عامر هشام الصفارخرف: السيد ‘وليم’ ذو التسعين عاما عمرا ما زال في الردهة ومنذ ما يقرب من ثلاثة شهور. توفيت فيها زوجته وهو بعيد عنها مصاب بالخرف بعد جلطة الدماغ. فَقَد الحركة وانمحت عنده الذاكرة. لم يضحك اليوم لي كما كان البارحة، بل راح كل هنيهة محاولا نزع ملابسه ليتعرّى كما ولدته أمه. السيد وليم كان انسانا فاضلا، سائق سيارة نقل لطلاب مدرسة في قريته الصغيرة. أوصيت ممرضتي أن تكون قريبة منه، فكلما همّ بنزع ملابسه تمنعه الممرضة الماهرة بطريقتها الخاصة. حتى قررت أن أخرجه من غرفته على كرسي خاص. صار قبالة السيدة ماري ذات الشعر الأصفر الاصطناعي والأنف المدبب الذي نما عليه ورم صغير خبيث. السيد وليم من يومها وهو لم يحاول نزع ملابسه، فارتاحت ممرضتي وسجلّت أنا ‘براءة اختراع’ جديدة. حكة جلديةيحك جلده في كل مكان. وجدته يحك قمة رأسه وجبينه، ولما اقتربت أكثر كان وجهه قد أحّمر من الحك. يجلس على كرسيّه العالي ذي المسندين الخشبيين اللامعين وهو يشير الى حبّات الدواء أمامه حيث لا يريد أن يتناولها. ذكّرته بأن مرض الكلى عنده هو ما سبّب هذه الحكة الجلدية. لم يصدّقني. يخاف أن يكون مرضه الجلدي معديا لزوجته التي تزوره كل يوم. رجعت الى غرفتي. شربت قدح ماء بارد وأمسكت بأوراق مريضي مطالعا. بعد دقيقة أحسست بأني قد بدأت أحك قمة رأسي أيضا! في ردهة الباطنيةدخلت ردهة الباطنية متأخرا بعض الشيء. الردهة بلا رقم ولكن أسمها غريب، أختاره المدير على أسم مدينته التي ولد فيها. الممرضة القديرة تستقبلني بترحاب وتضع أمامي ورقة طلباتها للمرضى. أفتح جهاز الحاسوب في غرفتي وأنا أسمع أنين مريضتي القادم من غرفة مجاورة. أنين كصوت ناعور متهالك كنت أسمعه في قريتي البعيدة. شمّرت عن ساعدي ورحت أحضّر قنينة الدم لمريضة انتشر في جسمها المرض الخبيث. الممرضة ذكّرتني بأن مريضتي لا تقبل نَقْل دم اليها فهي من شهود يهوه…استّمر الأنين..أنيييييين..نييين..ن..ن.ألممنذ ثمانية أيام والسيدة سيمون مريضة في هذه الردهة بمستشفى المدينة الجامعي. كانت قد جاءت مع أبنها البكر بعد أن شكت من آلام مبرحة في الخاصرة. رحت أشرح لها نتائج الفحوصات وخطتي للعلاج، وهي تنظر في وجهي غير راضية، فألم الخاصرة لم يترك لها رغبة في أي شيء. أخرجت اللاصق المزيل للأوجاع من ثلاجة أدوية الردهة ووضعته بيدي على جلدها مباشرة. في صباح هذا اليوم لم أتعرّف على مريضتي سيمون. هي تبتسم لي وترفع ابهامها الأيمن دلالة الراحة. وجدتها بعد هنيهة وهي ترسم لوحة ملّونة لورود حديقتها. وقعّت اللوحة وكتبت في الأهداء: أردت أن أقول شكرا لك بطريقتي الخاصة’.. بقيت طوال اليوم أتذكّرها أمي، طوبى لتربتها..ألم السنين تحملّته بصبر أيوب. فقدانأفتح باب غرفتي وأصيح أسمه بصوت مسموع: السيد جون مكارثي..ينهض رجل طاعن في السن من بين المرضى الذين امتلأت بهم قاعة الانتظار، يلتفت نحوي ويجر عكازه الجديد جرّا كأنه مربوط الى حجر ثقيل. يمشي بتؤدة وممرضة شابة تقوده، لم تفارق محياها أبتسامة خفيفة. يتهالك على كرسيّه بجانب منضدتي، وأنا أنظر في أوراقه ونتائج الفحوصات. صورة بالأسود والأبيض وجدتها صدفة بين الأوراق له وهو شاب بملابسه العسكرية يقف مع فتاة بعمر الزهور تلبس ثوب الزفاف. جون يفتقد زوجته التي ماتت قبل شهور قليلة. لم أجرؤ ان أقول له أن سرطان المثانة عنده يتقدم. رحت أبحث في قاموسي عن كلمات، تذهب عنه الحسرات وتقرّبني من هدفي الصعب. علمت البارحة أن الممرضة الشابة هي ابنته الخامسة من زواج ثالث. السيدة آريينتحترم مديرة الردهة عندي أوقات طعام المرضى فلا تدع أي أنسان يقترب من المريض ساعة الغداء مثلا.لشهر كامل كانت السيدة أريين تجلس قبالة السيد نورمان على مائدة واحدة..الأثنان بلغا من العمر عتيا، ولم يبق لهما الاّ أن يتبادلا النظرات حتى أنهما لا يقويان على التفّوه بأية كلمة. عندما وصلتُ الردهة اليوم كانت ثيابي مبللّة بمطر غزير بدأ فجأة يسّح على المدينة.. نورمان وحده على الطاولة، لا يبدي اهتماما لشيء وأدويته في يد ممرضة مُرهَقة تحاول أن تقنعه بتناولها.. لم تكن السيدة أريين جالسة في كرسيّها التي تعوّدت عليه. دخلتُ مكتبي بعد أن جمعت رسائل ونتائج فحوصات مرضاي. فتحت دفتر الملاحظات ذي الغلاف الأسود السميك. في صفحة تاريخ اليوم قرأت: لا تنسى رجاء قبل أن تخرج من أن تمّر على المشرحة، ففي الثلاجة رقم 3 جثمان السيدة آريين… ننتظر منك الأذن قبل حرقه وحسب التعليمات المعروفة.زوجةقبل أن أغادر اليوم ردهتي في الطابق الخامس من مستشفى المدينة الجامعي، استمعتٌ الى هذا الحوار بين مريضي الصيني الأصل وزوجته التي جاءت من هونغ كونغ..)مريضي المسّن مقعد على كرسي كهربائي متحرك، وزوجته جالسة بجانبه حيث بدت ثيابها البسيطة مبللّة جراّء مطر خفيف).الزوج: لماذا تعاملينني هكذا وتتركينني وحدي في هذا المكان؟ بعد كل هذه السنين يا امرأة؟الزوجة: أنا لم أتركك وحدك.. أنت في المستشفى .. الكل يعتني بك.الزوج: ولكني أريد أن أكون في بيتي.. معك.. هل هو عقاب ؟تطفر دمعات من عيني الزوجة.. تقف، تنهار ساقها اليمنى وتسقط العصا من يدها التي بدأت تفقد قوتها رويدا رويدا.رجعت لبيتي متأخرا اليوم.صديقي الرسّامصديقي الفونسو رسّام فنان، كان يأتيني للعيادة الخارجية في المستشفى وهو يحمل دفتر رسوماته الذي غلّفه واضعا صورته الشخصية عليه ودرجته العلمية الجديدة بعد حصوله على الماستر في الآداب وهو في عمر الـ75 عاما.شُخِّص الفونسو بتشمّع الكبد قبل سنتين وهو لم يزل يدرس في الجامعة. لم يمنعه مرضه أو عمره عن أكمال دراسته. قبل أسبوعين أدْخَلْته المستشفى. كان قد أصيب بنزف حاد من دوالي المرئ عنده، بعد أن ثقل عليه تشمّع الكبد.أوقفت النزف ولكنّ مستوى الأمونيا في الدم ظلّ عاليا. دواء جديد كان قد وصلني قبل أيام. وافق الفونسو أن يجربّه.في جولتي المسائية على المرضى كان هو جالسا على كرسيّ قريب من سريره وفي يده لوحته الجديدة. شرب من قدح الماء البارد أمامه، وقبل أن أغادر الردهة قال: هذا ما رسمته ليلة البارحة وأنا أتذكّر رجلا رأيته في سوق مدينتك يوما عندما كنت أطوف البلدان من تطوان الى بغدان..كانت اللوحة لشخص ليس غريبا عليّ يمتطي حماره في سوق شعبي بغدادي.السيد جيفرسونالأن بدأت الساعة تقترب من التاسعة صباحا. رنّ هاتفي الجوال واذا بالممرضة الشابة سارة على الخط.- دكتور..هل تتذكر السيد توماس جيفرسون؟-تفضلي يا سارة..- توماس ليس على ما يرام..يضيق تنفسه وضغطه بدأ ينخفض.كنت قد تحدثت مع أبنة السيد توماس قبل يومين حيث قدمت لزيارته في المستشفى من كندا. يا ترى ماذا حدث اليوم؟.بعد قليل كنت قرب مريضي، أسمع أصواتا مزعجة يصدرها صدره أينما وضعت سماعتي، في حين راحت أطراف أصابعه تتلون بالأزرق الباهت دلالة أنخفاض مستوى الأوكسجين عنده. مثل طير جريح سقط من أعالي السماء، يفتح مريضي عينيه ويغلقهما، كأنه يسألني هل هي النهاية؟ سؤال أراه على وجوه الجميع هنا في الردهة..بعد ساعة رحت فيها أزرقه بكل ما عندي من أدوية، وأضع قناع الأوكسجين على وجهه، سمعته يسأل زوجته وأبتسامة خفيفة على محياه: هذا طبيبي لا زال هنا، لِمَ لا يذهب ليرتاح؟!.ضمور الدماغدخلت ردهة المستشفى في العاشرة صباحا هذا اليوم. كنت قبل ساعة قد زرت مريضا في بيته مقعدا، ووصفت له مضادا حيويا لألتهاب الرئة. السيدة مورين مريضة جديدة في الردهة، تذهب وتجيء لابسة ثوبها الأخضر الجديد، وحاملة حقيبتها النسائية وكأنها ستذهب لموعد مع حبيب. مورين تريد أن تخرج من المستشفى، والممرضة جاكلين معها، تهدّأ من روعها وتطلب المساعدة في أبقائها في ردهة الطابق الخامس في المستشفى. في الخارج كانت الغيوم محمّلة بمطر ينتظره الجميع، وبرق ثم رعد سمعته من بعيد.رحت اسأل مورين : سيدتي ما أسمك؟لم تجبني، حاولت ولم تفلح . ما هو تاريخ الولادة؟ هل لك أن تطرحي 7 من 100 سيدتي مورين .. هل أجهدتك؟عندما زارني صديقي البروفسور كان أول سؤال له عن مريضتي وضمور الدماغ والخرف عندها وخطتي للعلاج. تضحك مورين من بعيد وهي تذكّرنا جميعا أنها تنتظر عزيزا عليها على موعد للعشاء وأنها ستخرج من هذا السجن شئنا أم أبينا. المطر يهطل الآن وصوت الرعد يملأ المكان.فقدان وعي!ألم تقنعها يوما بأن الخمرة تذهب العقول؟..عندما ألتقيتها قبل خمس سنوات في عيادة الأدمان كانت السيدة قد بلغت السبعين عاما..أتذكّرها جيدا. دخلت العيادة حينها، ساهمة النظرات، مصفّرة الوجه، رغم جهدها الواضح في وضع مكياج يخفي حقيقتها. كانت معها أبنتها التي لم تتفوّه بكلمة واحدة. أعطيتها كتيبا صغيرا كنت قد ألّفته يوما عن أضرار الكحول ووصفت لها دواءا اعتقدت في ذاك الوقت أنه سيخلّصها من أدمان لا أعلم كيف ساقتها الأقدار أليه.في ردهة الطوارىء أنا اليوم، وها هي السيدة نفسها..أتذكّر وجهها، وأبنتها معها هذه المرة أيضا، ولكن السيدة فاقدة الوعي وأبنتها تتكلّم بصوت خفيض لطبيب الطوارىء الشاب الذي طلب أستشارتي. ابنتها وجدتها أسفل درجات السلّم ممدّدة دون حراك، وعلى شفتيها أبتسامة باهتة. كان ذلك في ساعات الصباح المبكر. مستوى الكحول العالي في الدم يكشف سبب كل الذي حصل. لم يتوقف نزف الدماغ عندها ففقدت الوعي، في حين لا زال خيط دم خفيف ينزل رعافا من الأنف.لا تفتح عينيها سيدتي في ردهة طواريء مدينة لفّها الضباب السميك. ظلّت ابنة السيدة السبعينية تنظر نحوي وبعد هنيهة مدّت يدها مصافحة لتقول لم تسمع كلامك حينها، ولكن هل من أمل هذه المرة؟.(أعلنت الحكومة البريطانية مؤخرا زيادة أسعار المشروبات الكحولية للحدّ من مآسي الانسان..ترى وهل هذا يكفي؟)!السيدة أولوين:تبدأ عيادتي الخارجية في المستشفى في التاسعة صباحا اليوم. وصلتني رسالة من زميلي البارحة تسألني رأيي في ما تعانيه السيدة أولوين ذات ال 87 عاما. ها هي اليوم تجلس قبالتي في العيادة، بعد أن رأيتها قبل قليل تمشي ببطأ مستندة على عكازتها، حاملة ورقة صغيرة كتبت عليها كل أنواع الأدوية التي تتناولها. أولوين تعيش مع قطتيها في بيت صغير. أبنتها مرضت العام الماضي ولم تعد قادرة على مساعدتها. تركتُ السيدة أولوين تتكلّم كأنها تحدّث نفسها، في حين رحت استمع أليها بارتياح تقول: أحب قطتيّ، وقد كنت أربّي في بيتي هذا كلبا قبل ذلك..أحب صحبة الحيوانات وأفضّلها على صحبة البشر أحيانا. كنت عاملة في مصنع الحلويات في المدينة أيام الحرب العالمية الثانية، ولما قصفت لندن تركتها عائلتي حيث التحقنا مع أقربائنا في ويلز..أولوين ما زالت تتحدث، وتعدّل بين فترة وأخرى سماعة أذنها، ومرضى آخرون في الأنتظار، وهي كما جدّتي لا أملّ حديثها.كتبت لها وصفة دواء جديدة، وقبل أن أنهض مودعا، همست في أذني: قل لي أذا قررّت يوما أن تربّي قطة، فالقطط وفيّة ليس كبعض البشر..! ابتسمت وتمنيت لها عيد كريسمس سعيد.qadqpt