يوميات عودة إلى فلسطين «1»: في ضيافة جورجيت وجمال

آن برونسويك / ترجمة وتقديم: عبد المنعم الشنتوف
حجم الخط
0

تقترب هذه اليوميات التي نقدم ترجمتها العربية من بعض تفاصيل الحياة اليومية في رام الله، ومخيم جنين، في ظل الاحتلال الصهيوني. وتسعى الكاتبة والصحافية آن برونسويك التي عرفت بنشاطها الحقوقي الاستثنائي في سبيل الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني إلى فضح الوجه العنصري والاستئصالي للكيان الصهيوني، بما يستتبعه ذلك من تفاصيل لها تعلق بأشكال المعاناة والحصار والتمييز، التي يعاني منها الفلسطيني. وتمثل لها بجدار الفصل العنصري وتصاريح الدخول إلى الأراضي المحتلة.

رام الله: في ضيافة جورجيت

 صينية شاي مصحوبة كالعادة بفواكه جافة. برتقالة ضخمة ذات قشرة سميكة وعطر فواح، لا يمكن أن تعثر عليها إلا هنا، وتذكرني بفواكه قطفت في الحديقة في الساعة التي تحددها الطبيعة. موز من أريحا وتفاحة. وفي الوقت الذي كانت فيه جورجيت مشغولة في المطبخ، كنت أحاول الحديث مع زوجها وهو في الآن نفسه ابن عمها. لم يكن ملما بما يكفي بالإنكليزية، وكانت حصيلتي من العربية زهيدة. وكان أن اكتفينا بتبادل ابتسامات ود خجولة. ومنذ أن خضع لعملية قلب مفتوح، لم يعد يغادر مقعده. سافرت جورجيت في الأسبوع الفارط إلى القدس لزيارة بعض أقاربها. ترجمت لي الوثيقة المحررة بالعربية والعبرية: ” تصريح مسلم بشكل شخصي جدا ولأسباب دينية محضة. ويحظر على حامله العمل”.  وقد حصل مسيحيو الضفة الغربية هذه السنة على تصريح استثنائي مدته خمسة أسابيع، ويمتد من الفصح الكاثوليكي إلى الفصح الأرثوذكسي. وفي زمن فلسطين العثمانية كانت أسرة خوري في رام الله أرثوذكسية، وكان بعض أفرادها بابوات. أطلعتني جورجيت على صورة لأحد أجدادها وكان ملتحيا يرتدي مسوح الكهنوت، ويعتمر عمامة سوداء. وقد عثر عليها أحد أبناء اخوتها في الأرشيف الإسرائيلي. يتكفل الكاهن بنقل طلبات الحصول على التصاريح مصحوبة بنسخة من بطاقة الهوية. ويبقى على السلطة العسكرية الإسرائيلية أن توافق، أو ترفض، بدون أن تكون مضطرة لتقديم مبرر. حصلت جورجيت هذه السنة على التصريح، في ما لم يحالف الحظ ابنة عمها هنرييت التي علقت قائلة: ربما بسبب ارتباطي بشخص مسلم. وقد علمت بأنها أرملة منذ ثلاث سنوات.

سألت جورجيت عن انطباعاتها عن القدس، التي لم تزرها منذ خمس سنوات:  لم يتغير شيء باستثناء هذا الجدار الفظيع، الذي جعل حياتنا مستحيلة. يعمل ابن عمي في ورشة للخشب مقابل منزله. والآن يمر الجدار وسط الطريق. وكي يذهب من بينابيلا إلى عرام  عليه أن يمر برام الله. وعوض الدقائق الثلاث التي كان يستغرقها العبور، أصبح يستلزم الآن ساعة ونصف الساعة. يتوقف عن العمل حين يكون حاجز المراقبة مغلقا، أو يتعذر عليه العودة إلى منزله. وقد فقد الكثير من الأشخاص مثله عملهم.

روت لي جورجيت في ما يخص الجدار حكاية بطلتها جارة مسيحية نقل شقيقها الأصغر على جناح السرعة إلى مستشفى سان جون في القدس. كان هذا الرجل في الحادية والخمسين وأبا لثلاثة أطفال. وحين علم أن حالته الصحية ميؤوس منها،  طلب رؤية شقيقته التي كان يحبها كثيرا لأنها  تكفلت بتربيته. انتظرت المرأة التصريح  يوما تلو آخر، في ما حالة اخيها تزداد سوءا. وفي 17 مارس/آذار سلكت  طريقا بين التلال يعرفه المهاجرون السريون. انسلت بعد ذلك في قناة إسمنتية ضخمة تحت الأرض. لكن ما أن خرجت من الجانب الآخر حتى بوغتت  بإيقافها من لدن جندي إسرائيلي. انتابت المرأة رعدة الخوف لعلمها أن القانون العسكري الإسرائيلي يبيح للجنود إطلاق النار على من يقترب من الجدار. لم تكن المرأة مغامرة، وقد استحلفت الجندي الشاب وهي جاثية على ركبتيها كي يتركها تذهب إلى المستشفى: اخي يحتضر وقد طلب مني الحضور. ليس لي سواه. الرحمة. قيدها الجندي بالأصفاد وتركها لساعات حتى أوشكت على الموت من فرط العطش، وفي النهاية خاطبها قائلا: احتراما لسنك، ولأنها المرة الأولى لن أقودك إلى سجن كيتزيوت المخصص للفلسطينيين، وسأسمح لك بالعودة إلى رام الله. وحين عودتها قالت الجارة لجورجيت إن قلبها أصبح سخاما. وفي 19 مارس  توفي الأخ في المستشفى، وفي اليوم التالي حصلت المرأة على التصريح الذي  أصبح بدون جدوى. بيد أن اسمها اندرج في اللائحة السوداء لجيش الدفاع الإسرائيلي.

تفضي لي جورجيت بحكايات سيرتها اليومية في ظل الاحتلال، وبنبرة هادئة وتفاصيل وظروف وتواريخ، كي يتاح لي توثيقها ونقلها بأمانة. لكنها تتحاشى بلباقة الحديث عن السياسة. لا يسعها الحديث عن فتح أو حماس؛ اذ خيبت فتح أملها بسبب الرشوة، ثم خيبت حماس أملها أيضا بسبب العنف والانقلاب في غزة. وعن المجلس البلدي المستقل الجديد الذي جرى انتخابه في ديسمبر/كانون الأول  عام 2005 قالت جورجيت، إنها راضية عن أدائه، خصوصا جانيت ميخائيل المديرة السابقة للثانوية، التي أصبحت أول امرأة تنتخب لمنصب العمدة. تنتمي هذه المرأة المسيحية اليسارية إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش. جرت العادة في عائلة خوري على مساندة جورج حبش لشخصه، بوصفه مسيحيا ولاجئا وقوميا وطبيب أطفال، وليس باعتبار برنامجه الماركسي الذي لا يقبل المهادنة. وما تفتأ صور الحكيم العجوز تغطي جدران رام الله. وفي الغرب لم يفطن أحد لرحيله، كان مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي كان خصما يساريا لعرفات، ومنظما للعديد من العمليات الفدائية وقرصنة الطائرات. نتحدث عنه هنا باحترام باعتباره زعيما تاريخيا للقضية الفلسطينية، كما قال الرئيس محمود عباس، الذي أعلن الحداد  على رحيله لمدة ثلاثة أيام، وقد شاركت كل الأحزاب في ذلك وضمنها حركة حماس.

سألته عن أخبار المخيم، مرت أربع سنوات وما تفتا ندوب الانتفاضة عميقة. خرائب وأطلال منازل وواجهات مثقوبة بالرصاص. وفي عام 2006 تخلص المخيم من خرائبه، لكن مظاهر البؤس ما تفتأ جلية للعيان.

وصل هاني الابن الأكبر مع زوجته، ونحن ننتهي من شرب الشاي. كان قد تزوج في السنة الفارطة وهو على وشك أن يصبح أبا. وقد عانى من العطالة لمدة شهر حين فقد عمله في شهر فبراير/شباط. ووجد نفسه مضطرا إلى قبول أول عرض يقترح عليه وهو ساع في شركة للبريد الخاص براتب 400 يورو. كانت زوجته تنحدر من أسرة مسيحية من بيت لحم. كان الابن الآخر شادي يعمل في محل للمجوهرات،  وقد جرح في صدره عام 2005 بطلق ناري اخترق الستار المعدني للمتجر.  روى لي شادي الهلع الذي انتابه حين شرع الجنود الإسرائيليون في إطلاق النار من ساحة المنارة. ولد ابنه في الوقت الذي كان فيه راقدا في المستشفى، وها هو الصغير فيكتور في الثالثة من عمره. وهو يلهو بتحويل عصا جده إلى مروحية في الصالون، في ما تبذل جورجيت جهدها كي تحمله على الهدوء. أطلعتني على صور ابنتيها فوق المدفأة وقد حققت كلتاهما نجاحا مهنيا مثيرا للإعجاب. كانت الكبرى مسؤولة عن العلاقات العامة في جامعة القدس، في ما كانت الصغرى باحثة في البيولوجيا في إحدى الجامعات الفرنسية.

سوف يكون لجورجيت أربعة أحفاد وهي تجتهد في أن تجعلها أسرة ملتفة حولها. وفي الولايات المتحدة، حيث يقيم إخوتها وإخوة زوجها. ليست العلاقات معها بالقوية، إذ لا يتحقق اللقاء إلا مرة كل سنة أو سنتين في المناسبات الكبيرة  اختارت جورجيت البقاء في فلسطين من أجل الأسرة، في الوقت الذي اختار فيه الكثير من المسيحيين طريق الهجرة. كان اختيار البقاء بدافع العناد والنخوة لرغبتها في أن لا تستسلم للعدو الصهيوني الذي طردها من القرية التي ولدت فيها. وحين يحين الأجل ستدفن جورجيت وزوجها في المقبرة المسيحية في رام الله التي اكتظت بالموتى، بحيث أصبحوا يدفنون في ممرات المقبرة، أو فوق بعضهم بعضا.

حين أوصلتني إلى سياج البيت، أخرجت من جيبي فاكهة ذات جمال أخاذ عثرت عليها بالأمس في القدس الغربية. كانت عبارة عن نواة في داخلها حبوب صفراء مرصوصة مثل جواهر، كانت مطروحة بالمئات تحت أشجار فندق الملك داود. ولم يكن السائقون والعمال  يعيرونها أدنى اهتمام. كانت جورجيت خبيرة في الغرس، وكنت أتوقع أن تخبرني باسمها. قالت: لا علم لي بها ولكنني سأغرس الحبوب وسنرى النتيجة في السنة المقبلة.

مخيم جنين: في ضيافة جمال

حين طرقت باب بيت جمال فتحت لي الباب إحدى قريباته، أيقظت جمال الذي كان نائما فوق لحاف مطروح على الأرض. أومأ الي بالاقتراب. لم أتعرف عليه بسبب لحيته الشعثاء ونحوله الفظيع، الذي لم أعهده فيه. غمغم ببعض عبارات الترحيب وهو يرتدي جلبابا ذا كمين طويلين، ويغطي رأسه بطاقية زرقاء كبيرة. ثم عمد إلى قطعة مربعة من القطيفة البيضاء طواها ولفها حول الطاقية في شكل عمامة. اما القطعة الأخيرة من هندامه فكانت سترة من الكاكي ارتداها فوق الجلباب.

لماذا غير هندامه؟ إنها طريقة النبي وهو لباس البياض رمز النقاء والطهارة. وفي الصورة التي التقطت له قبل سنتين كان يرتدي بنطلون جينز وقميصا أصفر، وهو يلعب الكرة مع أترابه في الأرض الخلاء التي توجد فوق المقبرة. وكان في هذه الفترة موظفا في الشرطة الفلسطينية، ويرفض بحزم حمل السلاح. وكان أن انتدب لتحضير السندويتشات. كانت هذه المهمة تدر عليه دخلا محترما وتترك له متسعا من الوقت لممارسة هواياته. وكان مستمرا في الاضطلاع بدور الدليل بشكل تطوعي للأجانب القادمين من كل أنحاء العالم في أزقة المخيم. وكان يبذل جهده في تطوير مهاراته في الإنكليزية والمعلوميات. أفهمته بأن النبي لم يكن يملك سترة بأزرار، لكنه لم يفطن للدعابة التي حبلت بها ملاحظتي، وواصل حديثه عن الله الذي يمحضه حبا بلا حدود، والذي يشعر بقربه في أوقات الصلاة. تغيرت حياته إذ يبدأ يومه بصلاة الفجر في المسجد في الساعة الرابعة والنصف صباحا، بمعية خمسين شخصا. يذهب بعدها إلى مقر الشرطة، لكي يعمل قرابة ساعتين في تنظيف دورات المياه، معتبرا ذلك نوعا من التقرب إلى الله، ثم يعود بعدها إلى المسجد، ثم يمضي بقية اليوم في منزله في تلاوة القرآن والصلاة. اندهشت من نحوله الذي عمقته لحيته والجلباب الواسع الفضفاض، وكان أن تساءلت أن كانت الأسباب مرتبطة بالفقر أو الزهد الصوفي. احتج قائلا: إنني أتناول الطعام عدة مرات في اليوم. وقد ذكرتني ابتسامته الواسعة للحظة بجمال الذي عرفته في زمن مضى.

سألته عن أخبار المخيم، مرت أربع سنوات وما تفتا ندوب الانتفاضة عميقة. خرائب وأطلال منازل وواجهات مثقوبة بالرصاص. وفي عام 2006 تخلص المخيم من خرائبه، لكن مظاهر البؤس ما تفتأ جلية للعيان. لا يحب جمال الحديث عن المخيم، وهو يسخر من حماس وفتح، ويأتي الجيش الإسرائيلي كل ليل لينجز اعتقالات. ولا يحيط بِنَا سوى الوهم والخداع والكذب، لا يمكن لله أن يخلق عالما بهذا القبح والظلم. وليس لنا سوى الالتزام باوامره ونواهيه كي نفوز بالجنة؟ كل ما تجده من خير فوق هذه الأرض موجود بشكل مضاعف إلى ما لانهاية هناك. ولا وجود لما يسوء. ووحدهم من التزموا بوصايا الله من سيقبلون في الجنة. أما الآخرون فمصيرهم جهنم. وأتى بيده حركة كما لو أنه يتخلص من قمامة. وسيكون عليهم الانتظار إلى ما لانهاية. وأتى بجسده حركة تومئ بمركب يتداعى للغرق.

هل يحمله هذا الإيمان الجديد على أن يحارب من أجل الإسلام؟ لا يطيق جمال أن يذكر النبي محمد بسوء، لكن ذلك لا يشكل دافعا أو سببا للقتال. لجمال أخ قيد الاعتقال في السجن منذ 2002، وأخ اخر ثقب الرصاص جسده ويمشي على عكازين، وهذا يكفيه. وهو يعتقد أن الإسلام ليس بحاجة إلى أسلحة لكي يفرض حضوره أمام الإنسانية. وقد علم عن طريق الأخبار أن فرنسا أصبحت أول بلد مسلم في أوروبا. قلت له: تشعر بالخيبة لأن فرنسا ليست بلدا متدينا، لكنه لا يستطيع تصديق ما أقوله. لم تعد له أي صلة بالأجانب، خاصة النساء، وإذا كان قد رضي بهذا الاستثناء في ما يخصني، فلأنني طرقت باب بيته، وأنا في سن أمه. لم تعد لجمال أي صلة خارج أسرته بالنساء، ويعمد دائما إلى خفض عينيه في حضور إحداهن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية