بكل تأسيساتها: دقة الملاحظة، استحواذ علي الأشياء، متابعة دائمة وإنصات دقيق وعميق للعالم وجيولوجية التفكير الاجتماعي، دقة في الوصف، وتفتيت للغة إلي أقصي انبثاقاتها ثم تطويع لهذه اللغة علي مقاس الصورة. بالتالي، أعتقد أن الدينامية والجاذبية، وكذا قوة الحياة التي أفعمت هذه اليوميات، تدعو إلي إخراج سينمائي من قبل مبدع عالم. قد يمكننا أن نستوعب عن قرب العبقرية الاجتماعية لرجل في حجم غيفارا، والجمالية الإنسانية المتميزة لتلك اللحظة التاريخية التي أتي بها. عن المستشفيأتمني بصدق ـ وهو انطباع قد يساور بلا شك كل من عاشر هذه اليوميات ـ أن تتحول في يوم من الأيام إلي فيلم سينمائي بعد أن يتم اختيار بطل في مستوي جاذبية وكاريزمية وذكاء وعفوية وهيبة غيفارا. الكاميرا المتنقلة وحدها، قد تستوعب أكثر حيثيات دروب هذه الرحلة التي حفلت بكثير من الأحداث الدونكيشوطية والشابلينية، مشوبة بالبهجة والفكاهة والسخرية والحب والحلم والبوهيمية والسعي لإعادة اكتشاف هذا العالم. هناك كذلك، الجوع والحرمان وقسوة الطبيعة والبشر.ثم مظاهر الصعلكة والتهور والتمرد علي القوانين والمواضعات الاجتماعية… ومواجهة الأمراض الفتاكة ولسعات الحشرات. بقدر نوبات الربو المميتة عند غيفارا. لكنه عالج وصديقه ألبرتو أكثر من 3000 مريض بالجذام. يحكي في مقطع من رسالة لأبيه بهذا الشأن قائلا: ودعنا مرضي مستشفي ليما بشكل رائع مما بعث فينا الحماسة للاستمرار في الرحلة. قدموا لنا موقد غاز للطبخ واستطاعوا جمع سوليس، التي تعتبر بالنسبة لوضعهم الاقتصادي ثروة، اغرورقت عيون بعضهم بالدموع حين قالوا وداعا. نبع تقديرهم من حقيقة أننا لم نرتد قط ثيابا فضفاضة فوق ملابسنا للوقاية ولا قفازات وصافحنا أيديهم كما نصافح أي شخص آخر، لأننا جلسنا معهم وتكلمنا معهم حول كل شيء، لأننا لعبنا كرة القدم معهم. ربما بدا كل شيء كتبجح دون هدف، غير أن الدفعة النفسية النشطة التي قدمتها هذه الأعمال لهؤلاء المساكين ـ معاملتهم كبشر عاديين لا كحيوانات كما اعتادوا أن يعاملوا ـ كانت بلا حدود والمخاطرة بالنسبة لنا غير واردة (اليوميات ص 159/160). عبر غيفارا باستمرار وهو يتأمل وقائع رحلته هاته، بأن مهمته: الحقيقة، كانت التـنقل إلي الأبد علي طرقات وبحار العالم (اليوميات ص 90). لم يملك غيفارا في البداية جوابا من هذا القبيل. ما دام أن الرحلة تبدو للوهلة الأولي، كما أشرت الي ذلك سابقا، تلقائية لأنها تفتقر لأي هدف. لذلك حينما حل ورفيقه ألبرتو ، كضيفين عند صديق لهما، توجهت زوجة هذا الأخير إلي غيفارا قائلة: أمامك سنة واحدة فقط للتأهل كطبيب، ومع ذلك تسافر؟ أليست عندك فكرة متي ستعود؟ لكن لماذا؟ . لم نملك إجابات محددة علي أسئلتها. (اليوميات ص 52/53). بعد أيام قليلة، سيكتب غيفارا: أدري الآن بانسجام مميت مع الحقائق، أن مصيري هو الترحال، أو ربما من الأفضل القول إن الترحال مصيرنا (اليوميات ص 59). كثيرة هي اللحظات التي انقطعت فيها أنفاس القارئ، وهو يتابع تفاصيل هذه الرحلة وهي تصف صراعات غيفارا وألبرتو، ضد الجوع ـ إلي درجة أكل قشر البرتقال ـ والحرمان والتشرد وقساوة الطبيعة، والعوز والحاجة، وحيف الإنسان علي أخيه الإنسان. وبين ذلك كله وصف فني رائع لجغرافية أمريكا اللاتينية وأحوال الناس والمطاعم والمناجم والعمال والكاتدرائيات والوديان والجبال والحضارات. … مع إدراكه المبكر بحسه السياسي البعد الإستعماري التوسعي للإمبريالية الأمريكية، واستغلالها البشع لدول أمريكا اللاتينية، كما هو الأمر مثلا مع بلد كالشيلي بلد بابلو نيرودا، علي حد تعبير غيفارا إحالة علي شاعرها الكبير، والنهب الذي تتعرض له ثرواته النحاسية في مقابل الفقر المدقع الذي تعيشه الطبقة العاملة ومعها أغلبية الشعب الشيلي. يتموضع إلي جانب غيفارا ملهم الكلاشينكوف والمنظر الثوري. غيفارا، عاشق السباحة وصيد الأسماك وكرة القدم. يشدو الحرية والحياة البوهيمية. تشيغيفارا، الذي سيوقع الأوراق النقدية بعد ذلك باسم تشي تعبيرا عن ازدرائه المال واحتقاره له (اليوميات ص 19) حينما تولي رئاسة بنك كوبا الوطني، هو نفسه الذي تحمل طيلة هذه اليوميات الجوع وقسوة الطبيعة والعراء وسعال الربو، لأنه بكل بساطة لم يكن لديه ما يكفي من النقود لتغطية نفقات ومصاريف الرحلة. إن غيفارا ومثل كثير من الزعماء الكاريزميين، يستحيل في أحيان كثيرة أن تقرأ إنتاجاتهم الفكرية والأدبية كما هو الأمر العمل الحالي بنوع من التجرد والموضوعية الخالصة، لأن تأثيرهم وسحرهم يكون مغناطيسيا وقويا، مما يستحيل معه الفصل بين حدود العمل وتجليات صاحبه. فتصوراتنا الماقبلية، حتما ولزوما توجه تقييماتنا. لكن وضع العنوان علي طريقة: يوميات دراجة نارية ربما قد يسقط هذا الانسياق العفوي الاستلابي وراء تلك الهالة الإنسانية الكبيرة التي رسمها غيفارا، وتدفعنا منذ البداية الي أن نستجمع قوانا لكي نتمطط مع المسافات التي ترسمها هذه الآلة بين أدغال أمريكا اللاتينية دون إعارة اهتمام للشخص. نحرق بها الكيلومترات، ونرصد معها الأحداث والوقائع.بمعني ثان، تبئير للدراجة النارية وأمريكا اللاتينية. وكأن غيفارا، توخي قصدا أو اعتباطا، أن لا يستهوينا أساسا اسمه. ونركز بشكل خاص علي لقاءات وإخفاقات ونجاحات وأفراح وأحزان وبناءات وانكسارات دراجة نارية وهي تجوب بعض فضاءات أمريكا اللاتينية. لقد أراد غيفارا، من القارئ فيما أظن، أن نتابع هذه اليوميات بتلقائية وعفوية دون وصاية أو سلطة، حتي لا تحول هيبة غيفارا /التاريخ ـ وأهم أمريكي لاتيني بعد سيمون بوليفار، قائد مجموعة من الثورات المسلحة. وساعد علي حصول كثير من بلاد أمريكا اللاتينية علي استقلالها من إسبانيا ـ دون تكثيف حميمية وألفة غيفارا / الرحالة. ظل غيفارا، يدمن يوميات ترحاله بحواسه وأحاسيسه: يفرح، يحزن، يضحك، يضجر، يسخر، يشاغب، يعربد، يتسكع علي طريقة طفولية، ويتسامي. ثم يداعب جسده وينصت إليه حتي لا يهزمه مرضه: علي الدراجة النارية، في الشاحنات أو عربات الشحن المقفلة، علي متن السفن أو سيارة فورد صغيرة، والنوم في مخافر الشرطة وتحت النجوم أو الملاجئ العابرة، كافح تـشي باستمرار تقريبا ضد ربوه (اليوميات ص 37 ).يحلم بتلك الأمريكا اللاتينية الكبيرة، ويفصح عن هذا الهاجس كلما أتيحت له الفرصة. يقول غيفارا، وهو يحتفل بعيد ميلاده الرابع والعشرين، في مستعمرة سان بابلو للمصابين بالجذام: نشكل جنسا هجينا واحدا يحمل من المكسيك الي مضايق ماجلان أوجه شبه اثنوغرافية فذة. هكذا وفي محاولة لتخليص نفسي من ثقل الريفية ضيقة الأفق، اقترحت شرب نخب بيرو وأمريكا لاتينية متحدة (اليوميات ص 33). تعلقه الروحي بقارته وانتمائه، بدا جليا كذلك من خلال مظاهر الافتتان بحضارة الإنكا كزخم ثقافي وحضاري لبلد البيرو خاصة والقارة الأمريكية معها، حيث سيضع غيفارا القارئ عند الظروف والسياقات التاريخية وكذا المعطيات الاركيولوجية لهذه الحضارة، وتأثيرات الغزو الإسباني علي ذلك. وبقدر ما نتهاوي وراء خيالنا، مع وصف غيفارا الحلمي لمآثر إمبراطورية الإنكا، فإننا نذهل أيضا، بهذا السخاء الإنساني الكبير والنوعي، وهو يزور صحبة ألبرتو مستعمرة الجذام بـ البيرو مما أدي الي تفاقم حالة الربو عنده بعد يومين من المكوث هناك. لحظة كتلك، وكثيرة أخري مثلها ستقطع أنفاس القارئ، وهو يتابع تسلسل هذه اليوميات. فطابع التشويق الذي ميز كثيرا من أحداثها ووقائعها أظهر قدرة غيفارا الإبداعية علي توظيف لغة منمنمة سنتيمترية ، دائمة الإيحاء في تعبيراتها الحقيقية، لأنها بالتأكيد تستند علي قصدية إنسانية خالصة. أجزم، بأنه قد لا نجازف حكميا إذا صنفنا هذا العمل ضمن تيار الأدب الملتزم لأنه ينطوي علي قيم إنسانية، تدعو إلي تغيير العالم. قضية، سيموت من أجلها غيفارا سنوات بعد ذلك. تدرج علي صياغة اللغةتنجلي مع هذه اليوميات، قدرة احترافية لغيفارا علي صياغة لغة مبدعة بعين حاذقة، تداعب الاشياء في أقصي تجلياتها وتمظهراتها ولم يسقط في التقريرية أو التبسيطية الاختزالية وهو يتوخي نقل مشاهداته الي القارئ، بل دأبت علي أن تظل لغة موحية وسلسة علي الرغم، من أن بعض تعثرات الترجمة أضفت نوعا من الضبابية، وشوشت أسلوبيا إن صح التعبير علي سلاسة وانسيابية ـ قدر كل ترجمة ـ جمالية كثير من الأفكار الغيفاراية. أفترض مع القارئ احتمالا، بأنه قد وقع خطأ فظيع علي مستوي الإخراج النهائي لهذا العمل حيث أخرجت المطابع اليوميات إلي هذا القارئ، دون أية إشارة إلي اسم صاحبها أي: إرنستو تـشي غيفارا، وأعتقد بأنها ستحافظ بالرغم من غياب سحر الاسم علي قيمة معرفية وأدبية سواء علي مستوي الجانب التوثيقي للرحلة أو حمولتها الإيديولوجية وبين طيات ذلك الرؤية الحداثية للعالم. أشياء وأخري، أظهرت لغيفارا مصيرا جديدا، غير تآليف رتيبة وتافهة لولادة وموت: الشخص الذي كتب هذه اليوميات توفي لحظة لمست قدماه تراب الأرجنتين. الشخص الذي أعاد تبويبها وصقلها، أنا، لم يعد له وجود، علي الأقل لست ذلك الشخص الذي كان. كل هذا التجوال هنا وهناك في أمريكتنا لتكتب بحروف كبيرة، غيرني أكثر مما حسبت (اليوميات ص 46). وبالتالي، إذا ابتدأت هذه الرحلة بدون سابق إشعار، فقد انتهت مؤكدا بهذه الخلاصة الوجودية الكبري. لم يفصح غيفارا عن طبيعة الشخصية التي قطع معها. لكننا علمنا بعد ذلك، بأنه من عظماء التاريخ الذين كانوا يبصقون علي أنفسهم وعلينا جميعا كل صباح، وهم يكتشفون في كل آن بأن اليومي تحول عندنا إلي مجرد عادة ثقيلة، و بأننا غير قادرين علي الإحساس بأي شيء. فظيع أليس كذلك!!حتي عتاة الرجعية والتعفن السياسي، سيحبون بلا شك مغامرات غيفارا هاته. تكفيك قراءة هذا النص كوثيقة أدبية، دون أية خلفية أو حمولة إيديولوجية حتي تحب صاحبه. تقول أليدا غيفارا مارش مرة أخري عن أبيها غيفارا: يرينا هذا المغامر الشاب بعطشه للمعرفة ومقدرته العظيمة علي الحب كيف يمكن للواقع إذا فسر بشكل سليم أن يخترق الإنسان إلي درجة تغيير طريقة تفكيره أو تفكيرها. أقرأ يومياته هذه التي كتبت بكثير من الحب والبلاغة والأمانة. تشعرني هذه اليوميات أكثر من أي شيء آخر بالاقتراب من والدي. أتمني أن تستمتعوا بها وأن تمكنكم من الترحال معه في رحلته. إذا سنحت لكم الفرصة يوما للسير فعلا علي خطواته، ستكتشفون بحزن أن كثيرا من الأمور بقيت علي حالها دون تغيير أو حتي أصبحت أسوأ، وهذا تحد للذين يتحلون منا، مثل هذا الشاب الذي أصبح بعد سنوات تشي، بحساسية إزاء الواقع الذي يسيء معاملة أكثر التعساء بيننا، الملتزمين بالمساعدة لخلق عالم أكثر عدلا. سأترككم الآن مع الرجل الذي عرفته، الرجل الذي أحببته حبا جما لقوته ورقته التي أظهرها في طريقة عيشه. استمتعوا بالقراءة! ودوما إلي الأمام ! (اليوميات ص 10ـ 11). للتذكير: أسر غيفارا يوم 8 تشرين الاول/ أكتوبر 1967، من قبل القوات البوليفية بوشاية من أحد عملاء المخابرات الأمريكية، لكي يعدم في اليوم التالي ويلقي به في قبر مجهول إلي جانب جثامين عدد من المقاتلين. سنة 1997: حدد مكان دفن رفات تشي في بوليفيا وأعيدت إلي كوبا حيث وضعت في نصب تذكاري في سانتا كلارا . ستظل سيرته، و إلي أبد الآبدين، تقـــــض مضجع حمــــــقي ومجانين الحكم في أي مكان من هذه الأرض وما بقي الزمان. 7